المبادرة الفرنسية تنتعش.. الأولوية للحكومة وليس للحريري!
TORROELLA DE MONTGRI, SPAIN - NOVEMBER 05: Typical Catalan ceramic figurines called “Caganers" (poopies) depicting (L-R) US Democratic presidential candidate and former US vice president Joe Biden, Spanish President Pedro Sanchez, Canadian President Justin Trudeau, Queen Elisabeth II, German President Angela Merkel, UK President Boris Johnson, US President Donald Trump, France President Emmanuel Macron, Russian President Vladimir Putin and Chinese President Xi Jinpin wearing face masks against the Covid19 at Caganer.com venue factory on November 05, 2020 in Torroella de Montgri, Girona, Spain. Statuettes of well-known people defecating are a strong Christmas tradition in Catalonia, dating back to the 18th century as Catalonians hide caganers in Christmas Nativity scenes and invite friends to find them. The figures symbolize fertilization, hope and prosperity for the upcoming year. (Photo by Miquel Benitez/Getty Images)

هل أعاد الإتصال الذي جرى بين الرئيسين الأميركي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون تعويم المبادرة الفرنسية في لبنان؟

في أول اتصال هاتفي بينهما منذ تولي بايدن منصبه، أعرب رئيسا الولايات المتحدة وفرنسا عن “رغبتهما في العمل معاً من أجل السلام”، بما في ذلك “الملف النووي الإيراني والوضع في لبنان”، إستناداً إلى البيان الصادر عن قصر الأليزيه، بينما تجاهل بيان البيت الأبيض لبنان، وذكر أن بايدن وماكرون “توافقا أيضا على العمل معا بشأن الأولويات المشتركة في السياسة الخارجية، خاصة في ما يتعلق بالصين والشرق الأوسط وروسيا ومنطقة الساحل”.

كيف يُصرف لبنايناً هذا الإتصال الذي إستمر ستين دقيقة، في ظل سلم أولويات مختلفة بين الولايات المتحدة وفرنسا؟

أولاً، لم يكن هذا الإتصال ليحصل لولا الدور الذي لعبته دوائر دبلوماسية في كل من البيت الأبيض والأليزيه، وبالتنسيق الكامل مع عدد من السفراء، وبينهم بطبيعة الحال سفيرة الولايات المتحدة في لبنان دوروثي شيا وسفيرة فرنسا في لبنان آن غريو، بما في ذلك إختيار العبارة التي تخص لبنان تحديداً، في البيان الفرنسي.

ثانياً، لبنان ليس موضوعاً على جدول أعمال الإدارة الأميركية الجديدة، وعلى اللبنانيين مغادرة أوهامهم. بلدهم مجرد ملف هامشي. واشنطن لا تريد أن يتسبب لها لبنان بأوجاع رأس مع أحد. عملياً، ينأى الأميركيون بأنفسهم عن لبنان. مقاربة ملف الشرق الأوسط (ولبنان من ضمنه) ركيزتها مقاربة الملف الإيراني، وهو ملف متشعب ويشمل النووي والصواريخ الدقيقة والنفوذ الإيراني في الإقليم.

ثالثاً، يسعى الأميركيون إلى صياغة خطة عمل للتعامل مع إيران بالشراكة مع أوروبا وإسرائيل والسعودية بالدرجة الأولى (كان لافتاً للإنتباه بيان الخارجية الأمريكية في الساعات الأخيرة والذي أدان إستهداف أمن السعودية بالصواريخ الحوثية، وأكد أن السعودية “شريك وحليف وسنقف ضد كل من يحاول استهداف أمنها). الإيرانيون أيضاً حدّدوا مطالبهم وجعلوا الفاصل الزمني ضيّقاً، ففي العشرين من شهر شباط/ فبراير، يدخل الإتفاق النووي في نفق يصعب الخروج منه، كما قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف، في إشارة ضمنية إلى القانون الأخير الذي أقره البرلمان الايراني والذي يلزم حكومة حسن روحاني بإيقاف العمل بالبروتوكول الإضافي في الإتفاق النووي في هذا التاريخ، إذا لم تلتزم أميركا والدول الأوروبية بتعهداتها الإقتصادية تجاه طهران خلال الأسابيع القليلة المتبقية. يعني ذلك خفض التعاون مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيقاف الكاميرات التابعة للوكالة التي ترصد نشاطات إيران النووية بشكل مباشرز يقود ذلك للإستنتاج أن الإيرانيين لن يتركوا ملف العقوبات عالقاً بإنتظار نتائج الإنتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/ يونيو المقبل.

