“داعش” يعيّن أميراً جديداً… آليات الغموض والتمويه

قد يكشف مرورُ ثلاثين ساعة بين الإعلان الصادر عن مؤسسة "الفرقان"، وخروج التسجيل الصوتي للمتحدث الجديد باسم "داعش" أبي حمزة القرشيّ، مدى حجم الضغوط الأمنية التي تستشعرها قيادة التنظيم بعد مقتل أبي بكر البغدادي.

كان لا بدّ من نشر الكلمة لنعي الزعيم السابق، وإعلان اسم الزعيم الجديد، مع الوعي التامّ بأن أجهزة استخبارات تابعة لدول كبرى لا بدّ أن تكون استنفرت من أجل تحديد المكان الذي ستُرفع منه الكلمة على الشبكة العنكبوتية، ما يتيح لها رسم ملامح أولية للمنطقة التي انعقد فيها اجتماع مجلس الشورى، أو التي جرى فيها تسجيل الكلمة.

تمثل هذه نقطة ضعف تقنيّة باتت بمثابة الفخ الالكتروني، لأن قيادة التنظيم لا تستطيع الاستغناء عن استخدامها، لكنها في المقابل تفتقر إلى القدرة على سد الثغرات التي تتقن أجهزة الاستخبارات استغلالها لإيجاد خصومها وتصفيتهم.

ولا يمكن التكهّن بالطرق والأساليب التي حاول “داعش” الالتجاء إليها من أجل التمويه على مكان رفع الكلمة أو تضليل أجهزة الاستخبارات عبر رفعها من عدة أماكن مختلفة. لكن يمكن القول إنّ الضغوط الأمنية المكثفة أجبرت التنظيم على تعميق إجراءات السرية والبحث عن إجراءات أمنية متشددة قد تتحول إلى نوع من العزلة القاسية عن العالم.

هذه السرية التي تكاد تطابق المجهولية، تبدّت أيضاً في الإعلان عن اسم زعيم التنظيم الجديد الذي قيل أنه أبو ابراهيم الهاشمي القرشي، من دون ذكر أية معلومات عن هويته الحقيقية. وتعتبر هذه انتكاسة للتنظيم من دور الكشف والتصريح، منذ أن نشر السيرة الذاتية لزعيمه السابق أبي بكر البغدادي عام 2013، وصولاً إلى ظهور البغدادي في جامع الموصل عام 2014، إلى دور العزلة والتكتم مع تعيين “خليفته الجديد”، وهو ما سيعيد إحياء انتقادات سابقة وجهت إليه بأنه لا تجوز البيعة لمجهول الهوية، لكن – على ما يبدو – فإن الحسّ الأمني تغلب على الفقه وشروطه في تنظيم يقول أنه يسعى لتطبيق الشرع!

وستتعمّق أزمة “داعش” أكثر مع اكتشاف أنه حتى “مجلس الشورى” الذي يضم “أهل الحل والعقد” المخولين اختيار “الخليفة” بات منذ حوالي سنتين مجهول القيادة والأعضاء. وبالتالي ما هي مصداقية مجهول يختاره مجهولون، وهل سيكون بإمكانه فرض نفوذه وسلطته على “ولاياته” المنتشرة في أكثر من ثماني دول؟

يمكن الاستنتاج من خلال هذه المعطيات، أن قيادة “داعش” ما زالت تنظر إلى العراق وسوريا ليس بصفتهما مسقط رأس التنظيم وحسب، بل أيضاً باعتبارهما قطب الرحى الذي تدور حوله جميع الفروع الأخرى، وهو ما قد يزيح جانباً بعض الفرضيات التي تحدثت مؤخراً عن إمكان قيام التنظيم بنقل ثقله إلى دول أخرى، إن في شرق آسيا أو في غرب أفريقيا.

