قراءة في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية: بين شرعية الثورة وامتحان العقد الاجتماعي

قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ العام 1979 بناءً على ثورة شعبية عارمة، جاءت من خارج الاصطفافات الدولية آنذاك (المحور الشرقي بزعامة الإتحاد السوفياتي – المحور الغربي بزعامة الولايات المتحدة)، وحملت لغة ثورية إسلامية لم تكن مألوفة في مفرداتها واتساع مداها الإسلامي. وفي الوقت الذي خرجت فيه مصر من الصراع مع إسرائيل، دخلت إيران على خط الصراع والقيادة، ما شكّل صدمة للمراهنين آنذاك على تدجين «ثورة آيات الله» في بوتقة المصالح الغربية، في مواجهة ما يُسمى "المد الشيوعي".

كان على هذه الثورة الوليدة أن تخوض، في آن واحد، معركتين مفصليتين: الأولى داخلية، وتقوم على توازن دقيق بين شرعية «ثورية-هوياتية» وبين مشروعية الأداء المتمثّلة في: اقتصاد قادر على الإعاشة، ودولة تُدير التعدد الاجتماعي من دون انفجار، والتفاف جماهيري، وانتظام في العمل الديموقراطي من خلال الانتخابات المتعددة (الرئاسية، النيابية إلخ..). والثانية خارجية، وتقوم على مقارعة «الاستكبار العالمي» – وفق الأدبيات الثورية – المتمثل بالولايات المتحدة وأعوانها في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل، ومساندة الشعوب على التحرّر من الاحتلال والطغيان. هذا الأمر جعلها تقع في خانة معاكسة للمشاريع الغربية المتجذّرة في الشرق الأوسط، وقطباً أساسياً داعماً لفلسطين وقضيتها، بعد أن حوّلت سفارة إسرائيل في طهران إلى سفارة فلسطين، وأعلن زعيمها المؤسس الإمام الخميني «يوم القدس العالمي»، جاعلاً منه جسر عبور إلى القضية الرمز للعالم الإسلامي والعربي.

في المقابل، عملت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والدول المتحالفة معهما على تقويض «إيران» واستقرارها، وجعلها في دوامة العقوبات والحصار لأكثر من أربعين عاماً، وزجّها في حرب مع العراق دامت ثماني سنوات، كان الهدف منها إذكاء النعرة المذهبية والقومية، وشيطنة الثورة الإيرانية، وإضعاف انطلاقتها أكثر فأكثر. ولكن إيران كانت، على الدوام، تنجح في تحويل التهديدات إلى فرص، ونقاط الضعف إلى نقاط قوة، لا سيّما بعد أن شهدت على مدى سني عمرها (1979–2026) حركة احتجاجات داخلية، كانت تعكس حيوية سياسية تتصف بها هذه البلاد. وهي الدولة التي شهد القرن العشرين فيها ثلاث ثورات كبيرة: الحركة الدستورية عام 1906، وحركة محمد مصدّق (1949–1953)، والثورة الإسلامية عام 1979، ما يؤكّد تجذّر الوعي السياسي فيها.

وعلى الرغم من أن إيران عرفت، في كنف الثورة، حراكاً شعبياً متعدداً كانت السلطة تنجح في استيعابه، إلا أن موجة الاحتجاجات التي بدأت في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 بدت لافتة للانتباه لناحية عنفها وزخمها الدولي ونقطة انطلاقها الرمزية: البازار؛ المكان الذي شكّل في الذاكرة السياسية الإيرانية أحد أبرز ركائز التعبئة الاجتماعية تاريخياً، قبل أن يتحوّل في هذه الموجة إلى «مؤشر إنذار» اقتصادي-سياسي-أمني، ودفع بالدول المعادية لإيران – كالولايات المتحدة وإسرائيل – لتكون جزءاً أساسياً من مشهد الاحتجاجات ومتدخلاً رئيسياً فيها، ما أثار حفيظة شرائح عديدة من الشعب الإيراني.

