الخطوات الأولى في الميدان اللبناني

Avatar18020/09/2019
في الحلقة الثالثة من مذكراته اللبنانية، يروي السفير السوفياتي السابق في بيروت فاسيلي كولوتوشا تفاصيل خطواته الأولى في الميدان اللبناني، والتوجيهات التي تلقاها من وزير الخارجية السوفياتي ادوارد شيفرنادزه قبل سفره لتسلم منصبه الدبلوماسي الجديد، والتي اختزلت بهدفين: حماية المواطنين السوفيات في هذا البلد، ومساعدة اللبنانيين على تحقيق المصالحة الوطنية.

وفقاً للممارسة المتبعة في وزارة الخارجية السوفياتية، وقبل مغادرتي إلى بيروت، طلبتُ موعداً مع وزير خارجية الاتحاد السوفياتي آنذاك إدوارد شيفاردنادزه. طلبتُ اللقاء على سبيل الاحتياط، ولكني فوجئت بأنَّه قبله فعلاً (كقاعدة عامة، كان نائب الوزير المسؤول عن الخدمة الدبلوماسية يقوم بتوجيه السفراء المغادرين إلى مراكز العمل).
المحادثة مع الوزير كانت مختصرة، ولكنها مفيدة. أشار شيفرنادزه، بعبارات حيوية، إلى أنه يجب علينا في لبنان أن نعمل أولاً من أجل تحقيق المصالحة بين اللبنانيين، وأن يكون دور الاتحاد السوفياتي وازناً وحيوياً للجميع. علاوة على ذلك، يجب أن نأخذ في الحسبان باستمرار سلامة مواطنينا. إذا تكرر ما حدث في الخريف الماضي، فلن يغفر لكَ أحد ذلك!
عندما وصلت إلى بيروت، ارتأيت أن تكون مهمتي الأولى إقامة اتصالات مع السياسيين اللبنانيين في كل من المناطق الإسلامية والمسيحية. التقيت بالكثير من المعارف القدامى، لا سيّما أنني  عملتُ في بيروت في السبعينيات مترجماً فورياً لدى السفيرين سارفار عظيموف وألكسندر سولداتوف. بناءً على ذلك، كان من الطبيعي السؤال عن الشخصيات اللبنانية التي لم أكن أعرفها شخصياً، أو تلك التي لم يعرفها أصلاً هذا السفير الجديد الذي كان “يترجم” إلى اللغتين العربية أو الفرنسية في حقبة السفراء السوفيات السابقين.
عندما ذهبتُ في زيارة بروتوكولية إلى رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رشيد كرامي، نظر إليّ محملقاً بعينيه، وسألني: “كيف وصلتَ إلى هنا؟!” (ليس بالمعنى الحرفي!). كنت هناك بالفعل في ربيع العام 1972، أثناء زيارة وفد مجلس السوفيات الأعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية إلى لبنان، ثم واكبتُ الزيارة المتبادلة لوفد البرلمانيين اللبنانيين إلى موسكو، حيث أجريتُ لقاءات مع كرامي، عندما كان شخصية سياسية شابة نسبياً، ومن ثم في مرّات أخرى خلال اللقاءات بين كرامي وعظيموف.

ذهبتُ في زيارة بروتوكولية إلى رشيد كرامي، فنظر إليّ محملقاً بعينيه وسألني: “كيف وصلتَ إلى هنا؟!”

بالرغم من أن الزمنَ قد تغيّر في روسيا، لا يسعني إلّا أن أتذكّر الشيوعيين اللبنانيين بشعور من الامتنان العميق. لقد كانوا أفضل الأصدقاء لبلدنا بكل ما للكلمة من معنى.
حتى الآن، ما زلت أتذكر جورج حاوي، نديم عبد الصمد، كريم مروة، يوسف مرتضى… ومع ذلك، عندما أفكر فيهم، أشعر دائماً بالخجل. لا يتصل هذا الشعور بي شخصياً، وإنما بأولئك الذين قادوا روسيا في حقبة التسعينيات: في مرحلة الصعود على سلّم حياتهم السياسية، وخلال تسلّقهم “أعمدة” النظام، باسم الأيديولوجية الشيوعية، حطموا مصير الناس، وبعد ذلك استولوا على السلطة، وفي نشوة السكر، لعنوا كل شيء أقسموا عليه سابقاً. وفي الوقت ذاته، خانوا كل الذين ربطوا مصيرهم بنا خارج الحدود.

