ترامب بين حرب إيران.. وصناديق الانتخابات النصفية!

بعد ثلاثة أسابيع من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ينقسم الأمريكيون عمومًا حول هذه الحرب، مع وجود أغلبية ترفضها، إلا أن الجمهوريين يدعمونها بشكل ساحق، بأغلبية تتخطى 80% في أغلب استطلاعات الرأي.

وبرغم التشكيك في مبررات الذهاب إلى الحرب، والتي لم يستطع ترامب توصيلها إلى الشعب الأمريكي، أو تعمّده اتباع سياسة التأرجح والغموض والتناقض في تصريحاته حول إيران، لا يزال مؤيدو ترامب أوفياء له، حتى وإن كانت هناك بعض الأصوات المعارضة التي تظهر من حين لآخر بين أتباع هذا التيار.

ولا تتوقف وسائل الإعلام التقليدية، مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«سي إن إن»، عن الحديث عن عمق الخلافات بين مستشاري ترامب حول جدوى خوض الحرب ضد إيران، وطبيعة الأهداف المراد تحقيقها. ومع وجود هذا الاختلاف في بعض الآراء، تتحد النخبة الجمهورية، سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، تحت راية موقف الرئيس ترامب، فتأتمر بأمره وتذهب إلى حيث يشير.

يضم الحزب الجمهوري عدة تيارات متنافسة تتبنى سياسات قد تختلف في بعض القضايا غير المحورية لبنية الحزب الأساسية. ولا يعرف الخلاف داخل الحزب الجمهوري طريقًا فيما يتعلق بقضايا اجتماعية مهمة توحد الحزب وتشكل هويته الفكرية؛ مثل رفض الإجهاض، وخفض الضرائب، ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وقضايا الهويات الجنسية. في المقابل، تختلف تيارات الحزب في سياساتها الخارجية؛ إذ يدعم المحافظون الجدد لجوء أمريكا إلى القوة العسكرية لضمان هيمنتها الدولية، بينما يتردد أنصار تيار «أمريكا أولًا» في التدخلات العسكرية الخارجية، ويميلون إلى سياسات أكثر انعزالية ترفض الحروب.

فيما يتعلق بالحرب على إيران، وإذا ما كانت ستكلف ترامب سياسيًا، فلا أتصور أن هذا السؤال يقلقه على الإطلاق، رغم اهتمامه الكبير بانتخابات الكونجرس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. يهتم الأمريكيون عادة بالقضايا الخارجية فقط إذا شملت حربًا تشارك فيها قوات أمريكية، ويزداد الاهتمام إذا عاد الكثير من الجنود الأمريكيين في أكفانهم. وحتى الآن، سقط 13 جنديًا قتيلًا، وأصيب ما يقرب من مئتي جندي، وهو ما يمثل خسارة «مقبولة» بمعايير الحروب

***

يرتفع صوت العديد من رموز تيار «أمريكا أولًا» مشككًا في منطق حتمية العلاقة الخاصة التي تجمع بلادهم بإسرائيل، وفي مبررات شن الحرب على إيران. وبالفعل، تساءلت المعلقة المحافظة ميجان كيلي، التي يتابعها ما يقرب من 16 مليون شخص، عمّا إذا كانت الولايات المتحدة تنجرف مرة أخرى إلى حرب لا تنتهي بلا هدف أو معنى في الشرق الأوسط. وقالت كيلي في البودكاست الخاص بها: «لا ينبغي لأحد أن يموت من أجل بلد أجنبي. لا أعتقد أن هؤلاء الجنود ماتوا من أجل الولايات المتحدة، بل أعتقد أنهم ماتوا من أجل إيران أو إسرائيل».

كما شن الإعلامي الشهير تاكر كارلسون، الذي يتابعه ما يقرب من 70 مليون شخص على وسائل التواصل الاجتماعي، حملة ضد الحرب، منتقدًا ضغط إسرائيل على ترامب لدخولها، والتي يراها مضرة بمصالح واشنطن في المنطقة. في حين تحدث جو روجان، أشهر مقدمي البودكاست في الولايات المتحدة، عن العواقب الكارثية وغير المقصودة للحرب.

إلا أن الثلاثة، وغيرهم كثيرون، لم ينتقدوا ترامب بصورة صريحة ومباشرة، بل أكدوا حسن علاقتهم بالرئيس ودعمهم له كرمز وقائد لتيار «ماغا – فلنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».

