بين سقوط “الجنرال” والانهيار السوفياتي… وداعاً بلاد الفينيق

Avatar18030/09/2019
 كانت السنة الأخيرة من فترة عمل فاسيلي كولوتوشا صعبة للغاية. ترافقت مع متغيّرين أحدهما غيّر وجه لبنان، والآخر غيّر وجه العالم. في لبنان، أذّن سقوط الجنرال ميشال عون لبداية مرحلة جديدة بعدما طويت صفحة الحرب الأهلية. أما في الاتحاد السوفياتي فإنّ الزلزال كان أكثر دماراً.

دُفن رينيه معوض في مسقط رأسه زغرتا في 25 تشرين الثاني العام 1989، وقد أقام القداس التذكاري البطريرك بطرس صفير نفسه. شارك كل لبنان المتعدد الأديان تقريباً في مراسم الوداع – المسيحيون والمسلمون والدروز والشيعة. حضر جميع السفراء المعتمدين في بيروت، وممثلين للوفود الرسمية من الدول العربية، بما في ذلك وفد سوري برئاسة وزير الخارجية فاروق الشرع.

كمشارك في مراسم الوداع، يمكنني القول إن الحزن على الرئيس الراحل كان عميقاً وحقيقياً.

ولكن حتى قبل تشييع جنازة رينيه معوض، انتخب نواب البرلمان اللبناني، الذي اجتمع في فندق “بارك اوتيل” في شتورا في 24 تشرين الثاني، للمنصب الرئاسي الذي شغر، أحد زملائهم، وهو النائب عن مدينة زحله إلياس الهراوي.

تمت استعادة القوة العمودية في البلد، ومرّة ​​أخرى لم يكن للجنرال ميشال عون مكان في هذه التركيبة. أعلن نفسه قائداً للأمة، واستمر في دعوة مؤيديه من بين الشباب لعقد تجمّعات لا نهاية لها في القصر الرئاسي. كانوا يأتون كل يوم في وقت متأخر بعد الظهر. يخرج الجنرال إلى الشرفة، وأمام هتافات الجمهور المتحمس، كان يشاركهم أفكاره وتقييمه للأحداث الجارية.

 ومع ذلك، راحت التربة تنزلق تحت قدميه بشكل متزايد. لأسباب واضحة، قاطعه أعضاء البرلمان. أصبحت زيارات الشخصيات السياسية المهمة إلى القصر الرئاسي نادرة. من السلك الدبلوماسي زار السيد عون فقط السفير الفرنسي رينيه آلا. في هذا السياق ، قام الجنرال بمحاولة أخرى لفرض سيطرته الوحيدة على المنطقة المسيحية، وبدأ جولة جديدة من الاشتباكات المسلحة مع “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع. مثل سابقتها، انتهت هذه الجولة رسمياً بالتعادل. ولكن، أكرر، رسمياً فقط، لأن ملحمة الجنرال بأكملها كانت أشبه بمهزلة.

في خضم القتال بين جزء من الجيش اللبناني ومقاتلي “القوات اللبنانية” الموالية لسمير جعجع، وصل الممثل الشخصي لـياسر عرفات، زيد وهبة، إلى بيروت الشرقية مع عرض رسمي لـ “خدمات جيدة” لتحقيق المصالحة بين المسيحيين الموارنة اللبنانيين. وكان عرفات قد وعد الجنرال بأن “البندقية الفلسطينية” ستكون تحت تصرفه الكامل! ما زلت أتذكر ما تناولته الصحافة اللبنانية من تعليقات ساخرة على هذا الحدث آنذاك.

في تلك الأيام كنت محظوظاً جداً. وسوف أتطرق إلى ذلك بمزيد من التفصيل، لأنه لم يكن لكل سفير مثل هذه الحلقات في حياته المهنية.  في ربيع العام 1990، دعاني الرئيس إلياس الهراوي إلى ضيافته، لكي يثبت أن المجتمع الدولي يتعامل معه على أنه رئيس الدولة اللبنانية وليس ميشال عون. تحدثنا بحرارة وشعور بالتعاطف المتبادل، ثم جلسنا على الطاولة “اللذيذة”، وعليها كافة أنواع الطعام، وسرعان ما ارتخيت. في طريقي إلى السيارة، اعترضني الصحافيون واخذوا يمطرونني بتساؤلات حول الوضع في البلاد. من بين الأسئلة: هل للمجتمع الدولي الحق في استخدام القوة لحل عقدة ازدواجية السلطة في لبنان؟ اجبت بخفة، وقلت ما فكرت به، وبما معناه “نعم، يمكن ذلك!”.

