حزب المصارف.. الحاكم الفعلي للبنان

الدولة هي الاطار الناظم للمجتمع. هي تعبير واضح لا لبس فيه عن المجتمع في انتظامه. بوجوده تكون الدولة موجودة، وبغيابه تكون الدولة فاشلة. لبنان دولة فاشلة. مع الدولة الفاشلة، يكون المجتمع فاشلاً، إذ يفشل في الحفاظ على وحدته.

النظام مؤسسات وقوانين وأجهزة تنفذ سياسة الدولة. سياسة العيش معاً. والأرجح، بل في غالب الأحيان، يكون منحازاً للطبقة الأقوى أو للدولة الأجنبية الأقوى التي تتدخل في شؤون البلد.

الحالة المثلى هي أن يؤدي وجود الدولة، بتقادم العهد، الى انغراز إرادة العيش سوية في كل فرد. حينذاك، يصبح تطبيق القانون  طوعياً. ما من نظام يبقى حين يخالف جميع الناس القانون. القانون أداة فرض الانتظام في المجتمع عندما يخرج عليه أو يخالفه البعض. فتكون عقوبات السجن أو الغرامات أو غيرها. لا بدّ لكل نظام من هيبة. عندما يطبق الناس القانون، بطوعية كاملة، لا حاجة لمن تكون له الهيبة لأجل فرض القانون. وعندما تنهار الهيبة ويكثر الخارجون عن القانون ويكون النظام فاشلاً؛ يفشل النظام بعد فشل الدولة، أي بعد أن يبرهن المجتمع رفضه إرادة العيش سوية، ولا غرابة في ذلك عندما تنهش أنياب الأقليات هذا النظام.

تتألف الدولة، لا من شعب واحد متحد بإرادته، بل من شعوب. طوائف تفضل كل واحدة منها العيش لوحدها. وتُعتبر الدولة كائناً غريباً؛ واردات النظام ما يجب غزوه والاقتناص منه. كلُ ما تحصّله المكونات، الطوائف، من النظام، يُعتبرغنائم يجب نهبها. تماماً، كما يفعل البدو عند الغزو. يستبيحون الدولة والنظام، وهذا ما يحصل.

يحافظون على العتمة في تدبير شؤون الدولة – النظام. اللصوص غالباً ما يسرقون في عتمة الليل. من يحكم لبنان يفضل العتمة. أصبح الليل كافراً شديد العتمة؛ تضليل معتم يناسب السرقة. لا يعرف الشعب شيئاً عما يجري في الكواليس. السرقة هي المبدأ.  الصلاح عند من يعملون في الدولة هو الاستثناء. علينا الخجل من أنفسنا. نمارس التدمير الذاتي بأجلى مظاهره.

من يُبقي هذا الهيكل المخلّع المشلّع متماسكاً؟ بالتأكيد ليست عبقرية أبنائه، بل قوى خارجية. القوى ذاتها التي نستتبع أنفسنا لها. نحن مستعمرة، أو شبه مستعمرة، لقوة كبرى واحدة أو لعدة قوى. منذ زمن قريب، قيل إن البلد أشبه بالفندق نسبة لكثرة هجرة أبنائه الذين يعودون أيام العطل لقضاء بعض الأيام مع ذويهم. الآن، يصح القول أن البلد مستعمرة. يدخله الأجانب الآتين الى القواعد الأجنبية دون فيزا (بالتأكيد)، لأن الطائرات الأميركية تنزل في مطار حامات، ولا يُعتقد أن هناك من أجهزة الدولة من يتفقّد جوازات السفر للوافدين على هذه الطائرات، أو أن الدولة تعلم أو تريد أن تعلم بوجود هذه القواعد (هناك أكثر من قاعدة أميركية في لبنان). هناك أجهزة أمنية أجنبية تتحرّك بحرية في لبنان أيضاً.