الذين قادوا روسيا في حقبة التسعينيات خانوا كل الذين ربطوا مصيرهم بنا

من دون أيّة مشاكل، تصادقت مع سياسيي “الجيل الجديد” في لبنان، وفي المقام الأول مع وليد جنبلاط، وأشخاص من دائرة الضيقة من أصدقائه ومناصريه، أمثال مروان حمادة المستشار السياسي لوليد، وأكرم شهيب المسؤول عن المسائل الأمنية.
عندما تقضي أمسية شتوية في القصر الجبلي لجنبلاط في المختارة، حيث تحترق أغصان شجر الصنوبر في الموقدة، وفي اليد دائماً كأس من “المازوت”، وهو كوكتيل من الويسكي والبيبسي، ثمة الكثير مما يمكن الحديث عنه، ابتداءً من طرائف الحياة الشخصية، وصولاً إلى أصغر التفاصيل المرتبطة باللحظة السياسية في لبنان!
ليس بالسرعة ذاتها، تطوّرت العلاقة الودية مع زعيم حركة “أمل” الشيعية نبيه بري. قبل لقائنا الأول، طرأ حادث طغى لفترة معينة، وعكر الاتصالات مع حركته، ومعه شخصياً: في شباط من العام 1986، وخلال المعارك المنتظمة بين المقاتلين في القطاع المسلم في بيروت، ومن بينهم مسلحو حركة “أمل”، وبالقرب من مجمع سفارتنا، اعتلى قناص مبنىً قيد الإنشاء أمام المبنى السكني الذي يعيش فيه موظفونا، وراح يطلق النار طيلة الصباح على كل من كان يطل من النافذة ولو لدقيقة واحدة، (بعد ذلك “تبخّر” بناء على طلب منا). كان تقديرنا أن هذا القناص ينتمي إلى “أمل”، ولهذا أحجمتُ، لمدة شهرين، عن إقامة اتصال شخصي مع زعيم الحركة.

