مصطفى اللبّاد.. عن “حدائق” لم تنته

رحل مصطفى اللبّاد، لكن سيرته مقيمة. في كتابه وكتاباته. في صداقاته الواسعة. في عائلته المصرية ـ اللبنانية. في فكره المنفتح لكن غير المهادن عندما يريد أن يقيم حدودا للصح والغلط.

وقفت أمام السفارة الأميركية السابقة في شارع طالقاني في طهران، ورحت أتأمل واجهة متجر يبيع كل ما يمكن تخيله من مصنوعات يدوية إيرانية، من سجاد وكِليم (بساط)، وصحون سيراميك مشغولة بعناية وحقائب ومحافظ ملونة.. لسبب ما، قررت الدخول إلى المتجر، برغم إدراكي أن سعر أي شيء هنا سيكون مضاعفا، بل وفِي ظل ظروف انهيار العملة التي كانت تشهدها إيران، في ذلك الوقت (شباط 2018)، فأنا بدون شك أمشي على قدميَّ إلى مصيدتي.

استقبلني رجل ستيني وبدأت أتنقل بين رفوف المتجر في جولة إستئناس، فإعجاب، وأخيرا اشتريت ما أردت. كان قد اكتشف بطبيعة الحال أني عربي ولما بدأنا جولة المفاوضات حول مشترياتي عاجلني بسؤال بلغة عربية مكسرة “ماذا تعمل”؟ أجبته فوراً “صحفي”، نظر إليّ طويلاً ثم صرخ لزوجته باسمها الذي لا أذكره، “لدينا صديق لمصطفى هنا، صحفي عربي، تعالي”!

“أنت تعرف مصطفى اللباد، كيف هو؟ ما أخباره؟ لماذا لا يزور إيران”؟

للوهلة الأولى، لم اعرف من هو مصطفى المقصود، ولا سبب اهتمام تاجر التحف والتذكارات الإيراني بالصحافة العربية وجماعتها، لكن زوجته فاجأتني بالسلام والسؤال بالعربية أيضا قائلة “ما أخبار مصطفى، منذ مدة لم نره هل هو في القاهرة أم في بيروت”.

ذهب عقلي مباشرة إلى مصطفى اللبّاد، لذا حاولت فقط تأكيد ذلك بذكر إسمه كاملا، كي لا تكون تقصد أحدا ثانياً وأنا في الوادي المقابل لها، فأجابني زوجها “نعم هو، طالما أنك صحفي عربي، فأنت تعرف مصطفى اللباد، كيف هو؟ ما أخباره؟ لماذا لا يزور إيران”؟

لم أكن أعرف مصطفى اللبّاد عن قرب. لم التقه يوما، لكن بحكم اهتمامنا المشترك في إيران وكتابتنا معا في صحيفة “السفير” البيروتية العريقة (توقفت عن الصدور في الثالث من كانون الثاني 2017)، لم يكن غريبا عني، وكنت أعرفه أكثر مما يعرفني، إذ أنني في مرات عدة، وبشكل متكرر، ذهبت معه في رحلة استثنائية سبرت أغوارا فكرية وتاريخية وحملت محطات من تجربته، وكانت تلك الرحلة محددة الهدف والعنوان، زيارة “حدائق الأحزان” كتاب مصطفى اللباد الوحيد عن إيران، على حد معرفتي، وهو كان محاولة للإجابة عن أسئلة متداولة حول نظرية ولاية الفقيه وتطورها وظروف وضعها ولاحقا تطبيقها بعد الثورة الإيرانية، فتعديلها، وأين إيران الدولة منها وأينها من مستقبل إيران؟

كيف تكتب عن نظرية بكل ما يعنيه ذلك من جمود في المفردات وغياب صور التعبير، وكيف تزينها بصورٍ من تجربتك في هذا البلد وانطباعاتك التي لا تغادر طراوة أرض لم يمض الكثير على زرعها وريها، وكيف تُضمّن في كتابك قشعريرة تصيب من يقرأه ويعرف عن إيران، ولا يقول إنه يعرف إيران، فهذا علم المستحيل.

في مقدمة “حدائق الأحزان”، كتب مصطفى اللبّاد “أطلب من القارئ غفرانه، على تقصير الكتاب عن بلوغ الأرب، وهو أمر واقع بالضرورة بالنظر إلى ما سبق. ولما وقع مـا هو واقع ولم يكن له دافع، كان صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا، أن يطوي المرء فصول الكتـاب محتفظـا بأحكامـه الأولية، وهو ممسك بزمام الكشف عن المعاني، وملم في الوقت ذاته، بكل ما استغلق من أفكار. فإلى علوم إيـران الغيبية وتراثها العرفاني ووجدانها الشرقي أتقرب.. وإليها جميعًا أعتذر.”

كتب مصطفى اللبّاد عن بلد لا تكفي قراءة الكتب وحدها عنه لفهمه. بلد بروح متمردة وسط بركان هادئ لا يتوقف عن الغليان. هذه الروح حاول لمسها مصطفى اللبّاد، وكرر المحاولات في زيارات عدة أخذته إلى إيران، ومن خلال مقالات ودراسات لا يمكن حصرها، وكان بدأ يأخذ مكانه الطبيعي على سلّم أهم الكتاب العرب الذين كتبوا عن إيران، إلا أن العمر لم يسعفه، ومساحته الأولى “السفير” خذلته، والوقت كان ضيقا ليخدّم فكريا حتى النهاية تلك “الأحلام التي استعصت والمعاني التي استغلقت”، وليكمل رحلته في “الجغرافيا في مقام راست، والتاريخ في مقام نهاوند”.

تسنى لي أن أتحدث مع مصطفى اللبّاد قبل أشهر قليلة عبر “الماسنجر”(فايسبوك)، فأخبرته عن أولئك الذين سألوني عنه في طهران، فأجابني “أكيد اسم المحل خورشيد خانم، أنا زبون هذا المتجر”.

تحدثنا عن إيران قليلا، ثم أخبرني أنه سيكون في بداية أيار/مايو 2019 في بيروت، وسألني “هل يعقل ان بيروت لا يوجد فيها مطعم ايراني”، فأخبرته عن واحد سمعت به واتفقنا على اللقاء، لكن قبل أن نتوقف عن الكلام قال لي، “إنت إبن خالة زميلنا علي (شقير)، سأبلغك عندما اراك واقعة، نصحته بك لأمر”.

رحل مصطفى اللبّاد في منتصف الطريق، لم يكمل رحلته بين حدائق إيران، ولم يخبرني الواقعة التي وعدني بها.

(*) صحافي لبناني يعمل في محطة “بي بي سي”

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course