النضج الاستراتيجي: كيف أعادت الحرب تشكيل إدارة الأزمات في إيران ولبنان؟

غالباً ما تُقاس نتائج الحروب من خلال مؤشرات القوة التقليدية: حجم الخسائر، توازن الردع، القدرات العسكرية أو المكاسب الميدانية. غير أن هذا النوع من القياس، على أهميته، لا يكفي لفهم التحولات العميقة التي تتركها الحروب داخل البنى السياسية والأمنية والاستراتيجية للاعبين الفاعلين على مسرح العلاقات الدولية (دول أو حركات مقاومة أو شركات متعددة الجنسيات أو منظمات دولية).

من هذا المنطلق، لا تبدو المقاربة القائلة إن وضع إيران أو محور المقاومة أصبح “أفضل” أو “أسوأ” من السابق مقاربة دقيقة بالمعنى الجيوسياسي. فوفق المدرسة الجيوسياسية التي يمثلها إيف لاكوست، ينطلق التحليل الجيوسياسي من دراسة التصورات الجيوسياسية التي يحملها كل فاعل عن نفسه وعن خصومه وعن المجال الذي يتحرك فيه. فكل قرار سياسي أو عسكري يعكس في جوهره رؤية معينة للعالم وللمصالح وللتهديدات وللأهداف المراد تحقيقها. ولا يقتصر التحليل الجيوسياسي هنا على فهم السلوك وتفسيره، بل يتجاوز ذلك إلى استشراف المآلات المحتملة للصراع، والتي تنحصر عادة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية: استمرار الوضع القائم (Status Quo)، أو الانتقال نحو حالة سلم وتسوية، أو الانزلاق نحو مواجهة وصراع أوسع. ومن هذا المنظور، تصبح الحرب مناسبة لإعادة قراءة التحولات التي طرأت على تصورات الأطراف المختلفة وعلى كيفية إدارتها للأزمات ولخياراتها المستقبلية.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس من انتصر ومن خسر، بل ماذا تعلمت الأطراف المختلفة من الحرب؟ وكيف أثرت هذه الحرب في العقل الاستراتيجي لكل طرف؟

في هذا السياق يمكن الحديث عن مفهوم «النضج الاستراتيجي» بوصفه أحد أهم النتائج التي أفرزتها الحرب الأخيرة في إيران ولبنان. فالنضج الاستراتيجي لا يعني امتلاك قوة أكبر بالضرورة، بل يعني امتلاك قدرة أعلى على استيعاب الصدمات، وإدارة الأزمات المعقدة، والتكيف مع المتغيرات، وإعادة بناء منظومات القرار بعد التعرض لضربات كان يُفترض أنها قادرة على إحداث شلل استراتيجي طويل الأمد.

لقد شكّلت الحرب الأخيرة اختباراً وجودياً غير مسبوق لمحور المقاومة. فاستشهاد شخصيات قيادية مركزية في لبنان وإيران، واستهداف البنية الأمنية والعسكرية، والضغوط السياسية والإعلامية والدبلوماسية الهائلة، كلها عوامل دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن المحور سيدخل في مرحلة ارتباك أو فراغ قيادي أو أزمة قرار.

لكن ما حدث عملياً كان مختلفاً.

فبدلاً من الانهيار، ظهرت قدرة ملحوظة على امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم مراكز القرار وتوزيع الأدوار وإدارة المواجهة بأدوات جديدة. وقد تجسّد ذلك في الانتقال التدريجي من الاعتماد على القيادات المؤسسة والكاريزمية إلى تعزيز البعد المؤسساتي داخل عملية صنع القرار، بما يسمح باستمرار الأداء حتى في ظل الخسائر الكبرى.

وفي الحالة الإيرانية تحديداً، أظهرت مؤسسات الدولة والنظام السياسي والأمني قدرة عالية على الحفاظ على تماسكها وعلى استمرارية القرار الاستراتيجي برغم حجم الضغوط والتحديات. كما برزت مرونة واضحة في الجمع بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية والأمنية ضمن مقاربة أكثر تعقيداً لإدارة الصراع. ويمكن ملاحظة ذلك في كيفية إدارة طهران لمراحل التصعيد المختلفة، حيث تجنبت في أكثر من محطة الانزلاق إلى ردود فعل انفعالية، مفضلةً إدارة التوقيت السياسي والعسكري ضمن حسابات تراكمية بعيدة المدى.

