خارج الخرائط.. عالمٌ عالقٌ بين أرصفة الدار البيضاء وأنقاض بيروت

يعيدني الفيسبوك اليوم إلى تدوينة نشرتها قبل تسع سنوات، وكأنها نبوءة كانت تنتظر لحظتها الراهنة لتنفجر في وجهي بكل ما فيها من رعب صامت. كتبت حينها: "زهايمر.. الأرصفةُ في قدمي أنساني المشي.. والطريقُ/ كل المسافات غيم.. والأفقُ حريق". أشعر اليوم أن هذه الكلمات ليست مجرد ذكرى عابرة أو مجازا شعريا، بل هي آهةٌ وجودية ما تزال عالقة في حنجرتي؛ حارّة كأنها نُزعت لتوّها من قلب الكارثة.

أتساءل بمرارة وأنا أستمع لصدى الانفجارات في الأفق: هل التدوينة هي العالقة في الحلق، أم أنني أنا العالق في بلعوم الوقت بين أنياب الرعب والحصار؟ هل نحن الذين نكتب الكلمات، أم أن الكلمات هي التي تترصدنا في المنعطفات لتخبرنا كم كنا محقين في خوفنا القديم؟

***

منذ عقود ولبنان والمنطقة الغارقة في الدماء تدخل في حروب متوالية، لا تنتهي واحدة إلا لتلد أختها، وكأنها قدر إغريقي لا فكاك منه. العجيب في هذه الحروب أنها لا تتشابه؛ فكل حرب لها رائحتها، ولها ملمس الموت الخاص بها.. كم سمعتُ وتابعتُ أخبار حروب لبنان وأنا هناك في الدار البيضاء.. كنت أرقبها من بعيد كأرقام باردة، وكجغرافيا مرسومة بمداد القلق على صفحات الصحف أو شاشات الضوء.. كنتُ أتعاطف.. أحزن، لكنني لم أكن أظن أبداً أنني سأجرب وقعها يومًا وأنا تحت سماء لبنان مباشرة.. مسقوفًا بطائرات العدوان، ومحاصرًا بصوت الإفناء.

***

اكتشفتُ أن المعرفة عن بُعد هي وهم مريح. تجربتي الحالية تشبه من يقرأ لسنوات عن مذاق ثمرة نادرة أو سم زعاف في الكتب، ثم يجد نفسه فجأة يذوقه على حقيقته. طعمٌ كان يعتقده “بشكلٍ ما”، فإذ به يكتشف مذاقه المر وهو يلدغ لسانه، ثم يسري في حلقه، ثم ينزل ليحرق أحشاءه ويغير كيمياء الروح إلى الأبد.

الحربُ ليست خبرًا؛ الحرب هي جزيئات غبار تدخل مسامك وتستقر في رئتيك، هي اهتزاز الأرض تحت قدميك، ما يجعلك تفقد الثقة في ثبات الوجود.

***

في حرب 2024، كنت هنا أيضًا. أتذكر كيف جعلت من الكتابة اليومية متراسًا، ومن الكلمات درعًا يحميني من شظايا الخوف.

كنتُ أصحو كل صباح لأرمّم ما هدمه الليل بالكلمات، محولًا يوميات الحرب، التي كانت تُنشر يوميا على موقع “لكم” المغربي، إلى مظلة مضادة للرصاص.. مظلة احتميت بها ونشرتها لتكون شاهدًا على أننا ما زلنا نتنفس. كانت الكتابة حينها فعلًا خارجياً يسعى لترتيب فوضى العالم، وكأنني أقول للموت: “انتظر قليلاً حتى أكمل الجملة”.

الآن؛ والمكان هو المكان، والرعب هو الرعب، يطالبني الأصدقاء والحكّاءون بجزء ثان من تلك اليوميات التي صدرت بين دفتي كتاب. يطلبون كتاباً جديداً يُوثّق الموت المتجدد.. لكن لدهشتي المريرة، وجدت أصابعي قد كفّت عن ملاحقة العبارات.. لقد غادرت الكلمات السطور واستوطنت أعماقي كخلايا سرطانية أو كجزيئات من نور.. لم أعد أكتب لأنشر بل أصبحتُ أحقن تدويناتي في مسامات جلدي.

***

أتابع ما يحدث بدقة مبضع الجرّاح. أسجله في مختبر رأسي المجهد. أعجنه بأعصابي التالفة، وأختمه بدمعي العصي الذي يرفض السقوط ليتحول إلى جمر في الداخل.. كأني اكتشفت فجأة عدم جدوى الحبر التقليدي أمام هول ما يقع.

إنني أجربُ الآن نوعاً جديداً من التدوين: الكتابة بحبر من دم وأنفاس ولهاث وعرق وهواجس.. إنها كتابةٌ لا تقرأها الأعين، بل تشعر بها الشرايين، وتنشرها النبضات في أرجاء الجسد المنهك.

 كلما وضعتُ رأسي على الوسادة لا أستسلم للنوم، بل أستسلم للقراءة. أستعيد شريط اليوم. أراجع تفاصيله المكتوبة في ذهني، وأكمل النواقص في ذاكرة لا تمل من التكرار.

عن أي نوم نتحدث يا هذا؟ هل ترك لنا دوي خرق جدار الصوت المتكرر مع المسيرات التي تطن فوق رؤوسنا فرصة للأحلام؟ تلك “الزنّانات” التي لا تكتفي بمسح الأرض، بل تمسح السكينة من النفوس.