غير أن السرية والمجهولية اللتين اضطر “داعش” إلى تقلدهما، قد تحملان له من الايجابيات بمقدار ما فيهما من سلبيات. وربما أول ما يتبادر إلى الذهن أنه لولا عودة التنظيم إلى “العمل الكهفي”، في إشارة إلى اختبائه في الكهوف والمغاور، كناية عن العمل السري، لما كان بإمكانه تسجيل أول نقطة لمصلحته منذ مقتل زعيمه أبي بكر البغدادي، إذ بينما ذهبت جميع التقديرات، بما فيها التقديرات الأميركية، إلى أن التنظيم سيشهد فترة كمون وفوضى لبضعة أشهر بعد الصفعة التي وجهت إليه، تمكن خلال أيام قليلة من تأمين عقد اجتماع لأعضاء مجلس الشورى واختيار زعيم جديد من دون أن تبرز على السطح أية خلافات تستحق الذكر.

ومما لا شك فيه أن هذا الاجتماع لما كان ممكناً لولا قدرة “داعش” على التأقلم مع الضغوط الأمنية التي يتعرض لها. ولا شك أيضاً أن التنظيم أراد من خلال سرعته في تعيين بديل عن البغدادي إرسال رسالة لمن يعنيه الأمر حول تماسك بنية التنظيم وفاعلية قيادته.

ورغم الدعاية الأميركية التي تغالي في وصف منجزاتها ضد “داعش”، يمكن الإشارة إلى بعض النقاط التي استطاع الأخير مراكمتها في سجله الأمني. أهم هذه النقاط أن التنظيم استطاع تحييد عدد من قادته المؤسسين عن الملاحقة والاغتيال، إذ من بين عشرين قيادياً انتشرت اسماؤهم عام 2014 على أنهم مؤسسو التنظيم، ما زال على الأقل ستة من هؤلاء على قيد الحياة، اثنان منهم من أعضاء مكتب الحرب، بينما هناك اسماء أخرى أشيع أنها قتلت، ولكن لم يحسم مقتلها بدليل قاطع.

ومن أهم القادة الذين ما زالوا أحياء، يمكن الإشارة إلى أبو شيماء فارس رياض النعيمي مسؤول مخازن السلاح و أبو كفاح خيري عبد حمود الطائي مسؤول التفخيخ. أما من لم يحسم مقتله فيبرز اسم أبو محمد بشار اسماعيل الحمداني مسؤول ملف السجناء، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

هذا يقودنا إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن “داعش” استطاع حتى أن يستغلّ الإعلانات الصادرة عن التحالف الدولي أو البنتاغون بخصوص مقتل بعض قادته من أجل إخفائهم وإبعادهم عن الرصد بداعي أنهم موتى.

يبرز في هذا السياق اسم سامي الجبوري مسؤول ملف النفط، الذي قال التحالف الدولي إنه قتله عبر إنزال جوي في منطقة القائم العراقية عام 2016. ولكن برنامج “المكافآت من أجل العدالة” الذي تديره الخارجية الأميركية عاد ليضع مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يدلي بأية معلومات عن سامي الجبوري، وذلك في شهر آب الماضي. هذا مجرد مثال على طبيعة الحرب الأمنية الجارية وصعوبة التأكد من نتائجها.

لذلك سيكون من شبه المستحيل حالياً معرفة هوية “الزعيم الجديد” لتنظيم “داعش”، خصوصاً أن اللقب الذي يحوزه الزعيم بعد تنصيبه يختلف عن الأسماء والألقاب التي كان يستعملها سابقاً. فعلى سبيل المثال كان أبو بكر البغدادي قبل استلامه زعامة التنظيم معروفاً باسم أبو دعاء. وبالتالي يمكن أن يكون أبو ابراهيم الهاشمي القرشي أحد الأسماء التي كانت مرشحة للمنصب مثل عبدالله قرداش أو حجي تيسير أبو عبدالحكيم أو ايوب الزاوي، كما يمكن أن يكون من خارج هذه الأسماء.

لكن المؤكد أن الهاجس الأساسي في اختيار الاسم هو ألا يكون “محروقاً أمنياً” لدى أجهزة الاستخبارات العالمية، وهذا ما يؤكد أن آليات الغموض والتمويه ستشكل إحدى أهم التحديات في المواجهات القادمة مع تنظيم “داعش”.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free