الرأسمالية كآلة جريمة.. إبستين نموذجًا

في رواية «الفهد» للكاتب الإيطالي خوسيه توماس دي لامبيدوزا، يقول أحد أبطالها «تانكريدي»: «إذا أردنا أن تظل الأشياء كما هي، علينا أن نغيّر كل شيء». تختصر هذه المقولة فلسفة النخبة الأرستقراطية في صقلية خلال مرحلة توحيد إيطاليا، وتعني التغيير الشكلي المحسوب الذي يمنع التغيير الجذري الحقيقي. واليوم، في الرأسمالية الحديثة، تُطبَّق هذه النظرية بعد كل حدث كبير لإيهام الجمهور أن الأمور تتغير بتغيّر الأشخاص والمؤسسات، بينما تعيد البنية القديمة في كل مرة إنتاج ذاتها في صيغ أكثر ضراوة وتوحشًا.

لا يمكن الوثوق بأجهزة منظومة رأس المال، كون وظيفتها الأساسية هي الاستغلال وتحقيق الفوائد من كل حدث، سواء كانت فوائد مادية أو سياسية أو ثقافية. كذلك لا يمكن الوثوق بالصورة الظاهرة على السطح في كل ما يتعلق بفضيحة ملفات جيفري إبستين. ومع قليل من التحليل والتدقيق، يتضح أن تحت هذا السطح الكثير من الخداع والتوظيف.

من الأخطاء الفادحة قراءة قضية جيفري إبستين بوصفها فضيحة نخبوية، أو بوصفها سلسلة جرائم ارتكبها أفراد يتمتعون بنفوذ استثنائي. هذا النوع من القراءة، مهما بدا صادمًا، يبقى قاصرًا عن ملامسة جوهر المسألة. فالقضية في عمقها نتاج منظومة متكاملة أنتجت شروط الجريمة، ووفّرت الحماية لاستمرارها، ثم نراها اليوم كيف تدير انكشاف هذه الجريمة وتتلاعب بسقوط المجرمين، في توظيف سياسي واقتصادي يكاد يغيب عنه الضحايا الحقيقيون من أطفال وقُصّر وفقراء ومشرّدين، كما يغيب جوهر الجريمة ذاتها.

إفراغ الجريمة من ثقلها

تجمع هذه المنظومة في إطارها أبشع تمظهرات الرأسمالية على مر التاريخ: من الملاذات الضريبية، وإدارة الثروات الخاصة، وأنظمة مصرفية ودهاليز انتقال الأموال، وأجهزة إعلام وثقافة، وشبكة من الحقوقيين والمحاسبين. الرأسمالية المعاصرة، في صيغتها المتقدمة، لا تنتج الثروة فقط، بل تنتج معها أنماطًا من السلطة، وأشكالًا من الحصانة، وآليات لإدارة الأزمات. ومن داخل هذه المنظومة، تصبح الجريمة مسألة مرتبطة بالبنية، لا مجرد حدث صادم خارج عن السياق.

في حالة جيفري إبستين، شكّلت هذه العناصر الإطار البنيوي الذي تأسست داخله الشبكة الإجرامية نفسها. وفّرت الملاذات الضريبية المساحة التي جرى فيها ارتكاب أفظع الجرائم، فالجزيرة التي يمتلكها تُعدّ ملاذًا ضريبيًا، وهناك يجري فصل الثروة عن مصدرها، بما يسمح بتجميع أموال ضخمة من دون مساءلة، واستخدامها لتمويل شبكة الاستغلال وتوسيعها بعيدًا عن أي رقابة فعلية.

وتولّت إدارة الثروات الخاصة تحويل هذا المال إلى نفوذ عبر محافظ واستثمارات وعلاقات أزالت عنه أي أثر جنائي، وقدّمته بوصفه ثروة طبيعية لرجل أعمال نافذ. كان إبستين مدير ثروات خاصًا لعدد محدود من الأثرياء شديدي النفوذ. أما دهاليز انتقال الأموال، فقد ضمنت تدفّق الموارد بين شركات وهمية، وحسابات مصرفية، ومؤسسات مالية، بما أتاح تمويل عمليات نقل الضحايا، وتوفير أماكن احتجازهم، والصرف الباذخ على الطقوس والاحتفالات، إلى جانب ابتزاز كل من له صلاحية في التدقيق، وإسكات الشهود. وبذلك ظلّت هذه الأموال تدور داخل الاقتصاد العالمي وتمارس فظائعها تحت أعين العالم من دون أن تثير أي شبهة.

