في الخَوْف

الهُجومُ على رئيس دولة في عقر دارِه، واختطافُه ونقله خارج الحدود؛ عملٌ أهوَج صَفيق، لا يمكن قبوله تحت أيّ ظرفٍ أو شرط، والحقُّ أنه يستدعي الغَضبَ والرَّفض، بقدر ما يبعث على التوجُّس والحذر. احتجَّ الناشطون على تدخُّل الإدارة الأمريكية السَّافر بفنزويلا؛ وفيما أصدرت بعضُ الحكوماتِ بيانات شَجبٍ واستنكار؛ صمتت أخرى مُكتفية بمراقبة الأوضاع؛ لا ترحيبًا منها بالمَسلَك المُهين الذي دأب الرئيس دونالد ترامب على انتهاجه ضد مُعارضيه؛ إنما عملًا بالحكمة الشهيرة: "من خافَ سَلم". كلٌّ يَخشى أن يأتيَ دورُه وكلٌّ يفضلُ أن يتركَ لمَن دونه مُهمَّة اتخاذ مَوقِف مُضاد. 

الخوفُ حالٌ شعوريَّة لها أعراضٌ كثيرة، منها تسارع دقَّات القلبِ والتعرُّق واتساع حدقةِ العين. تُصيبُ الخائفَ ارتعاشاتٌ في اليدين واهتزازاتٌ في الرُّكبتين والسَّاقين قد يَسقط بسببها، كذلك يجفُّ ريقُه ويتعذَّر عليه الكلام. الخائفُ غير قادرٍ في العادة على اتخاذ قرارٍ سليم، وعند تعرُّضه لاعتداء، فإن توتُّرَه وذُعره قد يُودِيان به إلى التَّهلُكة؛ بغضّ النَّظر عن قدراتِه وإمكاناتِه.

***

كمحاولةٍ لتشجيع الخائف، وحثّه على نبذِ خوفِه من شيء مُحدَّد؛ يُقال: “اللي يخاف مِن العَفريت يِطلَع له”. قد يكون العفريتُ مرضًا مقلقًا، أو مَوقفًا مُحرِجًا، أو حتى حَشَرةً. قد يتمثل أيضًا في حيوان أليف يُربيه كثير الناس؛ لكنه يصبح مَصدر ترويع فعليّ لأخرين. شهدنا في الآونة الأخيرة مجموعَ حوادثٍ تعيسة؛ سبَّبها الخوف الشديد من الكلاب. نِسبةٌ لا يمكن تجاهلها من الأشخاص تخشى أن يصادفَها في الشارع كلبٌ؛ ولو لم ينبح عليها أو يناوشها، تنكمش وتبدو كمن ارتكب فعلة مشينة تستحقُّ العقاب؛ وإذ تتعرَّف الكلابُ على رائحة الخائفين وتغدو بموجبها مُستثارة؛ فإنها تطاردهم. يستحضر الخوفُ العفريتَ بلا إبطاء وقد ينتهي الأمر بمأساة.

***

ثمَّة من لا تُرهبه أشدُّ الحادثات ولا تزلزله المِحَن؛ يبقى طيلة الوقت ثابتًا هادئًا ورابط الجأش، وعلى الجانب الآخر ثمَّة مَن “يخاف مِن خياله”. الخيالُ لصيقٌ بالمَرء؛ توأمه الذي لا يوجد منفردًا أبدًا، والقَّصد من هذا المجاز الإشارة لرهافة الشَّخص، وقابليته للاهتزاز والهلع من أتفه المؤثرات.

***

يقول صلاح جاهين: “ولدي نصحتك لما حسّي اتنبح.. ما تخافش من جنّي ولا من شَبح.. وإن يوم طلع لك في الضلمة عفريت اسأله.. ما دافعش ليه عن نفسه يوم ما اندبح. عجبي”. في الأبيات تحريض على المواجهة، وتأكيد على الحِكمة الشَّهيرة التي تقِرُّ بأن الهجومَ خير وسيلةٍ للدفاع؛ فلكلّ مصدر خَوف نقاط ضَعف، واكتشافها واستخدامها ضده؛ وسيلة مُثلى للتغلب عليه ودَحره.

***

بعضُ الناس لا يفهمون لغةً سوى القوة، يخافون الجبَّار ويستقيمون ما رأوا العصا مرفوعة؛ وحدها التي تلزمهم باتباع الطُّرق القويمة، وفي غيابها لا يتورَّعون عن ارتكاب الموبقات ولا يأبهون لوخزات الضمير. نَصِف في أحاديثنا اليومية من يتمادى في الخطأ على غير استحياء بأنه: “يخاف ما يختشيش”. الوَصفُ الدَّقيق، المَقرون بالإيجاز والتلخيص؛ يجعل القولةَ شائعةً مُستخدَمة، خاصة مع توفُّر مَن يستحقونها ومن تنطبق عليهم بحذافيرها.