وفي المساء خرج عون الى شرفة القصر الرئاسي، وتوجّه إلى مناصريه بالكلام، ليبدأ بالتعليق على كلماتي. بصوتٍ عالٍ سأل: “هل توافقون على رأي هذا السفير؟”، أجابه المتظاهرون: “لا!”… ثم طرح الجنرال السؤال التالي: “هل نحتاج إلى مثل هذا السفير؟”، ومرة أخرى كانت هناك جوقة قوية من الأصوات: “لا! لا ، لا!”، مع الصفير والصراخ وما إلى ذلك … جلست أمام شاشة التلفزيون ووبّخت نفسي على الكلمات التي قلتها. من الأفضل ألا أتذكّر ما حصل… في الصباح، وضمن حزمة من البرقيات من موسكو كنت قد تلقيها خلال الليل، وجدت طلباً من رؤسائي: يقولون إن وسائل الإعلام تفيد بأنه “تم إعلانك شخصاً غير مرغوب فيه. أخبرنا عن سبب هذه الرسالة، وكيف ترى طريقة للخروج من هذا الموقف”.

كتبتُ على الفور إلى موسكو أن الجنرال أصبح عقبة أمام إكمال عملية التسوية بين اللبنانيين، وأنه على وشك أن يُزاح، وأن العمل جار على ذلك. وفقا لذلك، قلت بصوت عالٍ ما يجب أن يحدث. لا يستطيع ميشال عون أن يعلن أنني شخص غير مرغوب فيه، حيث يمكن مقارنة وضعه القانوني الحالي بوضع مجرد قائد عسكري. إذا كانت هناك حاجة، فأنا على استعداد لطلب رأي حول إقامتي الإضافية في لبنان من الرئيس المنتخب شرعياً الياس الهراوي، أو رئيس الوزراء سليم الحص، أو رئيس البرلمان حسين الحسيني. لم اتبلغ بالمزيد من موسكو.

بطبيعة الحال، لم أذهب إلى ميشال عون بعد ذلك،  على غرار الجزء الاكبر من السفراء المعتمدين في بيروت. جون مكارثي مع جميع موظفي السفارة كانوا مختبئين في قبرص؛ السفير البريطاني ألن رامزي تذرّع بمخاوف أمنية  وجلس في مقر إقامته من دون أي تأثير تقريباً. بعض الحركات غير الواضحة  قام بها الفرنسيون. وعلى وجه الخصوص، جاء رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي جان فرانسوا دينو إلى بيروت في مهمة غير مفهومة، حيث ناقش مشاريع خيالية في اتصالاته مع اللبنانيين والدبلوماسيين العاملين في بيروت، وكانت شخصيته الرئيسية الجنرال ميشال عون.

ومع ذلك، بحلول ذلك الوقت، كان ثمة إجماع دولي قد تطور بشكل واضح حول الشؤون اللبنانية. غالبية اللبنانيين وافقت على اتفاق الطائف، وبناء على الاجراءات المنصوص عليها في الدستور، انتخب رئيس للبلاد.

في هذه الحالة، أصبح الجنرال مشكلة بالنسبة إلى المسيحيين اللبنانيين ولبنان والمجتمع الدولي ككل. لذلك، ومنذ ربيع وصيف العام 1990، أصبح سقوط السيد عون مسألة وقت. وحدث ذلك بالفعل: بعد اندلاع آخر قتال بين أنصار الجنرال والقوات السورية في منتصف تشرين الاول العام 1990، فرَّ الجنرال من القصر الرئاسي في بعبدا، ولجأ إلى مقر السفير الفرنسي، ثم أُرسل كلاجئ سياسي إلى فرنسا.

إذ أتذكر الفترة الأخيرة من إقامتي في بيروت في الثمانينيات، لا أستطيع إلا أن أتطرق إلى حادث دراماتيكي وقع في سفارتنا في شتاء 1989-1990. وميض في غرفة التحكم الكهربائي. مات المناوب ساشا فولكوف بشكل مأساوي. كان ذلك من ضمن سلسلة من الحوادث السخيفة. بسبب الأعمال العدائية المستمرة منذ عام 1975، لم يتم فحص الأسلاك الكهربائية في مبنى السفارة أو تحديثها. تم تجديد “قواطع” الكهرباء”، بما في ذلك في غرفة التحكم، واستبدالها بأكثر قوة. عندما بدأت الصمامات “تطير”، تم استبدالها بأخرى أقوى. ثم جرى تركيب العدادات. اشتعلت غرفة الكهرباء. حدث ذلك في وقت الغداء، واكتُشف الحريق بعد فوات الأوان. أُخمد الحريق خلال فترة طويلة، بمشاركة رجال الإطفاء اللبنانيين. عندما أخمدوا النيران عُثر على ساشا فولكوف ميتاً في غرفة الكهرباء …

