سوريا 2025.. تلك التي نراها للمرة الأولى

عام 2025 كانت علامته الفارقة دخول سوريا في مرحلةٍ جديدة للمرة الأولى منذ تشكلها كدولة على أثر اتفاقية سايكس – بيكو والإحتلال الفرنسي بعد إسقاط الحكم الفيصَلي الوليد. وكمجرياتِ فيلمٍ سينمائي، كنا كلبنانيين، نشهدُ سوريا مختلفة، لا عن تلك التي رأيناها عبر جيشها ومخابراتها في لبنان فحسب، بل عن أي سوريا أخرى في التاريخ الحديث.

هناك مستويان لمقاربة النظرة، اللبنانية تحديداً، إلى سوريا، وتحولاتها. المنظار الأول؛ من خلال مقاربة العلاقة معها كدولة ونظام، أو أنظمة متعاقبة على تعدد هوياتها السياسية والحزبية. هنا، لا تُلحظ تغيرات باستنثاء الهوية ذات الخلفية الدينية (“الجهادية”، المتشددة) للنظام الجديد، والناتجة عن حطام الدولة والمجتمع في سوريا بعد حرب أهليةٍ طاحنة استمرت 14 عامًا.

ويُمكن القول إن العلاقة اللبنانية – السورية، في مندرجاتها الصعبة والمتعرجة، ما تزال تحملُ معها الإرثَ نفسه للخلافات والمواضيع الشائكة العالقة. من الحدود، إلى تداعيات تغير الأنظمة على العلاقة مع لبنان، وأيضاً على المستويات الأمنية والسياسية والإقتصادية. فالمطالبة السورية الحالية بتعقب ضباط النظام البعثي وعناصره في لبنان، يبدو كأنَّه مطلبٌ لنظام انقلابي في خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي. فلطالما تحملت الدولة اللبنانية الهشّة شراسة وفظاظة تركيبات النظام السوري السابق، في مطالبته بتسليم المعارضين، الذين يتبدلون بين انقلابٍ وآخر. ولم يكن يسَع الحكم اللبناني سوى النزول في أحيان كثيرة، عند مطالب الجار الصعب الذي يُهدّد بإنزال “خشبة” الحدود لدى كل “نزق” أو “انزعاج” مما لا يرضيه. وفي أحيانٍ أخرى، كان اللبنانيون يستفيقون على اغتيالات للمعارضين السوريين، من غسان جديد “السوري القومي” في العام 1957 وصولاً إلى محمد عمران الركن العلوي لـ”اللجنة العسكرية” البعثية، في طرابلس من العام 1972.

المنعطف الكبير، لا بل التحول الهائل هو في المستوى الثاني، المتمثل في البُعد الداخلي، أي انفجار المجتمع السوري الأهلي وتداعيات هوية الحكم الجديد. في السابق، كان اللبنانيون يتعاطون سياسياً مع نظام ودولة واحدة لأرض واحدة، ومجتمع يبدو من صياغته الحزبية “العروبية” “متجانساً” و”واحداً”.

هذه الدولة السورية، وأنظمتها، اصطبغت بالهوية السياسية “العروبية” حتى الثمالة، سواء كانت عبر أنظمة ديموقراطية وليدة ومحدودة جداً زمنياً، أو عبر أسياد الإنقلابات وأنظمة “الشخص” من حسني الزعيم إلى سامي الحناوي فأديب الشيشكلي، وصولاً إلى البعث و”الأسدَين”. صاغَ البعدُ “العروبي” القومي هوية الدولة والنظام، وانعكس على مندرجاته الإجتماعية والثقافية والفكرية والإعلامية، في خطابات معروفة التوجه والشكل “الخشبي” غالباً. هذه العروبة السياسية هي التي كانت دافعاً لأهازيج الإنزلاق إلى حرب 1967 لا بل تحريض جمال عبد الناصر عليها، وهي التي كانت تقود صلاح جديد لإدخال دباباته عام 1969 دفاعاً عن المنظمات الفلسطينية في صراعها مع الملكية الأردنية. هي هويةٌ انعكستْ في الإعلام الحزبي الواحد، وفي الدراما التي جعلت نجدت أنزور يُخرج “أخوة التراب” عن الثورة العربية على العثمانيين وبسام الملا يكتب عن زنوبيا في “العبابيد”.

لكن الإحتفاء بالثورة العربية الكبرى، تحوّل مع الحكم الجديد راهناً إلى إلغاء أعياد وطنية، كعيد شهداء 6 أيار (مايو) الذين باتوا وفق الرواية السورية الجديدة “عملاء” للإنكليز والفرنسيين، وتحول الشريف حسين إلى “عميل للأجانب” بدلاً من بطل عربي للتحرر من السيطرة العثمانية.