رواية الحدث قبل تأويلاته

تتقاطع مصادر إخبارية دولية وإقليمية على أن الشرارة الأولى كانت اقتصادية؛ تدهور سعر العملة وارتفاع الأسعار نتيجة رفع الدعم عن بعض السلع الأساسية (كالزيت)، واحتجاج وإضراب أصحاب محال في طهران – وبخاصة في محيط الأسواق – ثم امتداد المشهد إلى مدن أخرى. واللافت للانتباه هو الصياغة «الوسطية» التي اعتمدتها الأمم المتحدة (DPPA)، حيث أشارت إلى أن تظاهرات البازار انطلقت بسبب انهيار العملة وغلاء المعيشة، ثم توسّعت وبدأت تظهر شعارات تتجاوز الاقتصاد إلى مطالب سياسية وكرامة وحقوق.

هذه النقطة مهمة، لأنها تفسّر لماذا تعدّدت «أطياف» المشاركة؛ جزءٌ يرى نفسه يطالب ببيئة تجارية مستقرة، وجزءٌ يقرأ الأزمة كنتاج خيارات سياسية-اقتصادية ممتدة، وجزءٌ يذهب أبعد إلى مساءلة بنية النظام نفسها. وهذا ما يشي بأنّ المطالب الاقتصادية «المحقة» التي أطلقت الاحتجاجات شكّلت فرصة مميزة لتحرّك أطراف داخلية وخارجية لركوب موجة الاحتجاجات، والأخذ بالمسار الاحتجاجي إلى طريق العنف المتبادل، من دون انكار الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الكارثية.

الدولة تعترف بالمطالب.. ولكن!

ظهر خطّان متوازيان في تعامل الدولة الإيرانية مع هذه الاحتجاجات، كما نشرت الصحف الإيرانية:

  1. خط الحوار والاعتراف بالمطالب: عرضت الصحيفة الحكومية «روزنامه إيران» موقفاً ركّز على توجّه الحكومة الإيرانية إلى «الاستماع» لمطالب المحتجّين وفتح قنوات تواصل معهم؛ بل جرى الحديث عن تكليف وزارة الداخلية بتطوير آلية للحوار مع المعترضين، وأن الدولة ترى الاعتراضات على خلفية اقتصادية مشروعة، لا مجرد ملف أمني. وأكّد الرئيس الإيراني «مسعود بزشكيان» استعداده للنزول إلى السوق والاستماع المباشر لمطالب الناس وآرائهم.
  2. خط الفصل بين مظاهر الاحتجاج والشغب: برزت لغة التمييز القانوني على الضفة القضائية بين الاعتراض السلمي وبين التخريب وتهديد الأمن المجتمعي. فقد نقلت وكالة «مهر» عن المدعي العام تأكيده أن الاحتجاجات المعيشية السلمية «قابلة للفهم» ويجب أن تُسمع عبر مسار قانوني، محذّراً من تحويلها إلى تخريب ممتلكات عامة أو «سيناريوهات» تهدّد الأمن، لأنّ ذلك سيواجه بردّ قانوني متناسب وحاسم، لا سيّما وأن حرف المسار الاحتجاجي السلمي عن مساره سيجعل الأرضية مناسبة لاستغلال «العدو» المشكلات المعيشية لإحداث اضطرابات أمنية.

أبرزت هذه الثنائية – حواراً اقتصادياً من جهة، وحزماً أمنياً وقضائياً من جهة أخرى – إحدى سمات «إدارة الأزمات» لدى الدولة، التي أثبتت نجاحها في استيعاب ما يمكن استيعابه داخل الاقتصاد والإدارة، وتطويق ما يُقرأ كتهديد للنظام العام.