***

بعضُ المرَّات يتَّخذ التهديد صُورةً جادةً صارمة؛ برغم أن مُحتواه غائمٌ مشوبٌ بالغموض: “خَف على نفسك وعلى عيالك”. الخوف على النفس أو الأهل يعني وجود إيذاء محتمل أو وشيك؛ ربما يتعلق بمردود سلبي على المكانة الاجتماعية أو السلامة الجَّسدية، وربما بجزاء السَّماء الذي لا يحدُّه زمنٌ ولا مكان.

***

في اثنين من أروع أبياته يقول المُتنبّي: “وما صَبابةُ مُشتاقٍ على أمَل.. من اللقَاءِ كمُشتاقٍ بلا أمَلِ.. والهَجْرُ أقتلُ لي مِما أراقبُه.. أنا الغريقُ فما خَوفي مِن البَللِ”. الكلماتُ حافلة بالتشبيهاتِ والاستعارات؛ الغَرقُ هنا لا يحتاج مياهًا عميقة، والفراقُ يتحوَّلُ لسلاحٍ فتَّاك مُميت، والخَوفُ في هذه الحال المُستعصية؛ له دوافع وأسباب غير ما يُرى.

***

“خوفتني”؛ كلمة يتلفظها أحدنا مُستخدمًا نبرة خاصة وقد يُرفِقها بلغة جَسد مُتهورة هجومية، تفيد أنه لا يخشى غريمه ولا يكترث لتهديده؛ بل يستهزئ به ويدعوه للمزيد. القائل غير مبال بالتبعات، ثقته الواضحة قد تخيف غريمَه وتدفعه للتراجع، ولا أدل على المعنى من خطاب الرئيس الكولومبي الذي لا يعبا بوعيد الإدارة الأمريكية وأفعالها الرعناء، يقارع القولة بمثلها ويلتزم بقناعاته ومواقفه؛ ضاربًا المثلَ للخانعين المُتصاغِرين.

***

بعض المرات يتملك الواحد منا خوف طاغ من الإقدام على فعل ما. يبقى مُحجِمًا عن اتخاذ القرار، يَحسَبُ العواقبَ ويتحسَّس مواضع الإخفاق ثم يعيد الحسابات؛ فما إن يحسم أمره ويمضي في طريقه حتى يفاجأ بنتيجة إيجابية تفوق التوقُّعات. لا أدق حينها من التوصيف الحاضر على الألسنة: “اللي تخاف منه ما يجيش أحسن منه”؛ عبارة طمأنة ما استبقت المستقبل، وإثبات للواقع ما قيلت في حينه.

***

“أنا قلبي كان شخشيخه أصبح جرس.. جلجلت بيه صحيوا الخدم والحرس.. أنا المهرج؛ قمتوا ليه؟ خفتوا ليه؟.. لا ف إيدي سيف ولا تحت مني فرس. عجبي”. لا أعذب من صياغات جاهين ولا أوجع من معانيه؛ ظاهرة أو متوارية. المهرج مضحكة المتفرجين، منبع انبساطهم وأحيانًا استهزائهم وسخريتهم؛ لكن لحظة عفوية قد تأتي لتبدل المواقع وتعكس الآية؛ تضع سادةَ البلاط مكان مُهرجيه وتحوّل المُستضعَف إلى قوِي.

***

الخوفُ من المَجهول داءٌ تجسّده الأمثولة الراسخة في أذهاننا: “اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش”. احتجَّ بها كلُّ من أصابهم الذعر مع تنحي مبارك ورحيله عن الحكم، ثم جاء المجهولُ وتوالت النكباتُ تباعًا، وتبيَّن الناسُ عمليًا ما لم يدركوا وقتها؛ بعض ما ظنوا فيه الخيرَ أظهر النقيض، وبعض ما ظنوه شرًّا عادوا ليتأسُّوا عليه، والحقُّ أن المعرفةَ واجب؛ ثقيل الوطأة بعض الأحيان؛ نعم؛ لكنه السبيلُ الوحيد لضَحد المخاوِف وتجاوزها، وتأسيس القادمِ على أعمدةِ الحقيقة.

إقرأ على موقع 180  عن مئوية لبنان بين الغرب.. والدكتاتوريات العربية

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180   حُكم طالبان.. أميركا تُفجّر وسط آسيا بوجه من؟