كانت نهاية رحلتي صعبة. في الاتحاد السوفياتي، اختفت البيريسترويكا الغورباتشوفية، بعدما طارت مع الانحدار الاقتصادي، واندلعت النزاعات العرقية في أجزاء مختلفة من البلاد. كانت دول البلطيق تعمل للخروج من الاتحاد السوفياتي. تظاهرة حاشدة لسكان تبليسي في نيسان من العام 1989 انتهت بإراقة الدماء. في تشيسيناو، بدأ المولدوفيون يصرخون في وجوه الروس الذين عاشوا هناك: “حقيبة سفر، محطة قطار، روسيا!”… كل شيء رأيته على شاشة التلفزيون مباشرة من الاتحاد السوفياتي. جلست على مكتبي في الصباح وسألت نفسي: “من يهتم بي في موسكو الآن؟ من يهتم بجزئيات الحياة اللبنانية؟ ما زال لبنان في طريقه نحو الإصلاح… لكن بلدي … ماذا يحدث له؟”.

كانت هناك أفكار صعبة حول الشراكة مع قادة الحزب الشيوعي اللبناني، ومع وليد جنبلاط … لقد ربطوا، إلى حد كبير، حياتهم بالاتحاد السوفياتي، وبالأفكار التي رفعت في موسكو. تصوّرٌ مؤلم ٌجداً ما كان يحدث في “المنزل”.

أجريت محادثة غير مريحة للغاية مع طلال سلمان، الذي لم يكن ليأخذ بعين الاعتبار عبثيات سياستنا الداخلية والخارجية آنذاك … لم تكن لديّ رغبة كبيرة في مواصلة الاتصالات مع شخصيات لبنانية أخرى بنفس السرعة. ماذا يمكنني أن أقول لهم؟ تجاه أيّ من نصائحي أو تعليقاتي سيطرح السؤال المضاد: “إذا كنتم، أيها الروس، أذكياء، فلماذا وصلتم إلى هكذا حال؟”.

في أيار العام 1990، ذهبت في إجازة عادية إلى موسكو. بالكاد تجاوزت عتبة شقتي في موسكو حتى سمعت رنة مكالمة هاتفية: اتصل زميلي وصديقي أندريه فدوفين لابلاغي عن عقد اجتماع للزملاء في وزارة الخارجية في الاتحاد السوفياتي غداً، لتثبيت تعييني رئيساً لمكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كان الأمر غير متوقع بالنسبة إليّ لدرجة أنني طلبتُ منه الإبلاغ عن أنني ما زلت في مكان ما “على الطريق”. كان عليّ استيعاب الأخبار، ومعرفة ما يعنيه ذلك. ومع ذلك، تم التعيين. لكن كما يقولون، هذه قصة مختلفة تماماً!

بعد زيارة الزملاء، مُنحت شهراً للذهاب إلى بيروت لكي اقول وداعاً. عند العودة إلى لبنان، وبوتيرة محمومة، قمت بزيارات لجميع الاصدقاء، سواء بين المسلمين أو المسيحيين.

استضافت السفارة حفل استقبال رائع وفريد ​​من نوعه، حيث التقى السياسيون من القطاعين الغربي والشرقي من العاصمة اللبنانية للمرة الأولى خلال سنوات الحرب الأربعة عشر.

ما زلت أنظر إلى الصورة التي جمعتني  في حديقة السفارة بعضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني نديم عبد الصمد وعضو قيادة “حزب الكتائب” جوزيف الهاشم ووليد جنبلاط وكريم بقرادوني.

المساء الأخير في الأراضي اللبنانية، قضيته أنا وزوجتي في منزل الرئيس اللبناني إلياس الهراوي وزوجته منى. ومن الشخصيات التي تمت دعوتها طبّاخ اتفاقيات الطائف، الجزائري الأخضر الإبراهيمي، وقائد الجيش اللبناني الجديد ورئيس لبنان المستقبلي الجنرال إميل لحود.

كانت  الاجواء لطيفة ومريحة للغاية، وفي العشاء كان النخب الإلزامي في مناسبات كهذه. لقد رفعت نخباً للبنان، الذي كان، وفقاً للأساطير الفينيقية، موطن طائر الفينيق الذي لا يموت أبداً. حين يتقدم في السن، يجلس الطائر في عشه، ويحترق في لهب مُشرق، وعندما يخرج، يبدو في مظهر جديد متجدد. هكذا هي حال لبنان الحديث، لقد انتهت الحرب، ومن المؤكد أن لبنان، مثل طائر الفينيق، سينهض بالتأكيد في مظهر جديد وأكثر جمالاً … يبدو أن الجميع قد أُعجب بالنخب.

Avatar

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course