تصادقت مع سياسيي “الجيل الجديد” في لبنان، وفي المقام الأول مع وليد جنبلاط

لكن في نهاية المطاف، تم توضيح سوء الفهم، وأصبحنا، أنا وبري صديقين، وتربطنا علاقات عائلية.
سرعان ما تعرفت إلى داني شمعون، أحد القيادات المسيحية اللبنانية الشابة. كانت طبيعته خفيفة وسلسة، ويتمتع بميزات أخلاقية، ولكنه طائش إلى حد ما، وهذا هو السبب في أن بعض الناس كان يقاربه باستخفاف.
ومع ذلك، التقيت بداني مرات ٍعدة في منزله في حي الأشرفية في بيروت، وفي فيلّته في بلدة فقرا الجبلية، وتحدثتُ مع والده، الرئيس اللبناني (1952-1958) كميل شمعون – “بيسون” السياسة اللبنانية.
وهكذا، في 18 أيار من العام 1986، قدّمت أوراق اعتمادي إلى الرئيس اللبناني أمين الجميل، وبدأتُ في تنفيذ تعليمات ادوارد شيفرنادزه حول العمل من أجل تحقيق المصالحة بين اللبنانيين.
بقدراتي المتواضعة، أقنعتُ اللبنانيين، خلال لقاءاتي معهم، بأن الاستمرار في إطالة أمد الصراع المسلح هو الطريق إلى التدمير الذاتي للبلاد والأمة، ولهذا ينبغي الركون الى الحوار السياسي بدلاً من الاستمرار في تقطيع الأوصال.
بطبيعة الحال، لكي يكون للسفير السوفياتي الحق الأخلاقي في إعطاء الدروس للبنانيين، وتشجيعهم على الحوار والمصالحة، كان لا بد من التحدث مع الجميع، سواء مع أصدقائنا وحلفائنا التقليديين، أو مع “الكتائب”، أي أولئك الذين انقطعت معهم كافة الاتصالات من قبل السفارة في الفترة الأولى من الحرب الأهلية.
كان من الضروري مقابلة حتى أولئك الذين اتخذوا أكثر المواقف تشدداً في المعسكرين المسيحي والمسلم. هذا المنطق كان يجب أن يكون واضحاً ومقبولاً من قبل الجميع. ومع ذلك، في الواقع، لم يكن الامر بهذه السهولة والبساطة.
كان معنى توجيهات إدوارد شيفرنادزه واضحاً بالنسبة إلي: كما يُقال “إلى الأمام مع النشيد!”. لكن “إلى الأمام” بأيّة سرعة؟ وبأيّة الخطوة؟ هل ينبغي الحذر أو التسرّع؟ أو سرعة الاقتحام؟ لو عدتُ إلى تلك المرحلة في حياتي، لكنت ذهبت إلى الخيار الأول، ولكنني كنت صغيراً وحللت على هذا النحو: لماذا أقطع ذيلَ الكلب أسبوعياً، إذا كان من الممكن القيام بذلك بضربة واحدة؟
عبر القيام بزيارات بروتوكولية، وبوضع قناعِ هاوٍ ساذجٍ وعديم الخبرة، رحت اتعرف إلى اللبنانيين، كل اللبنانيين، من دون تفرقة بين المسيحيين والمسلمين.
بطبيعة الحال، أثار ذلك دهشة كبيرة بين اللبنانيين، وزاد الاهتمام بشخصي.
أولاً، في ما يتعلق بلبنان، في العام 1986، كان سلوك السفير السوفياتي غير اعتيادي: منذ العام 1982، أي بعد مغادرة الفلسطينيين بيروت، كانت سفارتنا في حالة من اللامبالاة.
ثانياً، كان إجراء الاتصالات السياسية “في كل الاتجاهات” بمثابة خروج عن القوالب النمطية لسلوك السفراء المعتمدين في بيروت، فكل دولة من الدول ذات التأثير في الشؤون اللبنانية كان لديها كما يقال “زبائنها” السياسيون، وبناءً على ذلك، أقامت كل سفارة نظام علاقاتها واتصالاتها بناءً هذا النهج من المفاهيم.
ثالثًا، حين تم تعييني، كان النزاع المسلح مستمراً منذ نحو عشر سنوات، والزعماء اللبنانيون لم تقتصر خلافاتهم على الجانب السياسي فحسب، فهناك أشباح القتلى، الذين غالباً ما كانوا من بين أقرب وأحب أفراد العائلة. على سبيل المثال، قمتُ زيارة بروتوكولية إلى الرئيس اللبناني السابق سليمان فرنجية، الذي كنتُ على معرفة به منذ رحلتي الوظيفية السابقة، وذهبتُ إلى إلى مقر إقامته في شمال لبنان، وتحديداً بلدة زغرتا، وكنت اتكهّن في الطريق، أي استقبال ينتظرني هناك؟
السبب في ذلك، أنني كنت قد قمت قبل شهر واحد بزيارةٍ لسمير جعجع، قائد القوات اللبنانية، القوة الضاربة لدى المسيحيين.
في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، قاد جعجع عملية اقتحام المنزل الذي كان يقيم في طوني فرنجية، نجل الرئيس السابق، مع أسرته. في تلك الليلة، وخلال الهجوم، فقدَ سليمان فرنجية إبنه الحبيب، بجانب كنّته، وحفيدته البالغة من العمر أربع سنوات. مع نيران جرح الماضي، ألن يتذكر فرنجية أن السفير السوفياتي زارَ مقر القوات اللبنانية وتواصل مع قائدها؟
الأهم مما سبق، أن نشاط السفير السوفياتي الجديد لم يكن يستسغه الجميع في لبنان. أوّل من عبر عن الاستياء، كانت منظمة “حزب الله”، التي كانت تكتسب قوة في ذلك الوقت، والتي تجاهلتُها عمداً، ذلك لأن اختطاف أربعة من أفراد سفارتنا في العام 1985 كان (بحسب اعتقادنا الذي لم يكن من دون أسس) عملاً نفّذه أعضاء فيها أو مقربون منها.

