ارتباك التوقيع في أنقرة.. طريق التنمية؟

لم تكن اللحظة الأكثر إثارة في زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى أنقرة توقيع الاتفاقيات الثنائية أو اللقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بل ذلك المشهد الذي تردد فيه وزير النقل العراقي وهب الحسني في التوقيع على إحدى الوثائق الخاصة بمشروع طريق التنمية قبل أن يبادر رئيس الوزراء إلى سؤاله أمام عدسات الكاميرات: "ليش ما وقّعت"؟

قد يُفسَّر المشهد على أنه خلل بروتوكولي أو تحفظ قانوني في اللحظة الأخيرة، لكن قيمة الواقعة لا تكمن في سببها المباشر بقدر ما تكمن في المشروع الذي ارتبطت به. فلو تعلق الأمر بأي مشروع آخر، لما تجاوز الخبر حدود التغطية اليومية. أما طريق التنمية، فقد تجاوز منذ سنوات كونه مشروعاً عراقياً للبنية التحتية، وأصبح أحد أهم الملفات المرتبطة بإعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة في الشرق الأوسط.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بسبب تأخر التوقيع، بل بما إذا كان هذا المشروع قد دخل فعلاً دائرة التنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية.

من المضائق

طوال أربعة عقود، ارتكز جانب مهم من معادلات الردع في الخليج على حقيقة جغرافية واحدة، وهي أن جزءاً كبيراً من تجارة النفط العالمية يمر عبر مضيق هرمز. وقد منح ذلك إيران، في كل أزمة إقليمية، ورقة ضغط استراتيجية، حتى وإن لم تُغلق المضيق فعلياً، لأن مجرد التهديد بتعطيله كان كفيلاً برفع أسعار الطاقة وإرباك الأسواق.

غير أن الحرب الأخيرة في المنطقة غيّرت أولويات كثير من الدول. فبدلاً من الاكتفاء بحماية المضائق البحرية، بدأ التفكير يتجه إلى تقليل الاعتماد عليها عبر إنشاء ممرات برية وبحرية بديلة تستطيع نقل التجارة والطاقة حتى في أوقات الأزمات.

ومن هنا، لم يعد مشروع طريق التنمية مجرد طريق يربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية، بل أصبح جزءاً من سباق عالمي على هندسة سلاسل الإمداد الجديدة، يتقاطع مع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والممر الأوسط عبر آسيا الوسطى وتركيا، كما يلتقي مع الحسابات الصينية والأوروبية والخليجية في تنويع طرق التجارة.

الجغرافيا الجديدة

للمرة الأولى منذ عقود، يمتلك العراق فرصة لتحويل موقعه الجغرافي من عبء سياسي إلى أصل اقتصادي. فبدلاً من أن يكون ممراً للصراعات، يمكن أن يصبح ممراً للتجارة، مستفيداً من ميناء الفاو الكبير وربطه بالشبكات التركية والأوروبية.

لكن هذه الفرصة نفسها تجعل المشروع أكثر حساسية. فاختيار مساره لم يكن قراراً هندسياً فقط. فقد اعتمدت بغداد مساراً يتجنب المناطق المتنازع عليها، ويستبعد معظم أراضي إقليم كردستان، وهو ما دفع حكومة الإقليم إلى الاعتراض علناً، معتبرة أن المشروع همّش دورها الاقتصادي.

وبرغم أن الحكومة الاتحادية لم تعلن أن هذا الخيار يستند إلى اعتبارات سياسية، فإن تجنب المناطق المتنازع عليها، وفي مقدمتها كركوك، يعكس إدراكاً بأن مشروعاً بهذا الحجم يحتاج إلى استقرار قانوني وإداري طويل الأمد. فمروره عبر مناطق تتنازع بغداد وأربيل على إدارتها كان سيجعل أحد أهم مشاريع العراق رهينة خلافات دستورية وسياسية قد تمتد سنوات.

