ليست الأمم مجرد خرائط مرسومة على الورق، ولا الدول مجرد مؤسسات دستورية وقوانين نافذة؛ فبين الدولة بوصفها كياناً سياسياً، والأمة بوصفها شعوراً جماعياً بالانتماء، تقوم مساحة شديدة التعقيد، يصنعها التاريخ والذاكرة والأسطورة السياسية والأيديولوجيا.
ليست الأمم مجرد خرائط مرسومة على الورق، ولا الدول مجرد مؤسسات دستورية وقوانين نافذة؛ فبين الدولة بوصفها كياناً سياسياً، والأمة بوصفها شعوراً جماعياً بالانتماء، تقوم مساحة شديدة التعقيد، يصنعها التاريخ والذاكرة والأسطورة السياسية والأيديولوجيا.
أذكر أنه في أواخر عام 2019 وبدايات 2020؛ هذه المرحلة التي ما يزال اللبنانيون يختلفون حتى اليوم على تسميتها وتفسيرها، كانت حكومة سعد الحريري قد استقالت، وكانت البلاد تعيش حالة غير مسبوقة من الغليان السياسي والشعبي. يومها كنا مقتنعين بأن إسقاط حكومة فاشلة هو بحد ذاته إنجاز وضرورة. أما اليوم، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أستطيع أن أقول إننا لم نكن نرى الصورة كاملة.
انتهت 8 و14 آذار يوم توقفتا عن تفسير لبنان، وبقي البلد منذ ذلك الوقت يبحث عن تعريفه أكثر مما يبحث عمّن يحكمه. فعلى مدى عشرين عاماً، حكم هذان التحالفان الحياة السياسية اللبنانية قبل أن يتآكلا تحت وطأة التحوّلات الكبرى. ما بدا عام 2005 انقساماً حاداً بين مشروعين متقابلين، انتهى عام 2026 إلى مشهد آخر، تبدّلت فيه القوى والاصطفافات، وتغيّر السؤال الذي قام عليه الانقسام من أساسه.
في اليوم التّالي تقريباً لإعلان اغتيال المرشد الأعلى للجمهوريّة الاسلاميّة في إيران السيد علي الخامنئي على يد الجَيشَين الاسرائيليّ والأميركيّ، أو بالأحرى في وسط اللّيلة التّالية لهذا الإعلان، فاجأ “حزب الله” – أقلّه في الظّاهر – الحكومة اللّبنانيّة وأغلب أركان الدّولة اللّبنانيّة بانخراطه عمليّاً في الحرب الدّائرة في الإقليم، مُعلناً أنّه قد قام بمهاجمة عدد من الأهداف الاسرائيليّة شمال الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، ممّا أدخل الجبهة اللّبنانيّة عمليّاً في المواجهة العسكريّة والأمنيّة المعقّدة القائمة حاليّاً في المنطقة.
ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم اتساعُ الجبهة الجنوبية فحسب، ولا احتمالُ الاجتياح البري الإسرائيلي وحده، ولا مشهد القتل والتهجير والخراب. الأخطر أن البلد يقف على تخوم لحظة تأسيسية معاكسة: لحظة يُراد فيها استغلال عدوان خارجي غير مسبوق لإعادة ترتيب الداخل اللبناني نفسه تحت ضغط النار. هنا بالذات يصبح الخوف على السلم الأهلي أكبر من الخوف على الجبهة وحدها، لأن النار، حين تعجز عن الحسم الكامل في الميدان، قد تُستثمر لفرض وقائع سياسية ومعنوية داخلية أشد أثرًا وأطول عمرًا.
هل تعكس الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء اللبناني في 2 آذار/مارس 2026 محاولة جدّية لإعادة الإمساك بقرار الدولة في لحظة انزلاق أمني خطير، أم أنها استجابة اضطرارية لاحتواء تداعيات تصعيد فُرض على الداخل اللبناني من خارج آلياته الدستورية؟
يأتي هذا الجزء استكمالاً للمقال الأول حول تحوّل لبنان، منذ نكبة العام 1948 وحتى نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، من دولة متأثرة بالصراع العربي–الإسرائيلي إلى ساحة مركزية من ساحاته. وفي هذا الجزء الثاني، يتركّز النقاش على مرحلة ما بعد الحرب الباردة ومؤتمر مدريد، وكيف تبلور موقع لبنان بين مسارات التسوية من جهة، وأدوار القوى الإقليمية على أراضيه من جهة أخرى.
في ظلّ تهاوي الأنظمة الإقليمية القديمة، وتشكّل تحالفاتٍ جديدةٍ، في قلب هذه العاصفة الجيوسياسيّة، يقف لبنان كسفينةٍ تتقاذفها أمواجٌ عاتيةٌ. إنّه المشهد الأكثر تعقيداً في منطقةٍ متغيّرةٍ، دولةٌ تمتلك كلّ مقوّمات النّجاح، لكنّها حبيسة صراعاتها الدّاخلية وتداخلاتها الإقليميّة. السّؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إنْ كان لبنان سيتغيّر، بل كيف سيغيّر نفسه لينجو من العاصفة ويبني مستقبلاً يليق بشعبه.
ما يزال سلاح "المقاومة" في لبنان، وتحديدًا سلاح حزب الله، من أبرز الملفات التي تُثير جدلاً واسعًا على الساحة الداخلية اللبنانية، وتُشكّل مادة دائمة للنقاش في المحافل الإقليمية والدولية. بين من يراه ضرورة وطنية لحماية لبنان من التهديدات الإسرائيلية والإرهابية، ومن يعتبره مصدرًا لخلل في ميزان الدولة والسيادة، يظل هذا السلاح محاطًا بعدد من المبررات التي يطرحها أنصاره كمسوغ لبقائه.
في ظلّ تصاعد التهديدات الوجوديّة المتمثلة بالتوسع الإسرائيلي وأيضاً في ظل ما نشهد من تحولات في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، واستمرار الاحتلال الإسرائيليّ لأجزاء من الأراضي اللبنانيّة، يجري نقاش حول مسألة حصريّة السلاح بيد الدولة، وحول موقع المقاومة المسلّحة للاحتلال الإسرائيليّ.