رصدت الأمم المتحدة أنّ أكثر من مليوني نازح ولاجئ سوري “عادوا” إلى سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، وذلك من أصل أكثر من 13 مليونًا كانوا قد رحلوا عن مساكنهم. إلا أنّها رصدت أيضًا أنّ عددًا غير قليل من الذين “عادوا” قد عادوا أدراجهم إلى مناطق نزوحهم أو إلى بلدان لجوئهم، عندما كان ذلك ممكنًا. أضف إلى ذلك أنّ الأمم المتحدة أشارت إلى أنّ اضطرابات عام 2025 الداخلية في سوريا قد أحدثت بدورها موجة جديدة من النزوح والهجرة طالت نحو مليون سوري.
ويدور اليوم نقاش حول ما إذا كانت “عودة” السوريين نتيجة “عوامل جذب”، أي الرغبة الطوعية في العودة إلى مكان الإقامة الأصلي واستعادة النشاط الاقتصادي، أم أنّها نتيجة عوامل “طاردة”، سواء جرّاء الأحوال المعيشية في مناطق النزوح واللجوء أو نتيجة السياسات الحكومية المتّبعة. وهذا النقاش له أبعاد كثيرة، من بينها وجود فروق كبيرة بين الطبقات الاجتماعية وبين المناطق والانتماءات، في حين تبرز بعض الظواهر التي أنتجتها سنوات الصراع الطويلة في سوريا.
هنا تبرز ظاهرة أنّ الصراع قد فاقم من هجرة الريف إلى المدينة، وأنّ الذين نزحوا من قراهم لا يريدون العودة إليها ذاتها، بل إلى المدن، وبخاصة الشباب منهم. وهذا، بالطبع، نتيجة تدهور القطاع الزراعي خلال سنوات الصراع، ولكن أيضًا نتيجة عدم تركيز سلطات ما بعد كانون الأول/ديسمبر 2024 على هذا القطاع. كما أنّها ظاهرة “طبيعية” ناتجة عن تسارع هجرة الريف إلى المدينة، التي كانت أصلًا في تسارع قبل ذلك، وشكّلت جزءًا من أسباب “ربيع” 2011 السوري، ثم ساهمت سنوات الصراع في تسريعها أكثر. هذا فضلًا عن أنّ الأمن في الأرياف يبدو اليوم أكثر هشاشة منه في المدن.
العودة والاستثمارات وفرص العمل

في الواقع، أصبحت بعض المنشآت التي أُقيمت للنازحين في شمال غرب سوريا أشبه بمدن، جرى تشييد بنيتها التحتية بفضل مساعدات خارجية ضخمة، وتأسّست ضمنها شبكات اجتماعية جديدة. وقليل من النازحين ما زالوا يقيمون اليوم فعليًا في مخيمات، ما يطرح التساؤل عمّا إذا كان هؤلاء يريدون فعلًا “العودة”، خاصة إذا كانت مناطقهم الأصلية مدمّرة أو فقدت القدرة على توفير فرص عمل ومعيشة مناسبة، ولا سيما أنّه لا توجد حتى الآن سياسات حكومية واضحة لا لإعادة الإعمار ولا للتعافي الاقتصادي، في حين يرزح معظم من لم ينزح أو يهاجر تحت ضغوط التضخم وكبح السيولة وقلّة الموارد. مع الإشارة إلى أنّ السلطات القائمة رفضت تخصيص جزء من المنح التي تحاول المؤسسات الدولية تقديمها لسوريا لما يُعرف بـ”الحماية الاجتماعية”، أي لدرء مفاعيل زيادات الأسعار — في الكهرباء مثلًا — علمًا أنّ دولًا مثل مصر ولبنان وغيرها استفادت من مثل هذه البرامج لتخفيف آثار “تحرير” أسعار الخدمات بما لا يُحتمل شعبيًا.
وعلى الصعيد التخطيطي، يمكن أيضًا طرح التساؤل عمّا إذا كان يجب هدم البلدات التي نشأت نتيجة النزوح أم تنميتها من النقطة التي وصلت إليها ضمن منظومة تخطيط إقليمي جديدة تشمل البلاد.