المدير الجديد لصندوق النقد في الشرق الأوسط محمود محي الدين الذي حل محل حازم الببلاوي، أبلغ حكومة تصريف الأعمال أن الصندوق لن يصرف للبنان سنتاً واحداً، بعنوان إنساني أو غير إنساني، ما لم تتشكل حكومة جديدة

رابعاً، الأميركيون مهتمون بترميم بيتهم الأطلسي الكبير. فرنسا شريك دولي مهم. الولايات المتحدة محتاجة إلى فرنسا من أجل إعادة تفعيل العلاقات مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وهذه النقطة يريد الفرنسيون الإستفادة من زخمها في العديد من الملفات ومنها ملف لبنان.

خامساً، فرنسا تدرك أن إيران هي اللاعب الإقليمي الأول في لبنان من خلال حزب الله، وبالتالي، لا يمكن مقاربة ملف لبنان إلا بالتنسيق مع طهران.

سادساً، لبنان لن يكون ساحة إشتباك أميركي ـ إيراني. أقصى ما يريده الفرنسيون من السعوديين والإماراتيين أن لا يضغطوا على لبنان إذا كانوا غير مستعدين للإنخراط في أي مشروع داعم للبنان، وذلك حتى يبقى بمنأى عن الإشتباك الخليجي ـ الإيراني.

سابعاً، طالما أن الأميركي سواء مع إدارة دونالد ترامب أو مع إدارة جو بايدن لا يبالي بوجود لبنان، سيحاول الفرنسيون تحييد العناصر السلبية التي أثّرت على دورهم ومبادرتهم، أي العقوبات، علما أن فرنسا نفسها منخرطة في نقاش مع باقي دول الإتحاد الأوروبي بشأن قضية العقوبات نفسها، إذا وصلت الأمور إلى طريق مسدود.

ثامناً، ما زالت أوروبا هي الأكثر تحسساً بمعاناة اللبنانيين، ربطاً بالجغرافية اللبنانية المتوسطية، وما يمكن أن يتدفق عبر حوضها المشترك، من شرارات الإنهيار اللبناني، وهنا علينا أن نتصور السفن والمراكب المحملة بآلاف اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الهاربين من جحيم لبنان، في حال وقوع الإنهيار الكبير.

تاسعاً، يردّد الفرنسيون أن مبادرتهم لم تسقط وأنهم سيحاولون الإستفادة من عناصر فشل تطبيقها، عبر تحويلها إلى مبادرة أممية، بشراكة كاملة مع الفاتيكان وباقي دول الإتحاد الأوروبي.

في هذه النقطة تحديداً، سيحاول الرئيس إيمانويل ماكرون إستثمار حاجة كل من الولايات المتحدة والسعودية إليه (لتقريب وجهات النظر بين بايدن وفريقه وولي العهد محمد بن سلمان وفريقه)، من أجل إعادة تعويم مبادرته اللبنانية، لكن هذه المرة، وفق خارطة طريق أكثر وضوحاً. لذلك، عندما تأتي الإشارة من باريس عن موفد سيزور لبنان قريباً، فإن معنى ذلك أن الفرنسيين أعادوا تشغيل محركاتهم اللبنانية.

عاشراً، لا قروض أو مساعدات جديدة للبنان ما لم تتشكل حكومة جديدة. قرض البنك الدولي للعائلات الأكثر فقراً (شبكة الأمان الإجتماعي) بقيمة 246 مليون دولار، هو آخر فرصة “كاش” للبنان. حتى أن لبنان حاول جس نبض صندوق النقد الدولي حول إمكان الحصول على قرض بقيمة إشتراكاته في الصندوق (300 مليون دولار لمواجهة فيروس كورونا). المدير الجديد لصندوق النقد في الشرق الأوسط محمود محي الدين الذي حل محل حازم الببلاوي، أبلغ حكومة تصريف الأعمال أن الصندوق لن يصرف للبنان سنتاً واحداً، بعنوان إنساني أو غير إنساني، ما لم تتشكل حكومة جديدة.

عون للراعي: سعد الحريري يريد قضم حقوق المسيحيين وإعادتهم إلى زمن رفيق الحريري والوصاية السورية. يريد أن يكون له وحده حق تسمية الوزراء المسيحيين وهذا الأمر لن نقبل به، مهما طال أمد التأليف، مثلما لن نقبل بأية محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء

حادي عشر، رئيس الجمهورية ميشال عون يتصرف، كما جبران باسيل، على قاعدة أن المتغير الأميركي وأرجحية التفاوض مع إيران، سيصب في خانته، وبالتالي، لن يعدّل حرفاً في موقفه. بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، ومثلما صار رياض سلامة من الماضي، فإن سعد الحريري صار من الماضي أيضاً. طموح “المستشار الأول” الذي لا يتقدم عليه أي مستشار، أن يُزج بسلامة ورئيس “تيار المستقبل” في السجن إلى جانب “آخرين”. بيان القصر الجمهوري الأخير حول عدم تدخل جبران باسيل في مفاوضات التأليف مطلقاً وعدم إشتراط الثلث المعطل، لم يكن موجهاً للحريري، بل إلى بكركي. البطريرك بشارة الراعي قال لرئيس الجمهورية ثم لأحد موفديه أن رئيس الجمهورية هو “مسؤول”، وبالتالي عليه أن يبادر، لكن ميشال عون، كما جبران باسيل، رددا نفس الكلام أمام الراعي: سعد الحريري يريد قضم حقوق المسيحيين وإعادتهم إلى زمن رفيق الحريري والوصاية السورية. يريد أن يكون له وحده حق تسمية الوزراء المسيحيين وهذا الأمر لن نقبل به، مهما طال أمد التأليف، مثلما لن نقبل بأية محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. رئيس الجمهورية بات مرتاحاً إلى دورية إنعقاد المجلس الأعلى للدفاع، وبات المجلس يناقش قضايا ملحة وعادية. يتقاطع ذلك مع ظاهرة المراسيم المتنقلة بين المراجع المعنية طوال الشهور الأخيرة.

إقرأ على موقع 180  "تيار المستقبل": ارتجال التأسيس واختبار المِحن (3/1)

ثاني عشر، لم يعد سعد الحريري يشكل ممراً إلزامياً للمبادرة الفرنسية. الأولوية هي لتأليف حكومة لبنانية جديدة، وهذه النقطة بات يدركها الحريري، برغم تعويله الكبير على الدور الفرنسي بين واشنطن والرياض وإمكان أن يتحول إلى فرصة وأن يفوز بحكومة بالجزء الأكبر من شروطه. على هذا الأساس، لن يطلب الحريري موعداً جديداً من عون. لسان حاله “ليبادر البطريرك بشارة الراعي إلى نشر لائحة الأسماء (التشكيلة الحكومية) التي سلّمتها إلى ميشال عون. بكركي تمتلك نسخة عنها ونحن حصلنا عليها يداً بيد من رئيس الجمهورية وليس خلسة، وهذه الأسماء المسيحية تحديداً، كلها وردت ضمن لائحة رئيس الجمهورية. إذا حدّد لي موعداً لمناقشة الأسماء أنا جاهز للتوجه فوراً، لكنني لن أطلب موعداً جديداً لأن نتيجته ستكون معروفة سلفاً”.

ثالث عشر، هناك من يُردّد (مثل الحريري) أن حزب الله لا يريد حكومة في لبنان. سُئِلَ هؤلاء لماذا، فكان الجواب “طالما هم كانوا يفترضون أن دونالد ترامب قد يقدم على مغامرة عسكرية حتى اللحظة الأخيرة من ولايته، فمعنى ذلك أنهم كانوا يحتاجون إلى عدة متكاملة للمواجهة، وبينها حكومة حسان دياب بطبيعة الحال”. حزب الله يرد بأن من يريد إضعاف حزب الله عليه هز الإستقرار في البلد. بقاء لبنان في حالة تصريف الأعمال لا يخدم الإستقرار أبداً وبالتالي، لا بد من تنازلات متبادلة حتى تتألف حكومة جديدة بأسرع وقت ممكن.

هل سيترجم حزب الله رغبته بالضغط على حليفه ميشال عون؟

وفق آخر المخارج التي طرحها المدير العام للأمن العام بالتنسيق مع حزب الله والرئيس نبيه بري، كان مطلوباً من كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف أن يتنازل أحدهما للآخر، فإذا ذهبت حقيبة الداخلية إلى ميشال عون، يستمر بتسمية أسماء الوزراء المقترحين من قبله إلى أن يوافق الحريري على أحدهم. بدروه، يستمر الحريري بتسمية أسماء الوزراء الذين يرشحهم إلى وزارة العدل حتى يوافق عون على أحدهم.

غير أن السؤال: إذا تم تخطي عقدتي الداخلية والعدلية، هل يمكن أن تبرز عقدة في مكان آخر كالطاقة مثلاً وهل يمكن أن يتنازل جبران باسيل فعلاً عن الثلث المعطل، خصوصاً إذا قرر المضي في معركة تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان خلفاً للحاكم رياض سلامة؟

الحكومة مؤجلة حتى إشعار آخر. لبنان ليس أولوية أميركية وليس ساحة إشتباك بين طهران وواشنطن. أين ستكون الأولوية وأين يرجح أن يقع الإشتباك؟ للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  حزب الله مربكاً في مواجهة الحراك.. إلى أين