السماء فوق بيروت لم تعد ملكاً للنجوم أو السحب، بل صارت مرتعاً للطائرات الحربية التي تخترق جدار الصمت على علوّ منخفض، كأنها محاريث حديدية تحرث الأرواح. لقد سرقوا منّا حتى حق الرقدة الأخيرة في حضن الذاكرة، وتركونا عالقين في يقظة أبدية، نقرأ فيها وجعنا بصوت صامت، وننتظر الصبح لعلّه يحمل بقايا حياة.

***

مات ناسٌ كثيرون في غارات “الأربعاء الأسود”.. منهم من أعرفهم حق المعرفة، ومنهم من التقيتُ بهم عرضاً في زواريب المدينة، أو تقاسمت معهم يوماً رصيفاً هارباً، أو طاولة مقهى في “الحمرا” أو “الروشة”، أو تلك الحيرة الصامدة التي كانت تُوحّدنا ونحن نرقب الأفق المشتعل دون أن ننطق بكلمة.

أما الجنوب.. فقد صار مرادفاً لكل أوجاع البشرية.. لم يعد مجرد جهة جغرافية، بل أصبح عنواناً عريضاً للقتل والتدمير والتجريف والتهجير.

في الجنوب اللبناني تُباد المدن والقرى التاريخية وتُمسح عن الخارطة، ويُهجّر الناس من بيوتهم التي عمّروا فيها ذكريات أجيال.

النزوح والتشرد صارا ملامح لأطفال ونساء ورجال وجدوا أنفسهم فجأة عراة أمام وحشية الآلة.. أسرٌ وعائلاتٌ كاملةٌ برجالها ونسائها وأطفالها سُحقت تحت الأنقاض.. ماتوا معاً في تلاحم أخير تحت القصف الهمجي العدواني.

في الجنوب تنعكس الآية الوجودية. لا تسقط المباني فوق الأجساد فحسب، بل إن الأرواح هي التي تسقط فوق المباني وترديها قتيلة، لأن الحجر بدون أصحابه يفقد روحه ويموت هو الآخر.

إقرأ على موقع 180  توقعات بشرق أوسط أكثر تسلحاً وعنفاً.. وتوترات

***

عن أي زهايمر كنت أتكلم في تدوينتي القديمة؟ نحن نُعرّفه طبيّا كمرض يسرق الذاكرة.. لكن زهايمر بيروت اليوم هو مرض القهر.. إنه محو متعمد للحاضر.. الأرصفة التي أنساني المشي عليها هي الأرصفة التي غطاها الركام، والطريق الذي أصبح غيماً. الطريق الذي تاه فيه النازحون وهم يبحثون عن أمان مفقود.

 ذاكرة الرعب لا تشبه زهايمر الشيخوخة، فالأخير يمحو الألم ويمنح المرء رفاهية النسيان، بينما الأول يخلّده في مسامات الجلد ونبض القلب. نحن لا ننسى هنا، نحن نتآكل ونذوب ونتناثر كالهباء في فضاء من القلق الأبدي.. الأفق الذي كان حريقاً مجازياً في مخيلتي قبل تسع سنوات، أصبح اليوم خبزنا اليومي الذي نغمس فيه أيامنا المرة، ونبتلعه بغصة لا تترك في الحلق مكاناً لشهيقٍ أو زفير.

***

في كل مرة تزمجر فيها السماء، أتحسس وجودي وأردّد في سري: “مش كل مرة بتسلم الجرة”. والجرة هنا ليست آنية فخارية، بل هي رأسي.. هذا المستودع المثقل بالصور والخرائط والقصص والوجوه. رأسي الذي يواجه الموت اليوم مكشوفاً بلا قبعتي المألوفة التي لطالما كانت جزءاً من هويتي في شوارع البيضاء وبيروت.

لقد وقفت وجها لوجه أمام احتمالات الغياب، وقاربت قذائف الحقد حتى شممتُ رائحة الموت في مسامات ثيابي.. لكنني اخترت الصمت تجاه أصدقائي الحقيقيين.. لن أخيفهم بتلك المصادفات القاتلة التي نجوْتُ منها بأعجوبة.. لا أريد أن أثقل كواهلهم بقلق إضافي.. يكفيهم ما فيهم من انكسارات.

***

أبتسم بمرارة وأنا أستذكر المثل المصري الدارج: “عمر الشقي بقي”.

شقي؟ ربما.. هي تلك الشقاوة التي تجعلني أعاند الفناء، أو ربما هو الشقاء النبيل الذي يربطني بتراب هذه الأرض التي ترفض الموت برغم كل محاولات التجريف..

أنا (الشقي) الذي بقي.. لا ليزهو بنجاته، بل ليكون الذاكرة الحية لأولئك الذين غادروا.. سأظل أحمل “جرتي” (رأسي) بيدي، وأمشي بها وسط هذا الدمار، لا لأني أقوى من الصواريخ، بل لأن في العمر بقية لتروى، ولأن صرختنا العالقة في الحلق هي الصدى الأخير لمدينة ترفض أن تنساها الأرصفة.

***

بيروت ليست مدينة تُنسى، بل مدينة يُراد لها أن تنسى نفسها.. لكننا ونحن نكتب بدمنا وأعصابنا، نعلن أننا ما زلنا هنا.

الموت قد يهدم الجدران، لكنه يعجز عن هدم “الحيرة الصامدة” في عيوننا.

نحن أبناء هذه الأرصفة حتى لو أصابها الزهايمر، سنظل نذكرها بأقدامنا.. وبأحشائنا التي ذاقت طعم الحرب ولم تنحن.. نحن سكان “العالم الذي خرج عن الخرائط”، لكنه لم يخرج قط من قلوبنا.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  لبنان: إتفاق رباعي جديد.. بلا إنقلاب