هذه التداعيات الجديدة هي نتيجة للطابع “الجهادي” المتشدد الذي استبدلَ هويةً وطنية و”قومية” بهوية ذات شُحنات دينية مكثفة، وبصواعق التحولات العميقة للإتجاهات الإسلامية في سوريا. فـ”جهاديو” اليوم المتناسلون من الحرب السورية، ومن عصر ما بعد “الإخوان المسلمين”، اختصروا خريطة من تنوع إسلامي ديني وسياسي وتنظيمي، في مشهد ما يزال قيد التبلور. وفي الترجمة العملية، استُبدلت استباحة الدبابات تحت شعارات “القومية العربية”، بتجمعات لمقاتلين متطرفين من آسيا الوسطى. باتت “الجهادية” المتفلتة هي اليد الطويلة للنظام الجديد.

هذه “المحمولات” التفجيرية مجتمعياً، أبرزت لنا سوريا بالغة الإختلاف عن تلك المنبعثة من الطموحات العربية ما بعد الحرب العالمية الأولى. سوريا السابقة كانت “عروبية” تحتفي بالتنوع ولو عبر أنظمة سلطوية عزّزت المخاوف والتناقضات واستخدمتها. سوريا المستجدة، ذات وجه مخيف في “ثأريتها” من التنوع. لذا، تَركَ العام 2025 مشاهدَ مروّعة في التعاطي مع احتجاجات العلويين في الساحل السوري والدروز في السويداء، فيما قبَع المسيحيون خائفين منقبضين، واحتمى الأكراد لا بسلاحهم فقط بل بمعادلات دولية تضبط شهيات “الثأر” السلطوي.

في سوريا السابقة، نجح النظام البعثي في إخفاء الصراعات الأهلية شكلاً، أو كبتها إلى حين. مع الإنفجار الحالي، طفا قيح الكراهية والتناقضات الكامنة مذهبياً إلى السطح من جديد في عصر التواصل الإجتماعي. في سوريا السابقة، قُمع تمرد الإتجاه الديني المتمثل بالإخوان المسلمين، في المدن نفسها التي كانت رأس حربة الإنتفاضة على بشّار الأسد، من جسر الشغور إلى حلب وحماه. في سوريا الحالية، ارتفعت صيحات “الثأر” الديني-الإجتماعي من عوامل كثيرة اختصرتها سلطوية نظام البعث – الأسد وإدارته بالخوف والقمع تنوع سوريا ودينامياتها الإقتصادية والإجتماعية، لا الطائفية والمذهبية فحسب.

هناك ما يتطلب في سوريا الجديدة جلاء المشهد، وتحديداً في عدم وضوح ما خفيَ من اتجاهات إسلامية، ومدينية، سُنية تحديداً، منفتحة ومتنورة، وأيضاً اتجاهات سياسية ليبرالية ويسارية وقومية، مخفية أو تتلمس خطاها بعد كل الحطام الذي خلّفه وكي لا ننسى، قمعُ النظام البعثي والأسدي منذ العام 1963. ذلك أنه على الرغم من المشهد المقلق والضبابي، لا يمكن اختصار سوريا واختزالها بما نراه على السطح، بل بقراءات أكثر عمقاً تتطلب تبخُّر الضباب والدخان المجتمعي والسياسي الكثيف حالياً.

إقرأ على موقع 180  بن مناحيم: "ضوء أخضر" روسي للتصعيد الإسرائيلي سورياً!

وإلى الأبعاد الداخلية، كنا نشهدُ سوريا جديدة في علاقاتها الإقليمية والدولية. فهي المرة الأولى التي تحظى فيها الولايات المتحدة بنفوذ في هذه الأرض، لا بل تصوغ نظامها الجديد وتضبط حدوده، بعدما أُطلقت اليد السوفياتية والروسية في العام 1957 إلى دعم يوري أندروبوف في مطلع الثمانينيات الماضية. هي أيضاً سوريا تتحفظ على “حرب تشرين” لإرثها “الأسدي” وتفتح طرقاً واسعة مع إسرائيل التي باتت يدها طليقة من درعا إلى كل الجغرافيا السورية.

ولعل المشهد البالغ التحول لهذه “السورية” المختلفة جذرياً، هو صورة عن المشرق المراد أن يكون أميركياً وإسرائيلياً، في صياغته الثانية بعد الأولى مع “سايكس- بيكو”، الذي خرج منه الروس وغابت عنه أميركا. هي صورة للمشرق المُفتَت المنفجِر المتقاتل أهلياً، وأيضاً، المُستباح والمطحون بعجلات الهيمنة الدولية الجديدة.

Print Friendly, PDF & Email
ميشال ن. أبو نجم

صحافي وباحث سياسي لبناني. عمل مديراً مساعداً للسفير والوزير السابق عبدالله بوحبيب في مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية بين العامين 2008 و2015.

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  NEO: نظرة غير تقليدية لـ"المصير المتجلي" و"الاستثنائية الأمريكية"! (2)