يصح القول أن لبنان مستعمرة. يدخله الأجانب الآتين إلى القواعد الأجنبية دون فيزا، لأن الطائرات الأميركية تنزل في مطار حامات ولا يعتقد أن هناك من أجهزة الدولة من يتفقد جوازات السفر الوافدين على هذه الطائرات

لبنان كمستعمرة والسلطة كلعبة “داما”

في زمن الاستعمار (الانتداب)، كانت هناك مؤسسات. رئاسات للوزارة وللنواب وللجمهورية. أجهزة أمنية وقضائية وبيروقراطية. كانت على صورة البلد الذي يستعمر لبنان. هذا أمر طبيعي. كانت فرنسا ليبرالية. فكان نظام لبنان ليبرالياً. لم نحافظ على ذلك في عهود الاستقلال إلا لفترات قصيرة. تلك الليبرالية لم تكن من حسنات النظام المستعمر بل من ضروراته. أصبح اللبنانيون يقولون عن بلدهم “سويسرا الشرق” بسبب الاستعمار الفرنسي. أما في حكم الاستقلال، فقد صار التعبير مبعثاً على الضحك. في الدولة الفاشلة، والمجتمع الفاشل، والنظام فاقد الهيبة، ما يضحك ويبكي في آن معاً. لسنا نترحم على عصر الاستعمار، انما نبكي لعجزنا عن بناء مستقبل لنا ولأولادنا ولأحفادنا. نبكي لفقدان ما يمكن أن يبعث فينا القدرة على الضحك واللهو. نبكي لأنه لم يبق لدينا شيء نعتز به. فقدان الدولة، ووحدة المجتمع، يعني فقدان الكرامة الانسانية. مقعدون في بلدنا وندّعي الاستقلال. لا ندعي العجز لكننا نمارسه. هل يتفاءل المقعد المشلول؟

الأزمات كثيرة ومتوالية كأن هناك في الداخل والخارج أو في الداخل قبل الخارج، من يثيرها. معظمها تحمل الطابع المفتعل والمقصود. كأن هناك من يريد أن نرضخ لما كنا لا نرضخ له لو كان الوضع يبعث على الراحة والاستقرار. لبنان كمستعمرة لعدة بلدان كبرى واقليمية. وأهل السلطة فيه بيادق في لعبة شطرنج. عفواً ربما كانت الداما تعبيراً أوفى لبساطتها، نسبة الى تعقيد الشطرنج وقلة التعقيدات وأشكال البيادق التي تدل على الوضع الذي نحن فيه.

–      المياه مخصخصة. نشتري مياه الشفة والاستعمال المنزلي من كميونات خاصة تملكها شركات.

–      الكهرباء مخصخصة. نعتمد على “مولدات الحي” المملوكة فرديا، ولا ندري إذا كانت عصابة، عفواً شركة تديرها جميعاً.

–      الهاتف الخليوي ملك عام لكن الإدارة مخصخصة.

–      الهاتف الثابت: التوزيع مخصص.

–      الطرقات: لا نعرف كيف نخصصها لأنها تتطلّب استثماراً يستنكف القطاع الخاص عن المخاطرة فيها.

الخصخصة عندنا هي استثمار الدولة رؤوس الأموال (وبعض الاستدانة) في المشاريع الكبرى، بينما القطاع الخاص يستفيد دون أن يستثمر فيها.

–      معظم الهيئات العامة التابعة للدولة لا نعرف عنها الكثير، لكن ارتفاع رواتب العاملين فيها، خاصة في مجالس إدارتها، يجعلها أشبه بالملكية الخاصة. بفضل الطوائف التي تُكرّس هذه المؤسسات كغنائم لأرباب الطوائف. عدد هذه المؤسسات كبير والقيمون عليها محميون. لا لزوم للاسترسال في تعدادها.

–      معظم الأجهزة الأمنية والبيروقراطية مطيفة (كل منها يتبع لطائفة، أي الى زعيم طائفة). بحكم الواقع مطيفة. يمارس رجالها السياسة التي يفترض أن تكون منوطة بالطبقة السياسية.

–      أملاك الدولة، المشاعات، الأوقاف، كلها يجري الاستيلاء عليها لصالح الملكية الفردية.

–      نسمع عن المتاجرة بالأولاد لبيعهم كعبيد. ولا نعرف عن الأمر كثيراً.

