إيران.. تخريب البيت من الداخل أم من الخارج؟ 

أسبوعان على ما يشهده الداخل الإيراني بمسميات كثيرة قيلت حتى الآن: تظاهرات، احتجاجات، تخريب، أعمال شغب، اضطرابات.. ومع دخول الأسبوع الثالث تزداد علامات الإستفهام ارتساماً حول المربع الأول الذي انطلقت منه، والأخير الذي سترسو عليه، وما بينهما من رياح تحاول هدم البيت من الداخل ويُحدّد اتجاهاتها إثنان: الشعب والنظام.

بدايةً، وبعيداً عن صخب الشارع، ثمة أسئلة معيارية لا بد منها: هل ما يطفو على السطح بين الفينة والأخرى حقوق مطلبية يتم استغلالها، أم هو أعمال شغب وتخريب مدبّرة بأصابع خارجية؟ وفي الحالين، لماذا ما إن يخبو جمره تحت الرماد سنوات، حتى يعود من حال الكمون إلى كمين بل كمائن للشعب وللدولة في آن؟ إذا كان مطلبياً داخلياً فما مدى أحقيته ومشروعيته ومدى التقصير أو القصور بمعالجته درءاً لتكراره؟ واذا كان خارجياً فما هي أهدافه وكيف يفشل في كل مرة وهل ينجح هذه المرة؟ هل المشكلة بنيوية في ذات النظام وفي سياساته الداخلية والاقتصادية والظروف الموضوعية المحيطة أم في الدول المعادية وعملائها؟

الإجابات لا يفي بها فهم الداخل الإيراني، على الصعد كافة، الرسمية والشعبية، والعلاقة الطردية بينهما، والتركيبة القومية والدينية، ولا يعني إدراك واستنباط باطنية الإيراني وتفكيك شيفرته الغامضة، لأن الإمساك بطرف أو بأطراف السجادة الإيرانية لا يعني أبداً الإمساك بكل خيوطها ، ولا الإلمام بعلم خياطتها وطريقة حياكتها، ولهذا فقد يكون هذا “الجهل الاستراتيجي” بها، أولُ سياجٍ يحميها، وأولُ سدٍّ أمام أعدائها، وهذا ما يقع فيه أغلبهم، وليس آخرهم الكاتب الإسرائيلي ألون بن ديفيد بقوله إن ما يجري في إيران “يتجاوز قدرة الفهم والتوقع فهي دولة متعددة القوميات، ذات ثقافة معقدة وطبقات اجتماعية كثيرة، ما يجعل القدرة على الفهم والتنبؤ أكثر محدودية”. لكن ثمة حقائق أخرى لتأسيس حقيقي يُبنى عليه ويجعل ايران الحالية والتاريخية مقيمة على مرتكزات عدة:

المرتكز الأول: حضاري موغل في أعماق التاريخ منذ أكثر من أربعين قرناً، والمغالون الإيرانيون يجعلونها خمسين قرناً (الامبراطورية الفارسية وحدها تعود الى سنة 559 ق.م) ما يجعل إسقاط نظامها أو السيطرة عليها أو تغيير هويتها غاية لا تُدرَك، وهدفاً مستحيلاً، استحالةً لا تحتاج ولا يضيف إليها، إقرار القائد السابق للقيادة المركزية في الجيش الأميركي الجنرال كينيت ماكينزي بأن إيران “لديها ثقافة مختلفة، وتاريخ، وشعب، ولا يمكن حذفها من المنطقة”. هي على مدى أكثر من أربعة آلاف عام، بالكاد تغيّر فيها 12 نظامًا سياسياً، أي بمعدل نظام واحد كل 333 عامًا فيما عمر النظام الحالي لم يتجاوز الخمسين عاماً.

المرتكز الثاني: ديموغرافي يجمع بين مساحة جغرافية بحجم قارة (1،650،000 كلم2) تضعها في المرتبة الأولى آسيوياً و18 عالمياً، تقطنها كتلة سكانية (92 مليون نسمة) ما يجعلها من أكبر التجمعات البشرية على الكرة الأرضية ويضعها في مرتبة الدولة 17 في العالم والثانية في الشرق الأوسط من حيث عدد السكان (نسبة تعليم 97%، وترتفع بين النساء إلى 98%.)