وبالتزامن، لعبت أجهزة الإعلام دورًا حاسمًا في تشكيل الصورة العامة، حيث جرى تقديم إبستين كشخصية غامضة أو ثرية مثيرة للجدل، وتحويل الجرائم إلى فضائح قابلة للاستهلاك، ما عطّل النظر إلى الشبكة بوصفها بنية أصيلة في منظومة تمارس جرائمها في العالم كل يوم وكل لحظة.

أما أجهزة الثقافة الرأسمالية، فهي تعمل بالمطلق على تكريس ثقافة مادية قائمة على المتعة والاستهلاك والإثارة بوصفها أفقًا يوميًا للحس العام. إنها ثقافة ترويض شرسة، أو كما وصفتها الروائية «غادة الخوري»: «ثقافة التطبيع مع العار»، تعيد تشكيل الحسّ الأخلاقي، وتدرّب الجمهور على استقبال الفظائع بوصفها مشاهد عابرة، وأخبارًا صادمة تُثري المحتوى والجدل والمزايدات والمقاربات السخيفة على وسائل التواصل الاجتماعي، في غياب تام لأي تقدير أو احترام للضحايا الذين يصبحون «مادة» مجردة للاستعراض.

داخل هذا المناخ، تُفرَّغ الجريمة من ثقلها الإنساني، وتتحوّل إلى مادة للنقاش السريع، أو للفضول، أو للصدمة المؤقتة، ثم تُمتص داخل دورة استهلاك متواصلة. بهذه الطريقة، تصبح الصدمة جزءًا من المشهد الطبيعي، ويُعاد تكييف الوعي الجمعي على تقبّل ما كان يُعدّ في السابق غير قابل للتخيّل، وهو ما يوفّر للشبكات الإجرامية بيئة نفسية واجتماعية تقلّ فيها المقاومة، ويضعف فيها الغضب، ويُستبدل فيها السعي إلى العدالة بحالة إنهاك أخلاقي عام ومؤقت.

تُستكمل هذه العناصر بشبكة واسعة ومتورطة من الحقوقيين والمحاسبين لتؤمّن الغطاء الأخير عبر الرشاوى والتهديد وإدارة التسويات، وتضييق نطاق القضايا، وإعادة صياغة الوقائع بلغة قانونية وتقنية فصلت الجريمة عن بنيتها، وسمحت للشبكة بالاستمرار سنوات طويلة من دون انكشاف شامل.

وثمة مفارقة أن ممارسة الجريمة داخل هذه المنظومة، أي في مراحل ما قبل انكشاف الجريمة، لا تحتاج إلى تجاوز القانون، بل إلى استخدامه كما صُمّم تمامًا، فالقواعد التي تنظّم حركة رأس المال وُضعت لتسهيل التراكم وحمايته. وضمن هذه البيئة، تصبح القدرة على إخفاء المال، وتأجيل المحاسبة، وتفتيت المسؤولية جزءًا من الممارسة اليومية، فتتحوّل الجريمة إلى نشاط قابل للإدارة داخل منظومة تعرف كيف تحتوي ما يهدد صورتها العامة.

توحش غير قابل للتصديق!

حين تُدار حركة المال عبر قوانين وُضعت لحمايتها، تتحوّل من مسار اقتصادي إلى سلطة مطلقة، ومن ثم إلى أداة مباشرة لإنتاج الجريمة المنظمة وصناعة فاعليها. وقد شهد العالم نماذج كبرى عن جرائم هذه المنظومة. في ليبيا والعراق، فتح تفكيك الدولة المجال أمام شركات الطاقة الغربية للاستحواذ على النفط، وأمام تجّار السلاح لتصريف مخزوناتهم، وأمام المصارف وصناديق الاستثمار لاستيعاب الأموال المنهوبة عبر قنوات قانونية وملاذات ضريبية، بينما تولّت المؤسسات الدولية توفير الغطاء السياسي والقانوني تحت عناوين الانتقال والاستقرار.

إقرأ على موقع 180  لبنان: السلطات المحلية بين مواجهة خطاب التطرف وتعزيز التماسك المجتمعي

في أفريقيا، تعمل الشركات متعددة الجنسيات على استخراج الموارد، وتُنقل الأرباح إلى الخارج، فيما تُدار الصراعات والانقلابات كأدوات لضبط السوق وإعادة توزيع النفوذ. وفي سوريا، أسهم تفكيك الدولة وتمكين التنظيمات الإرهابية في فتح مسارات جديدة للسلاح والطاقة والهيمنة على المنطقة، استفادت منها مجمّعات الصناعات العسكرية، وشركات الأمن الخاصة، وشبكات التمويل المرتبطة بها.

