أوروبا كما حلمناها.. وجبالها كما وجدناها

مثل كثيرين غيري من أقران مرحلة المراهقة، عشت خلالها أمارس أحلام اليقظة، مارستها إلى حد الإدمان، لأمتنع عنها في مرحلة الدراسة الجامعية. دارت معظم أحلام تلك المرحلة حول السفر في رحلات بعيدة، وبخاصة إلى أوروبا وآسيا، بعد أن كنت قد استهلكت فرص السفر في رحلات داخل مصر، ورحلات خارجية اقتصرت على ثلاث دول مجاورة، أولها فلسطين. وجدير بالإضافة هنا أننا، كمجموعة في فريق للجوالة في غزة، حاولنا التلصص على سكان إحدى المستوطنات، فوقعنا في الأسر الإسرائيلي في سجون فلسطين المحتلة. أما ثاني الدول التي زرتها في هذه المرحلة فهي السودان، وثالثها المملكة الليبية.

في كل تلك الرحلات، ما تحقق منها في سن المراهقة وما بقي يتردد في أحلام يقظة متناثرة، كانت الجبال محل الاهتمام. أشبعت بعض الشغف بالتوقف لساعات أتأمل جمال وخضرة الجبل الأخضر، الاسم الذي عُرفت به سلسلة جبال ولاية برقة في شرق ليبيا. وأشبعت بعضًا آخر بيوم قضيناه في منطقة جبال النوبة في ولاية كردفان بجنوب السودان. وأشبعت بعضًا في الهند مثلًا وفي أفريقيا، ولكن التطلع إلى رحلة في أوروبا من أجل جبال الألب، وهي الأشهر والأكثر رغبة، بقي مهيمنًا على كافة أحلامي.

***

لم يكن صعبًا فهم السبب وراء سيطرة هذا النوع من الأحلام على مراهق في مثل عمري. نشأت وعشت على بعد خمس دقائق من أقرب تل من التلال المشكلة لما كنا نطلق عليه جبل المقطم، عندما كنا نقضي عطلة نهاية الأسبوع في البيت الكبير بالجمالية. وعشت أيضًا على بعد عشرين دقيقة من المقطم طوال مدة تنشئتي في شقة ببيت في شارع سامي المتاخم لشارع مجلس النواب. لكن المدهش في الموضوع أننا، حتى من سطح منزلنا هذا أو ذاك، لم نكن نستطيع رؤية تل من تلال المقطم، أو حتى قمة من قمم أهم تل فيه، وهو التل الذي كان يوصف في كتبنا المدرسية بأنه الجبل الذي يطل على مدينة القاهرة. يطل علينا ويرانا، ولكننا لا نراه.

كانت إيطاليا أول من قدمني لجبال أوروبية. عشت مراهقتي أحلم بالألب، ولم أكن أعرف أو أتصور أن في أوروبا جبالًا أخرى بروعة وجمال وشموخ الألب. دُعيت في الأسابيع الأولى من وصولي إلى روما لنزهة في القصر الصيفي للبابا، ونزهة أخرى في مدينة تيفولي، وكلاهما على ارتفاع لا يزيد كثيرًا عن ارتفاع تل المقطم. إلى أن جاء دور زميلي عادل زكي، الملحق بسفارة مصر لدى الفاتيكان، ليتولى مع زوجته، وعلى وجه الدقة “عروسته” هدى يونس، مهمة اصطحابنا، أنا وزوجتي، في نزهة بمنتجع للتزلج على الجليد يقع على بعد ساعتين بالسيارة من روما.

كانت نزهة لا تُنسى؛ فيها وقع أول تعارف بيني وبين جبل حقيقي بقمة ومنزلقات بيضاء ناصعة، في أوروبا ولكن في غير الألب. الحلم يتحقق، ولكن ليس بكل تفاصيله؛ ينقصه أنني لم أكن قائد السيارة التي صعدت بنا في هذا الجبل. وكانت السيارة أمريكية الصنع والحجم، وقد غُطيت عجلاتها بسلاسل من الحديد لمنع تزحلقها أو تفلتها. كان الأمر بالنسبة لي جديدًا ومدهشًا ومثيرًا.

***

لماذا أوروبا؟ ولماذا ألمانيا بشكل خاص؟ المصريون شعب بمزاج أوروبي. والمصريون الذين أعنيهم هم الطبقة المتعلمة في ذلك الحين؛ هم الذين تصدوا للاستعمار الإنجليزي، وبعضهم تعلم على أيدي معلمين إنجليز. أنا نفسي كنت في الصف الرابع الثانوي عندما كان يعلمني التاريخ أستاذ إنجليزي.

أمريكا لم تكن يومًا، في ذلك الحين، جزءًا من أحلام المصريين. أظن أننا لم نكن نعرف عنها إلا القليل. أنا مثلًا كنت أُكلَّف، وأنا في الصف الثالث الثانوي، بقراءة وتحليل روايات لكبار المؤلفين الإنجليز. لم نقرأ لمؤلف أمريكي ونحن في الثانوي. كانت أمريكا بالنسبة لنا سينما وموسيقى وغناء ورعاة بقر، والدولة العظمى التي تريد وتضغط علينا لنسمح لها بإقامة قاعدة عسكرية والانضمام إلى حلف مركزي للشرق الأوسط.