وهكذا، لم تعد الجغرافيا العراقية مجرد مسرح للمشروع، بل أصبحت جزءاً من معادلته السياسية، تماماً كما أصبحت الجغرافيا الاقتصادية في المنطقة تعاد صياغتها وفق منطق الممرات الجديدة، لا المضائق التقليدية.

حسابات الإقليم

إذا كان العراق يرى في طريق التنمية بوابة إلى اقتصاد ما بعد النفط، فإن تركيا تنظر إليه باعتباره امتداداً لدورها بوصفها العقدة اللوجستية الرئيسية بين آسيا وأوروبا. أما دول الخليج، فترى فيه منفذاً إضافياً للوصول إلى الأسواق الأوروبية بعيداً عن المخاطر البحرية.

وفي المقابل، تراقب إيران هذه التحولات في بيئة استراتيجية جديدة. فمنذ عقود، شكّل مضيق هرمز إحدى أهم أدوات الردع الاستراتيجي في السياسة الإيرانية، إذ يمنح طهران قدرة على التأثير في حركة الطاقة العالمية كلما تصاعدت الأزمات. ومع اتساع الحديث عن الممرات البرية البديلة، يصبح من الطبيعي أن تنظر إيران إلى أي مشروع قادر على تقليص الاعتماد على هرمز باعتباره تطوراً يستحق المتابعة، لأن تعدد مسارات التجارة والطاقة يعني تراجع الوزن النسبي للمضيق باعتباره نقطة الاختناق الوحيدة في الخليج.

ومن هذا المنظور، لا يعود طريق التنمية مجرد مشروع نقل، بل يتحول إلى جزء من إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي في المنطقة، وهو ما يفسر الاهتمام الذي يحظى به من مختلف القوى الإقليمية والدولية، كل من زاوية مصالحه وحساباته الاستراتيجية.

مشهد التوقيع

في هذا السياق، اكتسب تردد وزير النقل العراقي في التوقيع دلالات تجاوزت طبيعته الإجرائية. فالوزير يُنظر إليه في الأوساط السياسية بوصفه قريباً من منظمة بدر، وهي قوة عراقية ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران. ولا يكفي هذا المعطى للقول إن ما حدث كان نتيجة موقف إيراني أو قرار سياسي، إذ لا توجد معطيات رسمية تثبت ذلك.

لكن السياسة تُقرأ أيضاً في ضوء السياق. فحين يتحول مشروع اقتصادي إلى أحد مفاتيح التوازنات الإقليمية، يصبح أي تأخير أو تحفظ أو خلاف، مهما كان سببه المباشر، عرضة لتفسيرات تتجاوز الإطار الإداري. ومن هنا، بدا مشهد التوقيع وكأنه يعكس حجم الحساسية التي باتت تحيط بالمشروع، أكثر مما يكشف عن طبيعة الخلاف نفسه.

إقرأ على موقع 180  النزوح السوري في لبنان.. صرخة ميقاتي والإنذار الديموغرافي!

إن ما جرى في أنقرة لا يثبت وجود صراع خفي حول طريق التنمية، لكنه يكشف أن المشروع دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها القرارات الفنية منفصلة عن الحسابات الجيوسياسية. فكلما ارتفعت القيمة الاستراتيجية للممر، ازدادت احتمالات أن يصبح موضع تجاذب بين القوى التي ترى في طرق التجارة والطاقة أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية أو التحالفات السياسية.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تأخر توقيع وزير النقل؟ بل: هل دخل طريق التنمية فعلاً معركة إعادة توزيع النفوذ في مرحلة ما بعد هرمز؟ وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل المشروع، وحدود الدور الذي يمكن أن يلعبه العراق في الجغرافيا الاقتصادية الجديدة للشرق الأوسط.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  لبنان بين مساري واشنطن وإسلام آباد: أين تكمن المصلحة الوطنية اللبنانية؟