المرتكز الثالث: قوميات يتركب منها النسيج الوطني، كما تُحاك فسيفساء السجاد الإيراني (أكثر من 15 قومية نصفهم من الفرس؛ نصفهم أيضاً ذكور ونصفهم إناث). نصف الشعب الإيراني من فئة الشباب التي لم تتجاوز الـ34 عاماً، ما يجعل هذه الامبراطورية المترامية الأطراف دولة فتية ودولة تثاقف حضاري وتلاقح ثقافي وتراكم معرفي في الروابط والمعتقدات.

المرتكز الرابع والأهم: الإسلام السياسي المستولد من الثورة الإسلامية الذي يختصره ويمثله نظام الجمهورية الإسلامية، ويتقاسمه تياران أساسيان محافظ وإصلاحي وهو نظام مؤسسات يحكمها كافة، وليس وليد الثورة الإسلامية بل تعود جذوره إلى العام 642 .م يوم أصبحت بلاد فارس جزءاً من الامبراطورية الإسلامية مروراً بالعصر الصفوي (1501-1736م.).

هذا المزيج المركّب حضارياً وتاريخياً وديموغرافياً وإسلامياً يُشكّل درعاً واقياً وحامياً لنظام الحكم الحالي، يلتحم ويتحدّ ويتوحد حدّ الإنصهار في مواجهة المخاطر الخارجية، كما إبّان حرب الـ12 يوماً، وقد لا يكون كذلك في حال الأزمات الداخلية، شأنه في ذلك شأن أي شعب مركّب تجمعه مشتركات الهموم الإقتصادية والأحوال المعيشية، تماماً مثلما تجمعه المخاطر الخارجية نتيجة تراكم ثقافي معرفي حضاري لا مندوحة إن راوح بين التعصب والتعنصر .

هنا يلج الحديث ليفضي إلى حقيقة وجود أزمة اقتصادية فعلية يتمّ استغلالها خارجياً، أزمة بل أزمات تبدأ من فساد في سوء الإدارة، وتمرّ بقصورٍ هنا، وتقصيرٍ هناك، لم ينكره كبار المسؤولين، في بلد لا يدّعي العصمة السياسية والاقتصادية، وقد تحتاج آليات النظام والحكم تحديثاً لا مناص منه كل فترة، باحتجاجات أو بدونها. هذه الأزمة يُفاقمها الحصار المفروض تحت مسمّى العقوبات التي يبدو أن كل محاولات التحرر أو التفلت منها لا تفي بالحاجة الإقتصادية المطلوبة وإن كانت تُبقي إيران واقفة على قدميها.

لكن ذلك لا يقود بالضرورة إلى احتمالية السيطرة “الترامبية”على قارة كإيران غنية بالثروات الطامع فيها، فلا ايران هي سوريا، ولا هي فنزويلا، ولا هي غرينلاند، ولا هي دولة عابرة أو ناشئة أو تابعة أو ملحقة، ولهذا كرّست الثوابت الآتية:

إقرأ على موقع 180  "طوفان الأقصی".. يُدمّر الأساطير الإسرائيلية!

الأولى: أنها دولة لا يُمكن إسقاطها من الداخل ولا من الخارج وها هي بعد 47 عاماً من انتصار ثورتها وقيام جمهوريتها الإسلامية وأعداؤها يعملون ليل نهار ويراهنون على انهيار من الداخل تحت وطأة الحصار الأميركي- الغربي المفروض عليها منذ قيامها عام 1979 لإضعافها وإسقاطها وفرط عقدها الإجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري .

الثانية: مقومات القوة القائمة بذاتها في دولة برغم إطباق العالم عليها منذ نشوئها قبل 47 عاماً تؤمّن الغذاء والدواء والإستشفاء والتعليم والخدمات والماء والكهرباء وصولاً إلى حدّ الإكتفاء لأكثر من تسعين مليون بشري. صحيح أن التضخم وصل إلى 42.2% وأن الريال انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.42 مليون ريال مقابل الدولار والتلاعب بأسعار صرف العملة أساس، ولكن الصحيح أيضاً أن ذلك ليس ناجماً عن الحوكمة الاقتصادية فقط بل يتمازج مع أصابع خارجية غربية ضاغطة للإبتزاز وللإخضاع ليس إلا.

الثالثة: التقدم التكنولوجي والتطور العلمي في صنوف شتى باتت معروفة ولا مجال لتعدادها بالرغم من الحصار المحكم، والتلاعب بالنار ومحاولة هزّ أمنها من الداخل غير مرة (2009 – 2019 -2022). ومع ذلك يبقى المشترك بينها، انقلاب المشهد إلى خروج تظاهرات مضادة للتخريب ومؤيدة للنظام.

تظاهرات دستورية كفلتها المادة 23 من الدستور الإيراني بـ”حرية التعبير والتجمع وتنظيم التظاهرات السلمية شرط أن تكون غير حاملة للسلاح ولا تخرج عن إطار القانون”، كالتظاهرات المليونية التي جبّت ما قبلها من تخريب وشكّلت استفتاءً جديداً للنظام.

إذن لماذا تتكرر الاضطرابات؟

تتكرر بحراك موضعي احتجاجي سرعان ما يتلقفه الخارج تارةً.. وبين الحاجة اليومية والهوية الحضارية-التاريخية يختار الايراني الثانية، وبين الفوضى والدولة يختار الدولة بلا تردد أياً كانت الدولة، فهو لا ينام على ضيم المساس بسيادته الوطنية أو كرامته الشخصية، ولهذا فإن لسان حال الشارع الإيراني اليوم: ما علاقة حقوق مطلبية لا يتنكر لها النظام بإحراق بنوك ومراكز إسعاف وإطفاء وبلديات وحتى مساجد وقرآن ومستوصفات ومستشفيات وإحراق ممرضات؟

لذا تختلف اضطرابات اليوم عن سابقاتها، فقد بدأت بحت اقتصادية وتفتقد الى رأس وقيادة مركزية والى تنسيق في ما بينها في الداخل، وإن توفر ذلك من الخارج باختراق حدود طولها 5،440 كلم ثلثها حدود بحرية، محاطة بتسع دول فيها سبع قواعد عسكرية أميركية، عدا عن محطات “الموساد”، وهو ما يجعل من المستحيل لقارة مترامية الأطراف السيطرة الأمنية على الداخل، والاغلاق الأمني على الحدود، والإطباق الأمني من الجو، حتى في أميركا نفسها حيث لا يُمكن وقف المهاجرين.

والسؤال: ما هي نسبة الآلاف وعشرات الآلاف وحتى المليون إزاء أمة الإثنين وتسعين مليوناً؟

الجواب عند المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية مايك بومبيو الذي قال: “عام جديد سعيد لكل إيراني في الشوارع، وأيضاً لكل عميل للموساد يسير معهم”. لكن الإيراني لم يكن في الشوارع، الا في التظاهرات المليونية ليُجدّد البيعة للنظام، وهو في كل عيد “نوروز” من كل عام جديد، يُخرِج من منزله كل بالٍ ورثٍّ وقديم، من أثاث وثياب وأغراض، ويستبدله بكل جديد، لكنه لا يبدّل جلده، ولا يخرّب بيته أو يغيّره، وفي الموروث، يقضي الإيراني عشرين عاماً من حياته في حياكة سجادة واحدة، عقدة تلو عقدة، غرزة تلو غرزة، وقد تمحى خلالها دول وتسقط أنظمة، لكنه يبقى وسجادته.. وإيران.

Print Friendly, PDF & Email
غالب سرحان

كاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إسرائيل تحاصر مذبحة غزة بالأكاذيب.. وحضارة الإجرام!