كنا في ذلك الوقت ما نزال نتظاهر يوميًا ضد الاحتلال البريطاني لمصر وعدن وإمارات الخليج، وضد الاحتلال الفرنسي لتونس والجزائر والمغرب.

لم يكن الاحتلال البريطاني لمصر مجرد صفحات في الكتب المدرسية عن مرحلة ولّت، بل كان كيانًا حيًا ملموسًا نعبر أمام ثكناته العسكرية في طريقنا إلى النزهات الأسبوعية في حدائق الجزيرة على الطرف الآخر من النيل. أظن أننا كرهنا اللون الأحمر الغامق الذي طُليت به مباني الثكنات، من موقعها المطل على ميدان الإسماعيلية (أقصد التحرير) من ناحية، ومدخل كوبري قصر النيل من الناحية الأخرى. وكنا نسمع قصصًا مريعة عن أعمال الشغب التي كان الجنود الأستراليون والإنجليز والجوركا يتسببون فيها كل ليلة في شارع عماد الدين، حيث أُقيمت لهم أماكن ليلية يشربون فيها الخمر ويعاقرون النساء ويغنون ويرقصون حتى الفجر.

***

أعود إلى حلم ركوب الألب في أوروبا التي كنا نحبها، وأظن أننا، وأقصد أبناء جيلي، كنا نشفق على شعوبها التي عانت قرونًا من حروب لا تتوقف؛ ما إن تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى. اكتملت الظروف وكذلك الاستعدادات. سبقتني زوجتي مع الطفلين سامر ونسرين إلى فيينا لزيارة الأهل، وأعرب زميلي بالسفارة سامي ثابت، وقد عملنا سويًا بسفارتنا في الهند، عن ترحيبه بمرافقتي في رحلة أزمع القيام بها بالسيارة إلى فيينا، والعودة مرورًا بدول ومدن كثيرًا ما كانت تهفو إليها أحلامي، أو العبور منها إلى دول أخرى مثل المجر، وبخاصة بودابست عاصمتها الجميلة، ونهر الدانوب الذي يتوسطها بدلال وأناقة.

إقرأ على موقع 180  التقارب التركي المصري.. هل تستفيد منه ليبيا؟

خططت أيضًا لزيارة سفيرنا السابق في بكين وروما، وقد انتقل من هذه الأخيرة إلى بلجراد. وبالفعل كانت زيارة بلجراد فرصة لقضاء بعض الوقت في زغرب، عاصمة كرواتيا، ثم التجول بين خضرة رائعة وشواطئ نادرة في جمالها وتناقضها المثير؛ تناقض صخور الجبل وخضرة الغابات وصفرة رمال الشاطئ وزرقة البحر.

دخلنا إلى النمسا من أقرب حدودها مع أقصى شمال شرق إيطاليا، ومررنا سريعًا بمدينة كلاجنفورت، وكل همي ألا يفوتني، وأنا أقود السيارة، ما يستحق الإعجاب والانبهار؛ مثل منظر طبيعي لا يماثله في الجمال والإبداع منظر جبل آخر في أي مكان ذهبت إليه، طفلًا كنت أم مراهقًا أم شابًا أم رب أسرة. وألا يفوتني ما يذكرني بحدث تاريخي، مثل معركة حربية حددت مصائر، أو مقر توقيع استسلام قائد عظيم، أو احتفال تنصيب إمبراطور. وألا يفوتني، في موعد الغذاء أو العشاء، مطعم بسيط يقدم وجبات محلية الطابع والخدمة.

إن نسيت فلن أنسى أنه، خلال إحدى إقاماتي المتكررة في فيينا، دُعيت لزيارة محل هو ما بين المقهى والمطعم البسيط، يطل على مدينة فيينا من فوق قمة تل أخضر، تزينها دفقات من سحابات منخفضة. هناك تناولت، مع القهوة المحلاة بالحليب، قطعة من فطيرة تفاح، لعلها كانت الأطيب بين كل القطع التي تناولتها في رحلات امتدت لتشمل عديد المقاهي المتناثرة في مرتفعات مررنا بها أو صعدنا إليها في سويسرا وألمانيا والتيرول بإقليميها النمساوي والإيطالي.

لفيينا مكانة خاصة في قلبي وفي عقلي أيضًا. وأتصور أن أي سطور أكتبها عن أوروبا وجبالها وتاريخها وحكاياتي الشخصية فيها أو عنها، لن أوفي فيينا حقها كاملًا إن لم أبدأ هذه السطور وأختمها بشطر من بيت في أغنية شدت بها أسمهان قبل أن أولد بعشر سنوات أو أكثر، لعلها الأغنية التي، مع عوامل أخرى، ساهمت في صنع اهتمامي منذ الصغر بفيينا الأصل، قبل أن تصير رمزًا بثقافتها وفنونها وقصورها ومقاهيها. تقول أسمهان في هذا الشطر من أغنيتها:
دي فيينا روضة من الجنة“.

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  روسيا تتمدد في "الأسود" و"المتوسط".. بديل عن "ضائع"؟