خصخصة في كل مكان. البلد كله مخصص. المخصص هو ملكية خاصة يملكه فرد أو شركة. القطاع العام هو ما يكون مشاعاً تملكه القرية أو المدينة، أو ما كان ملكية للدولة. لم نكن نسمع عن الخصخصة قبل 2005، أي قبل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لا ندري إذا كانت مهمة القطاع العام، بما في ذلك سلطة الدولة، إدارة القطاع الخاص. كل ما يشاع، عن اقتناع يساري أو يميني، أن القطاع العام فاشل بالطبيعة، أي بحكم وجوده. لا برهان على صحة هذه المقولة. بل هي تعني أن يدير قلة من الناس قطاعاً واسعاً من المنشآت أو الأراضي خير من أن يديره المجتمع. هذا يعني أن لدى هذه القلة كفاءة أكثر من المجتمع. من أين جاءت هذه القلة. أليس من المجتمع؟ أليست هي على شاكلته؟ انها قلة تريد السيطرة على المجتمع وعلى ما ينتج. القلة التي تتمتّع بالكفاءة في الإدارة الحالية هي النخبة المستثناة والاستثنائية لأنها تملك كفاءة المال. أما الأكفاء في العلوم من الفيزياء الى الكيمياء الى الهندسة، الخ… فهم لا يجب أن يملكوا شيئاً إلا رواتب تكاد لا تكفيهم. مع تراجع الصناعة والزراعة وبقية قوى الإنتاج، نبقى شعباً لا لزوم له، إلا في بعض الخدمات نقدمها لمن اختارهم الله واستثناهم بسبب كفاءة هي أسمى من الكفاءات الأخرى. الكفاءة السامية الوحيدة هي كفاءة المال. معظم كفاة المال لا يعرفون عن المحاسبة شيئاً، ولا عن الرياضيات شيئاً، إلا ربما الجمع والطرح. هذا الأمر يقوم لهم به المحاسبون كموظفين لديهم. نبقى في مجتمع يسيطر فيه الأقل كفاءة على الأكثر كفاءة. الكفاءة لا تعني شيئاً أن لم تشمل لدى الفرد الواحد مجالات شتى ورؤية تستند على علوم شتى.

أموال اللبنانين مرتهنة لمن يحكم لبنان.. والذين يحكمون لبنان هم الذين يتصرفون بأموال اللبنانيين، هم المصارف

المصارف حاكمنا الفعلي

الحاكم الفعلي في بلدنا هو قطاع المصارف. لا ننسى أن كل مدخراتنا كعامة الشعب تقبع في أروقة المصارف. هؤلاء يتصرفون بها. لهم حق المنفعة. وهذا نوع من الملكية. قيل الملك لله، وحق المنفعة للعباد. الأرض لمن يزرعها. لكن حق الرقبة لله. للمصارف الآن حق المنفعة والرقبة. لهم حق الاستثمار. للمودعين حق الرقبة نظرياً وفي أوهامهم. لا يعرف المودعون عن أموالهم شيئاً بعد أن تودع. يهددوننا بأزمة مصارف. معنى ذلك أن مدخراتنا في خطر. لا نعرف عن هذا الخطر شيئاً. لكن ما نعرفه بالتأكيد أن في الخطر سوء إدارة. سوء إدارة القطاع الخاص (المصارف قطاع خاص) الذي أمضينا سنوات بل عقوداً من السنين نحكي عن كفاءاته وميزاته. القطاع العام، أي الناس كمجتمع، دائما مبتذل ورخيص، فاقد الكفاءة، فاقد المعنى. لا لزوم له إلا لخدمة القطاع الخاص وأربابه.

إذن، يحكم البلد هؤلاء الذين هم الأقل كفاءة بين سكانه. وإذا كان البلد مفككاً مشلعاً، بأفضال الطائفية، فمن يحافظ على وحدة البلد؟ إذا كانت وحدة البلد، وجود الدولة، لا تتحقق على يد أبنائها فلا بد أن تكون قوى، أو قوة واحدة خارجية، تفعل ذلك. وهذه القوة الخارجية تعاونها أجهزة مخابرات عدد من الدول الغربية، وهي تملك أكثر من قاعدة عسكرية في لبنان.

السؤال المهم هو: هل ستدعمنا هذه القوة الخارجية، لو حصل انهيار داخلي يؤدي الى انفجار الليرة اللبنانية؟ أو أن الشعب اللبناني، هؤلاء العامة المبتذلين، لا يعنون شيئاً للسادة الخارجيين كما لا يعنون شيئاً للسادة الداخليين؟

الفضل شلق

مثقف وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download