“حزب الله” راح ينظر إلى حركة اتصالات السفير السوفياتي الجديد على أنها تجاهل متعمّد لوجوده

بعد ذلك، بدأ السوريون، الذين أدّعوا لأنفسهم الدور الاحتكاري في الشؤون اللبنانية، والذين اعتقدوا أنهم وحدهم الذين يديرون المطبخ السياسي في هذا البلد، في التعبير عن استيائهم، فظهور “طبّاخ” نشيط في هذا “المطبخ”، حتى وإن كان سفيراً يحمل شعار الاتحاد السوفياتي، لم يكن ليجعلهم سعداء: لقد بدأ هذا “الطبّاخ” يحشر أنفه في كل القدور والمقالي، والأهم أن هذا المتمرد كان يقول إن على اللبنانيين أن يتفقوا في ما بينهم.
للتذكير، في العام 1986، كان عمري 45 عاماً. في ذلك الوقت كنت أحد أصغر السفراء في وزارة الخارجية السوفياتية (كان أصغرهم سفير للاتحاد السوفياتي لدى لوكسمبورغ ساشا أفدييف، الذي أصبح في ما بعد وزيراً للثقافة في روسيا الاتحادية). ومع ذلك، من الظلم القول إنني كنت دبلوماسياً يافعاً وعديم الخبرة: كما ذكرتُ أعلاه، وقعت على عاتقي في السابق مهمات في بيروت خلال سبعينيات القرن الماضي، والقاهرة، وبغداد، الى جانب العمل في ادارة الشرق الأوسط في وزارة خارجية الاتحاد السوفياتي، إلى جانب ترجمة المحادثات العربية – السوفياتية على أعلى المستويات.
بالطبع، لقد فهمت شيئاً، وكنت مستعداً نفسياً لحقيقة أنني سأواجه مشاكل مع أسلوب العمل الذي اخترته لنفسي. ولكن، من ناحية أخرى، فإن مهمتي كسفير كانت العمل بنشاط لتحقيق المصالحة بين اللبنانيين في أقرب وقت ممكن، والحرص على ضرورة أن يكون دور الاتحاد السوفياتي وازناً وحيوياً للجميع. لقد تبلغتُ هذا الأمر من شفرنادزه، ولكنه لم يكن مجرد توجيه من رؤسائي، بل كان قناعتي الخاصة. لذلك، وبالرغم من ظهور الغيوم في الأفق، واصلت زيادة وتيرة الاتصالات، وذلك وفقاً لخريطة كان من المفترض أن تكون مقبولة من الجميع: زيارةٌ لسياسي في منطقة المسلمين، تقابلها زيارة لمنطقة المسيحيين. لقاء مع الزعيم الروحي للطائفة السنية، وبعد يوم واحد، زيارة لبطريرك الكنيسة المارونية. رحلةٌ إلى المختارة، عند وليد جنبلاط، وبعد أسبوع واحد، غداء عند وزير الإعلام جوزيف الهاشم، وهو شخصية بارزة في “حزب الكتائب”، في جبال كسروان، معقل المسيحيين الموارنة اللبنانيين.
في الصباح، بالطبع، كنتُ أتابع باهتمام ما يُنشر في الصحافة اللبنانية. كنت أرى ردود الأفعال على اجتماعاتي وبياناتي الصحافية. الجزء الأكبر مما نُشر كانَ ودّياً، ولكن في بعض الأحيان بدأت ألاحظ الدبابيس اللاذعة في العناوين، ولأسباب تافهة للغاية. على سبيل المثال، إذا سافرت إلى موسكو لحل عدد من القضايا العملية، كانت أحدى المجلات في بيروت تسارع إلى الإعلان: تمَّ استدعاء السفير السوفيتي الجديد على عجل. إذا حضرَ ممثلٌ عن وزارة الخارجية السوفياتية إلى لبنان لإجراء مشاورات في وزارة الخارجية اللبنانية، كان الافتراض، بحسب المجلة ذاتها، أن موسكو قررت إجراء تفتيش عام لكل ما حققه خلال أشهر سفير جديد، شاب وحماسي، ولكنه ليس سفيراً سوفياتياً ذكياً، بل يحطم كل شيء.
إذا عدتُ إلى بيروت من العطلة، كانت المجلة تكتب بصخب، إن هذه العودة هي فقط لـ”حزم الحقائب”. من الممكن أن تنظر إلى كل هذه الدبابيس باعتبارها مجرد سخرية خفيفة، إذا كنت لا تعرف أن المنشور المعني هو مجلة “الشراع”، الناطقة غير الرسمية بلسان أجهزة الاستخبارات السورية. في اللغة المهنية، يمكن اعتبار ما تتضمنه منشورات كهذه من هجمات ممنهجة على شخص معيّن تشويهاً للشخصية. لكنَّ ذلك لم يكن عفوياً، وإنما بقرار يتم اتخاذه على المستوى السياسي المناسب. لذلك، يمكنني الاستنتاج بأنّ مواقفي كانت ترُاكم انزعاجاً في دمشق.