لماذا تتّصف حركة «البازار» بالأهمية؟

لطالما كان للبازار حصته في إطلاق الثورات الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث والمعاصر. ففي عام 1905 كان البلد يعاني تضخماً حاداً نتيجة ارتفاع أسعار الخبز بنسبة 90% والسكر بنسبة 33%، بسبب وباء الكوليرا والحصاد السيئ وتداعيات الحرب الروسية-اليابانية. حينها، حمّل الحاكم البازار المسؤولية وقام بجلد ثلاثة من تجّار السكر، ما أدّى إلى إغلاق البازار، وشكّل ذلك رافعة أساسية لما عُرف آنذاك بـ”الثورة الدستورية” (المشروطة)، التي فرضت على الشاه مظفّر الدين، في الخامس من آب/أغسطس 1906، الإعلان الدستوري وإجراء انتخابات عامة.

إقرأ على موقع 180  بن سلمان في واشنطن .. هل حوافز ترامب الإبراهيمية كافية؟

كذلك كان البازار حاضراً في حركة الدكتور محمد مصدّق عام 1949، التي قامت على أساس تحكيم الدستور وتأميم النفط، وكان حضور البازار الأبرز في ثورة 1979، حيث جسّد إحدى الركائز الاجتماعية والاقتصادية الأساسية لها بتناغمه مع رجال الدين ودعمه لحركتهم (الخمس والزكاة وغيرهما).

كلّ ذلك يعطي لحركة البازار عام 2026 حساسية خاصة، تضاف إلى الوضعية التي أنتجتها الحرب الأخيرة على إيران عام 2025. فباعتباره حاضنة اجتماعية-اقتصادية تاريخية، يجعل السلطة حذرة في التعاطي مع حراكه؛ فهي لا تريد خسارة رمزيته ولا تحويله كله إلى خصم، لا سيّما أنه كان رصيداً اجتماعياً تاريخياً للنظام. لكنه اليوم يعيش ضغطاً من العقوبات الدولية والتضخم، وتبدّل بنية الاقتصاد لصالح مؤسسات وشركات كبرى مرتبطة بالدولة، وهو تحوّل بنيوي من اقتصاد سوق تقليدي إلى اقتصاد أكثر تمركزاً.

أبرز المحطات الإحتجاجية في إيران

  1. احتجاجات الطلاب عام 1999: ارتبطت بإغلاق صحيفة إصلاحية وبالتوتر بين حكومة إصلاحية ومؤسسات محافظة. وثّقت منظمات حقوقية أحداث الاعتقال والتضييق، وشكّلت بداية ولادة التيار «الإصلاحي» من داخل الأطر الجامعية.
  2. الحركة الخضراء 2009: تميّزت بأنها سياسية-انتخابية بامتياز، مع شعارات مرتبطة بصندوق الاقتراع، وبردّ حكومي اتسم بالتشدّد الأمني، لأنّ الانطباع السائد لدى المحافظين كان بأنّ نجاح هذا التيار سيهدّد وجودياً أركان الثورة.
  3. حراك تشرين الثاني/نوفمبر 2019: احتجاجات ضد رفع أسعار الوقود، شهدت عنفاً وقطعاً للإنترنت لتطويق الاحتجاجات، وأضحى ذلك وسيلة معتمدة لدى السلطات في إدارة الأزمات.
  4. حراك أيلول/سبتمبر 2022: بدأ على خلفية تتصل بالحقوق والحريات (قضية المواطنة مهسا أميني)، وبرغم أن هامش المرأة الإيرانية، على مستوى التعليم والقيادة، يفوق كثيراً من الدول المجاورة، فقد أخذت هذه الاحتجاجات منحىً سياسياً وأفضت إلى تخفيف القيود على النساء ولا سيما في قضية ارتداء الحجاب.

العنف.. واختلاف الأولويات

يُفيد التمييز بين شرعية المبدأ (الثورة، الهوية، السيادة) ومشروعية الأداء في تحليل الحركات الاحتجاجية. تاريخياً، كلما ضاق هامش الوساطة السياسية المؤسسية، ارتفع احتمال انتقال المطالب إلى الشارع، وازدادت حساسية الدولة تجاهه بوصفه مساساً بالشرعية. فكيف إن كان الحراك الداخلي مرتبطاً بأسباب خارجية مباشرة – كما في 2026 – أو غير مباشرة نتيجة العقوبات؟