وترتبط ظاهرة أخرى بعودة كثير من الفعاليات الاقتصادية وأبناء الطبقات الوسطى، بما في ذلك من دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبالطبع، يشكّل “الحنين إلى الوطن” دافعًا أساسيًا لهؤلاء، ولكن أيضًا لأن سوريا تُعدّ “فرصة استثمارية” بعد سنوات العقوبات والصراع، برغم أنّ سوقها الاقتصادي سيبقى ضعيفًا على المدى المنظور مقارنةً بالبلدان التي يعيشون فيها. والواقع أنّ سوريا تحتاج إلى استثمارات حقيقية للنهوض، وبخاصة لوقف الاستنزاف القائم عبر الاستيراد لمورد “تحويلات المغتربين” الأساسي، ولإيجاد فرص عمل. ومع ذلك، تبقى نسبة هؤلاء العائدين قليلة مقارنةً مع النازحين واللاجئين الأقلّ ثراءً.
وقد بيّنت استبيانات أُجريت حديثًا أنّ العائق الأهم أمام عودة النازحين واللاجئين هو مشكلة السكن، إلى جانب سبل المعيشة. فكيف يمكن إصلاح المساكن التي تضرّرت أو دُمّرت خلال الصراع، في ظل ارتفاع كبير في عام 2025 في أسعار مواد البناء وأجور العمال المهرة، إضافة إلى مشاكل حقوق الملكية وانتهاكاتها السابقة والحديثة، وإشكاليات المناطق “العشوائية” المنتشرة بكثرة في المدن، وندرة المساكن المعروضة للإيجار بأسعار تناسب الدخل، وذلك برغم وجود عشرات آلاف المساكن الفارغة.
هناك أيضًا أنماط “عودة” مختلفة؛ كعودة “كوادر” مغتربة تريد أن تلعب دورًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا في “سوريا الجديدة”، كما توجد “عودة” هي في حقيقتها “نزوح جديد” من مناطق معينة في سوريا نحو العاصمة دمشق أو المدن الكبرى.
مخاطر الصراع الداخلي
حتماً، سوريا بلد لجميع مواطنيها، ويحق لأيّ منهم أن يسكن حيث يشاء وأن يؤدي الدور الذي يطمح إليه. لكن بعض هذه الأنماط من “العودة” تتضمّن نزعة استئثارية، مفادها أنّ سوريا ودولتها أصبحت لهؤلاء “العائدين الجدد” لأنهم يمثلون “انتصار الثورة”. ويصل هذا المنطق أحيانًا إلى اعتبار كل من عاش في سوريا وخدم الدولة والمجتمع خلال سنوات تحمّل فيها ظلم وقمع سلطة آل الأسد والعقوبات، “فلولًا”.
يحمل هذا المنطق مخاطر جدية، وبخاصة لناحية عودة الصراع الداخلي إلى سوريا من جديد، لا سيما أنّ الإشكاليات الأساسية لعودة الأعداد الكبرى من النازحين واللاجئين لم تجد لها حتى الآن سياسات حقيقية. وكذلك لأنّ مخاطر إقليمية ودولية كبيرة ماثلة في المستقبل القريب نتيجة الحرب القائمة.
وفي هذا السياق، تعتمد دول كثيرة رحّبت سابقًا باللاجئين السوريين سياسات وممارسات جديدة “طاردة” لهم، من دول الجوار إلى أوروبا، وبخاصة مع بدء هذه الدول تحمّل تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية القائمة، والتي ستستمر آثارها حتى بعد توقفها. ومن جهة أخرى، تستنزف هذه الحرب موارد الدول والشركات التي وعدت بالاستثمار والمساعدة في نهوض سوريا، ما يجعل من المتوقع عدم تنفيذ هذه الوعود أو تأجيلها، في وقت ما يزال فيه النمو ضعيفًا جدًا والفقر واسع الانتشار، برغم التصريحات الرسمية.
لقد كانت موجة “عودة” النازحين واللاجئين الأولى هي الأسهل، إذ ترافقت مع حالة ارتياح عامة في الأشهر الأولى لرحيل سلطة الأسد والتوقع بانتهاء العقوبات. لكن استمرارية هذه العودة بكرامة لملايين السوريين تتطلب سياسات عامة تعالج قضايا السكن والمعيشة، وبخاصة قضايا السلم الأهلي والمصالحة الاجتماعية، بدل الاكتفاء بالسعي إلى الشرعية الخارجية أو الاستثمارات الفارهة.
التحديات القادمة جدية، وإن لم تُعالج، ستعود سوريا — هي أيضًا — بلدًا “طاردًا” لأبنائه.