كان إجراء الاتصالات السياسية “في كل الاتجاهات” بمثابة خروج عن القوالب النمطية لسلوك السفراء المعتمدين في بيروت

ولكن، إذا كان علينا التكهن: هل يجب أن يكون موقف الاتحاد السوفياتي المتصل بالشؤون اللبنانية انعكاساً شفافاً للسياسة السورية في هذا البلد؟ بكل الإيجابيات والسلبيات؟ لا يوجد في لبنان ساذج لا يعرف على يد مَن، وبقرارٍ ممن، قُتل زعيم التقدميين اللبنانيين كمال جنبلاط؟ وهو، بالمناسبة، جرى التعامل معه في الاتحاد السوفياتي باحترام وتعاطف كبيرين.
بالتزامن مع المنشورات في مجلة “الشراع” ، بدأت السفارة تتلقى معلومات أخرى عن خطة أكثر إثارة للقلق.
عبر قنوات مختلفة، علِمنا أنَّ “حزب الله” بدأ ينظر إلى حركة اتصالات السفير السوفياتي الجديد باعتبارها تجاهلاً متعمّداً لوجوده في الساحة السياسية اللبنانية، وبأنها تعكس نيّة لإبعاده من التسوية السياسية في نهاية المطاف.
المخاوف بشأن الأفكار الشريرة لـ”حزب الله” أبلغني بها القائم بالأعمال العراقي. لقد قام بذلك للسبب التالي: عندما قمت في نيسان عام 1985، بعد أن تم تعييني في لبنان، بزيارة وداعية لطارق عزيز، أخبرني الوزير العراقي أنه سيعطي تعليمات إلى السفارة العراقية في بيروت لتبادل المعلومات التي قد تكون مفيدة وضرورية لي. بما أن “حزب الله” كان ولادة إيرانية، وكانت طهران في حالة حرب مع بغداد في ذلك الوقت، فمن المفهوم أن العراقيين حاولوا زرع عملائهم في “حزب الله”. بالطبع ، أخذتُ في الاعتبار المعلومات التي قدمها القائم بالأعمال العراقي، وبالرغم من ذلك فإنها لم تثر لديّ هلعاً.
بعد فترة من الزمن، وذات صباح رائع، جئت إلى مكتبي مبكراً، ورحت أتصفح الصحافة اللبنانية، حيث لفتتني ملاحظة صغيرة في منتصف الصفحة الأولى في صحيفة “النهار” المؤثرة والكثيرة الاطلاع: “السفير فاسيلي كولوتوشا مدرجٌ على القائمة السوداء لحزب الله؟”. برغم وجود علامة استفهام في العنوان الرئيسي، إلا أن ما ورد في النص لم يترك مجالاً للشك في أن مفتاح الخبر هو اجتماع عمل لقيادة “حزب الله”، تطرق فيه الحديث إلى السفير السوفياتي.
في الوقت نفسه تقريباً، وصلت برقية موجهة إليَّ شخصياً، تحمل توقيع النائب الأول لوزير خارجية الاتحاد السوفياتي حينها ي. م. فورونتسوف، الذي كان يشرف في تلك السنوات، من بين أمور أخرى، على الشؤون الشرق أوسطية. يكمن جوهر البرقية في حقيقة أنني، من حيث المبدأ، أفعل كل شيء بشكل صحيح، لكن نشاطي لا يقابَل بشكل إيجابي، ولا لبس فيه، عند كل اللبنانيين. تعتقد موسكو أن هناك مخاطر حقيقية على أمن موظفي السفارة والمؤسسات السوفياتية الأخرى، وكذلك على السفير شخصياً.
بناء على ذلك ، وفقا للمركز، سيكون من المفيد إلى حدٍّ ما التقليل من وتيرة الاتصالات، والتخلي عن تلك التي لا تمليها الضرورة العملية، والأهم من ذلك، إيلاء الاهتمام للمسائل الأمنية مراراً وتكراراً.

Avatar

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course