يبدو الحديث عن عنف الدولة أكثر حضوراً في الإعلام الغربي، ليس لأنّ عنف المحتجّين «غير موجود»، بل لأنّ معيار التغطية السياسية يفرض نفسه. ولكن في المثال الإيراني الأخير، تعدّى الأمر الإطار الحقوقي إلى الأمني. يروي أحد شهود العيان العائدين من «قم» و«مشهد» أنه لمس استياءً عاماً من الواقع الاقتصادي، ولكن مع بداية الاحتجاجات ظهرت تجمعات ليلية منظّمة، تخرج إلى الميادين العامة في المدن في توقيت متزامن غالباً (الساعة الثامنة مساءً)، بعضها يحرق ويُحطّم المرافق العامة، والبعض الآخر يطلق النار على رجال الأمن. في المقابل، قطعت السلطات الإنترنت وأرسلت تحذيرات للمواطنين بعدم المشاركة، لأنّ الاحتجاجات تحوّلت إلى تخريب؛ وعملت مجموعات شعبية على إقناع المحتجّين بالانسحاب لتمييز أنفسهم عن المخربين والمندسّين، ما أوجد شرخاً بين المشاركين، ساعد الحكومة على ضبط الاحتجاجات، وإنْ بكلفة باهظة.

ماذا نستخلص تاريخياً؟

غالباً ما ينظر المؤرّخ إلى الماضي من خلال الحاضر، ويحاول قراءة الحاضر من خلال التجارب الماضية، وهذا ما يمكن تسميته بالمنهج «الاسترجاعي»، الذي هو أشبه بحركة القوس والنشاب؛ كلّ ذلك لاستخلاص دروس متوازنة، يمكن إيجازها في الحالة الاحتجاجية الإيرانية في ثلاث نقاط:

أولًا؛ الاقتصاد هو المحرّك: إنّ الواقع الاقتصادي كان، على الدوام، محرّكاً مؤثراً لأغلب الاحتجاجات في إيران منذ «الثورة الدستورية» عام 1906، ولغاية احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026 (انطلقت شرارة الحراك في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 على خلفية تدهور سعر العملة وارتفاع الأسعار ورفع الدعم عن بعض السلع؛ ما يحتّم على الحكومة والمسؤولين الإيرانيين العمل بشكل حثيث من أجل تخفيف، ما أمكن، من تأثير الأزمة الاقتصادية، وهنا يكمن «التحدي الأكبر»، برغم صعوبة ذلك في ظلّ عقوبات اقتصادية مزمنة وتدهور غير مسبوق في سعر التومان، وارتفاع هائل – عالمياً – في سعر الذهب، الذي يُعدّ الملاذ الآمن لعموم الإيرانيين.

ثانيًا؛ الحيوية السياسية: الشعب الإيراني ناشط سياسياً، ونسبة الشباب والمتعلّمين عالية، والمرأة لعبت أدواراً محورية منذ 1906. وهذا يوجب على الحكومة تعزيز قنوات الوساطة، وإشراك الشباب، وإيجاد فرص عمل، لكي لا يتحوّل الواقع الاقتصادي المأزوم إلى سياسة في الشارع، بدل أن يكون محصوراً في الجامعات والمؤسسات والأطر المجتمعية.

ثالثًا؛ خطر العنف: عندما يسود العنف في الشارع بين الأهلين، يتحوّل إلى معركة توصيف، يرى فيها كلّ طرف الطرف الآخر متورّطاً ومعتدياً، ويُفتح بذلك المجال للسرديات المتعاكسة وللاستثمار السياسي والأمني، ويُرفع من شهية الدول للتدخّل بحجج قد تأخذ شكل حماية «التعبير» وحقوق الشعب الإيراني ومساعدته في نيل حريته، لكنها في العمق تأخذ مساراً مزعزعاً للاستقرار المجتمعي، ما يجعل الركائز المجتمعية الحاملة للنظام تضعف مع الوقت.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  بين رسالة ترامب ووساطة بوتين.. هل الإختراق الأميركي مُحتمل مع إيران؟