في أميركا اللاتينية، تتحرّك شركات الطاقة الكبرى، والمصارف، وصناديق الاستثمار بالتوازي مع أدوات سياسية وقانونية تهدف إلى شرعنة الحصار وتجويع المجتمعات. في كل هذه الحالات، لا تعمل الجريمة خارج النظام، بل داخله، عبر شبكة متكاملة تضم رأس المال، والقانون، والمؤسسات الدولية، والإعلام.

ولأن كل هذه الجرائم، وغيرها، قُدّمت للجمهور على أنها أخطاء في التقدير والمعلومات تتحمل مسؤوليتها شخصيات أو مؤسسات بعينها، ولأن المنظومة بقيت تراكم القوة والشراسة من دون أن تُمسّ، وصلت إلى مرحلة مكّنتها من ارتكاب جريمة إبادة جماعية بكل علنية ووقاحة، بالقصف والحرق والتجويع، والبرد والحر وانتشار الأوبئة، وبكل أدوات التعذيب والموت.

لقد قامت الرأسمالية في مرحلتها التأسيسية على منطق تشييء الإنسانية، أي تحويل كل ما هو إنساني إلى مورد قابل للتوظيف. العمل، الوقت، العلاقات، والجسد، جميعها تدخل في دائرة الاستخدام وتخرج من دائرة التقدير. لكن الرأسمالية الحديثة، وبعد أن تضخّمت فيها فوائض القوة والثروة والانحلال الذي بلغ مستويات لا يمكن تخيّلها، انتقلت إلى مرحلة جديدة هي سحق الإنسانية وتهشيم كل قيمة تناقض وتعري الصورة المتوحشة لرأس المال. صرنا نرى كيف يحوّل الغرب الاستعماري مدن الفقراء وقراهم إلى مكبّات نفايات يسكنها الموت، وصرنا نرى آلاف العمال يموتون في مناجم الصناعات الحديثة، ورأينا شعبًا كاملًا يُسحق تحت آلات الإبادة في غزة وجنوب لبنان واليمن، وكل ذلك من دون أن تُقرع أجراس نهاية العالم.

ومع ملفات إبستين تكشّفت المزيد من فظائع هذه المنظومة: استعباد القُصّر والشباب والفتيات، والاغتصاب، والتعذيب، والقتل. بعض الروايات تقول إنهم يأكلون لحوم الأطفال، وهنا أستغرب ممن يستغرب هكذا فعلًا ولا يصدّقه، فهل بقي بعد كل ما جرى فعل غير قابل للتصديق؟

إن بقاء الرأسمالية الجديدة وتمظهراتها الإمبريالية الاستعمارية يشترط قدرة منظومتها على ممارسة الجريمة، وعلى الذهاب في كل مرة إلى مستويات جديدة من التوحش. كل جريمة تمرّ تفتح المجال أمام جرائم أخرى أكثر فظاعة. إنهم يطبّعون البشرية ويروّضون وعيها ليقبل بما هو أكثر من ذلك، وحين تصل هذه الفظائع إلى لحظة الانكشاف وتحصل الصدمة، يتدخّل النظام لإعادة ضبط التوازن قبل أن تتحول الصدمة إلى غضب منظّم وثورة شاملة تطال البنية المجرمة من جذورها.

سقوط جيفري إبستين عند حدود الشخص يمثّل آلية مألوفة في عمل المنظومات المعقّدة، حيث يُعاد إنتاج الاستقرار عبر تحميل المسؤولية لأفراد مهما كان عددهم، وامتصاص الغضب العام، ثم إغلاق الملف. فلا تُفتح الأسئلة المتعلقة بالشبكات، وبآليات الحصانة، وبالعلاقة البنيوية بين المال والقانون والاستعمار ونهب الثروات وإفقار الشعوب، لأنها تحمل كلفة عالية على مستوى النظام نفسه، لذلك يجري تجنّبها لصالح معالجة محدودة الأثر. فيسقط المجرمون وتبقى المنظومة المجرمة، حاملة الشروط ذاتها التي سمحت بوقوع الجريمة، قائمة وقابلة للتكرار.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  مستقبل تركيا غامض.. حتى لو فاز اردوغان!