

مع خيوط الفجر الأولى، تبدأ المدينة بالتحرّك. حجارة أزقتها تحكي قصص ألف عام، ونوافذها تحمل ذكريات حكام سقطوا أمام عبقرية المكان، وروائحها تختلط بأعماق التاريخ.
في رحاب الجامع الأموي، يمتزج عبق الماضي بالحاضر. هنا وقف معاوية بن أبي سفيان يتأمل القباب والأعمدة التي صارت عرش سلطانه، صوته يجلجل كأنه يخاطب الأجيال: “هذه دمشق.. هنا وجدتُ نفسي ملكاً، ومحاطاً بالدهاء والمؤامرات. لم أخترها عبثاً، بل لأنها قلب الشام، ومفتاح الشرق، وطريقٌ إلى القدس ومصر، وبوابة البحر إلى بيزنطة”. هنا همس: “يا حجارة الشام، يا قباب الأموي.. أنتنّ شهود على كيف صنعت من السياسة فنا، وحوّلت الخلافة إلى ملك. حكمت بالعقل والصبر والمكر الذي لا يعرفه إلا رجال الدول”. ثم جلس في ركن بعيد يستمع لصوت التاريخ: “سيأتي بعدك من يظن أن دمشق طوع أمره، لكنهم سينسون أنها لا تُحكم إلا بالسياسة والدهاء. من حاول قهرها بالسيف كسرت عنقه، ومن أرادها بالقوة لفظته كما يلفظ النهر ما يثقل جريانه”.
مع الشروق، يزداد نشاط سوق الحميدية العتيق، حيث تختلط روائح القهوة والبهارات بصخب الباعة. ليس مجرد مكان للتجارة، بل ساحة صراع على النفوذ كما في العصر الأموي الذهبي.
في الأزقة الضيقة، يعيش الناس بين بقايا الماضي وآمال المستقبل. الباعة يمارسون عملهم بمهارة أسلافهم، والأطفال يلعبون ببراءة، بينما تحمل وجوه الكبار آثار قهرٍ ومعاناة خلّفها حكم آل الأسد.
تظهر وجوه أهلها مع ارتفاع الشمس: شيوخ ونساء وأطفال يحملون ذكريات سجون وجوع واعتقالات، لكن بنظرة أمل تقول: “صمدنا، والمدينة صامدة معنا”. يتذكرون تاريخهم من الأمويين ودهائهم إلى صلاح الدين وبطولاته، وصولاً للأيام المظلمة تحت حكم آل الأسد.
في التكايا وأحياء الفقراء، حيث عاش المحتاجون عبر القرون، تحكي الجدران قصص النبلاء والحكماء. يتحدث الناس عن النظام بصوت مليء بالمرارة، لكن مع توهج يشي بأملٍ في مستقبل أفضل، وإدراك أن دمشق ستظل تحدد مصير حكامها.
مع الغروب، تتحول المدينة إلى لوحة من الظلال والألوان. قباب الجامع الأموي تتلألأ، والسوق يزداد ازدحاماً، بينما تحتفظ الأضرحة بصمتها المهيب. تمثال صلاح الدين يشير للزائرين بأن المدينة أقوى من كل من اعتلى عرشها.
عبر القرون، اختبرت دمشق كل حكامها من معاوية الذكي إلى صلاح الدين البطل وصولاً لطغاة العصر. لم تكن مجرد مقر للحكم، بل محكمة تاريخية تختبر دهاء الحاكم وقوته.
وجد آل الأسد أنفسهم أمام المدينة نفسها التي اختبرت الأمويين والعباسيين والمماليك، وخرجت أقوى، تاركة الحكام يسقطون أمام إرادتها وصبر أهلها.
كل حجر ونافذة وسوق يحمل ذكريات القهر والمقاومة، والألم والصمود. كل من حاول فرض إرادته بالقوة، من خليفة أموي إلى دكتاتور حديث، وجدها تعكس له خيبة السلطة.
دمشق ليست مجرد مدينة، بل رمز خالد للسلطة واللعنة التاريخية. تهزم حكامها بصبرها وذكائها وعبق تاريخها. كل طاغٍ مرّ بها ترك لها الدروس، وأعلنت للزمن أنها أكبر من كل من حاول حكمها بالقوة أو الخداع.
مع الليل، تهدأ الأزقة ويبقى نهر بردى يهمس بأغاني الماضي. الناس يتذكرون ويخططون للمستقبل، ويشعرون أن دمشق لا تهزمها قوة، وأن كل حاكم سيبقى صفحة في سفر عظمتها. وكأنها تقول لكل طاغٍ: “سقط حكامك قبلي، وسأحطم كل محاولة قهر”.
هي رمز الصمود والحضارة والدهاء السياسي، تضحك على كل من ظنّ أنه يقهرها، وتنتصر على حكامها بصمودها الأبدي. تقول: “شهدت كل عظمة وانتصار وسقوط.. وأنا صامدة، باقية، أكبر من كل من اعتلى عرشي”.
كل من يقترب منها ينبهر ليس بعظمتها البصرية فقط، بل بالتجربة العاطفية للتاريخ الحي، ولصمود شعب عاشق لمدينته تعلّم الجميع أنها أكبر من كل حاكم.
أنا دمشق.. المدينة التي لا تُقهَر، القلب الحاضن للتاريخ. أرفع رأسي بين الجبال، وقباب جامعي تتلألأ مع الشمس، وأسواقي تزدهر بالحياة والذكريات.
أحدث نفسي وأقول لأي حاكم قادم: “رأيت معاوية ودهاءه، والأمويين وعظمتهم، والعباسيين وحيلهم، وصلاح الدين وعزه، وطغاة العصر وهم يظنون أن القوة تكفي. أعلّمهم أن جبروتي أكبر من كل سلطة، وأن صمود شعبي يعلو على المكائد”.
أنا من شهدت الانتصارات والانكسارات، الحب والخيانة، والوفاء والخداع. صوتي ينادي في الأزقة: “حاولتم فخسرتم. وجدتم أن حكمتي تفوق كل سيف ودهاء. تعلمتم أنني أكبر من كل طاغٍ”.
أنا الولادة وابن زيدون، عشق لا يموت، وأشعار لا تنسى. الفكر الممتد من الأندلس، وابن رشد المضيء للعقول، وابن خلدون واضع قواعد التاريخ. كل حجر في غرناطة من حجري، وكل قبة تحمل عبق أسواري.
أقول للزائر: “انظر إليّ، أنا صخرة الحضارة، روح العشق والفكر، جبروت التاريخ وسخرية الحكام. الجامع الأموي شاهدٌ على أنني لا أموت، وأنني قدر من يتصدّى لي”.