من جانبه، يسخر ترامب، برغم غضبه في بعض الأحيان، من رفض هؤلاء المؤثرين لقرار الحرب على إيران. ومع ذلك، لا يهاجمهم بصورة مباشرة، لإدراكه حجم نفوذهم ومدى وصولهم إلى ملايين من مؤيديه. ويرفض ترامب الأصوات المخالفة، ويقول لهم: «بالنظر إلى أنني الشخص الذي طوّر مفهوم أمريكا أولًا، وبالنظر إلى أن المصطلح لم يُستخدم حتى جئت، أعتقد أنني الشخص الذي يقرر طبيعة هذا المصطلح».

وما يخدم ترامب هو أن الحزب الجمهوري في الفترة الحالية يلتئم ويتحد خلفه بالأساس، وهو ما يدركه جيدًا؛ إذ يعلم أن مواقفه ستدعمها أغلبية الجمهوريين، في الوقت الذي ترفضها أغلبية الديموقراطيين والمستقلين. كما يدرك أن تيار «أمريكا أولًا» يتمحور حول شخصه وكاريزميته وطبيعته، ويمكنه تعديل وتحديث توجهاته كما يريد من دون خسارة دعم قيادات التيار.

***

منذ ظهوره على الساحة السياسية عام 2015، تمكن ترامب من اختبار حدود هيمنته على الجمهوريين. وقد صمدت هذه الهيمنة برغم خسارته انتخابات 2020 لصالح جو بايدن، وابتعاده عن البيت الأبيض لأربع سنوات. كما صمدت أمام محاولتين لعزله عامي 2020 و2021، وأمام فضائح أخلاقية، آخرها ما تشير إليه وثائق وملفات جيفري إبستين من ممارسات غير أخلاقية.

واتُّهم ترامب بعشرات الجرائم بين عامي 2020 و2024، وأُدين في عدد منها، ووجدته هيئات المحلفين المستقلة مذنبًا، إلا أن ذلك لم يؤثر على هيمنته على الجمهوريين، بل ربما مهد وسهّل عودته إلى البيت الأبيض.

فيما يتعلق بالحرب على إيران، وإذا ما كانت ستكلف ترامب سياسيًا، فلا أتصور أن هذا السؤال يقلقه على الإطلاق، رغم اهتمامه الكبير بانتخابات الكونجرس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. يهتم الأمريكيون عادة بالقضايا الخارجية فقط إذا شملت حربًا تشارك فيها قوات أمريكية، ويزداد الاهتمام إذا عاد الكثير من الجنود الأمريكيين في أكفانهم. وحتى الآن، سقط 13 جنديًا قتيلًا، وأصيب ما يقرب من مئتي جندي، وهو ما يمثل خسارة «مقبولة» بمعايير الحروب.

إقرأ على موقع 180  هذا ما تعلّمتُه في الـ Goulag اللبناني!

أما تأثير ارتفاع أسعار وقود السيارات وتبعاته على التضخم، فيبدو أن ترامب يدرك أهمية هذه النقطة، إلا أن هناك سبعة أشهر تفصلنا عن الانتخابات، وهي فترة قد تنخفض فيها أسعار الطاقة بعد وقف القتال في الخليج، كما يتصور. كما توجد أصوات معارضة للحرب، ظهرت إرهاصاتها في استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي قال إنه «لا يستطيع بضمير مرتاح دعم الحرب المستمرة في إيران»، مضيفًا: «من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغط من إسرائيل ولوبيها الأمريكي القوي».

وبرغم ذلك، يبدو أن ترامب لم يكترث بهذه الاستقالة، أو بأي استقالات مستقبلية. ما يخشاه ترامب فقط هو تكرار نمط خسارة حزب الرئيس في انتخابات الكونجرس، وما يتبع ذلك من انتزاع الديموقراطيين أغلبية أحد المجلسين، بما يحول ترامب إلى «بطة عرجاء» خلال آخر عامين من فترته الرئاسية الثانية والأخيرة، وهو ما يجعله، وعائلته وأصدقاءه، عرضة لتحقيقات وتربص من الديموقراطيين، بما يفسد عليه استمتاعه بالحكم وهيمنته الشخصية على أجندة القضايا العالمية.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  قبل أن يصبح "بناء الدّولة".. مجرّد شعار استعماريّ!