أما في لبنان، فقد كشفت التجربة أن استشهاد القادة المؤسسين لم يؤدِّ إلى انهيار البنية التنظيمية أو فقدان القدرة على المبادرة، بل دفع نحو تطوير آليات جديدة في القيادة والتنسيق وإدارة الأزمات، الأمر الذي يعكس تراكم خبرات مؤسساتية تجاوزت مرحلة الاعتماد الكامل على الأفراد.

وفي البعد العسكري والأمني، برزت قدرة المقاومة في لبنان على الحفاظ على تماسكها العملياتي واستمرارية أدائها الميداني برغم حجم الضربات التي تعرضت لها البنية القيادية والعسكرية. وقد أظهر هذا الواقع أن سنوات طويلة من التراكم التنظيمي والتخطيط الاستراتيجي أسهمت في إنتاج بنية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الظروف الاستثنائية.

أما على المستوى السياسي، فقد برز دور ثنائي حركة أمل وحزب الله، في إدارة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الصراع. وهنا اكتسبت إدارة الأزمة بعداً مؤسساتياً يتجاوز البعد العسكري، حيث لعب رئيس مجلس النواب نبيه بري دوراً محورياً في مسار الاتصالات والمفاوضات السياسية، مستفيداً من شبكة علاقاته العربية والدولية الممتدة منذ عقود. وقد ساهمت قنوات التواصل التي حافظ عليها بري مع عدد من العواصم العربية، ولا سيما مع قطر والسعودية، في إبقاء المسارات السياسية مفتوحة وصولاً إلى احتواء تداعيات الحرب وعدم المس بالاستقرار.

ومن هذه الزاوية، فإن النضج الاستراتيجي الذي أفرزته الحرب لم يكن عسكرياً فقط، بل ظهر أيضاً في قدرة البيئة السياسية الحاضنة على الدمج بين العمل الميداني والعمل الدبلوماسي، وبين إدارة المواجهة وإدارة التفاوض في آن واحد. فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح فقط، بل أيضاً بالقدرة على بناء القنوات السياسية التي تمنع الانهيار وتؤسس لشروط الخروج من الأزمات.

وهكذا، يمكن القول إن التجربة اللبنانية خلال هذه الحرب أظهرت تكاملاً بين دور المقاومة في لبنان في الميدان وبين الدور السياسي الذي اضطلع به “الثنائي الشيعي”، الأمر الذي ساهم في إنتاج مستوى أعلى من المرونة السياسية والمؤسساتية في مواجهة واحدة من أخطر الأزمات التي عرفها لبنان في العقود الأخيرة.

ومن هنا يمكن القول إن الحرب لم تنتج فقط معادلات ردع جديدة، بل أنتجت أيضاً خبرة استراتيجية جديدة. فكل جولة من الصراع أضافت طبقات جديدة من المعرفة العملية حول كيفية إدارة الحروب المركبة، والتعامل مع الاغتيالات، واحتواء الأزمات، والحفاظ على التماسك الداخلي تحت أقصى درجات الضغط.

وقد تجلت مظاهر هذا النضج في عدة مستويات:

  • أولاً، القدرة على استيعاب الصدمات الكبرى دون انهيار منظومة القرار.
  • ثانياً، الانتقال من ردود الفعل الانفعالية إلى إدارة أكثر برودة وحساباً للصراع.
  • ثالثاً، الدمج المتزايد بين الأدوات العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية.
  • رابعاً، تعزيز المرونة المؤسساتية وتوزيع مراكز القرار.
  • خامساً، اكتساب خبرة تراكمية في إدارة الصراعات متعددة الجبهات وفي التعامل مع بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
  • سادساً، تحويل الخسائر الكبرى إلى فرصة لإعادة التعلم المؤسسي وإنتاج أنماط جديدة من التفكير الاستراتيجي، وهو ما يشكل جوهر مفهوم “النضج الاستراتيجي”.
إقرأ على موقع 180  ليس لنا إلا الله.. و"الصندوق"

في المقابل، تطرح الحرب أسئلة جدية حول مدى حدوث عملية نضج استراتيجي مماثلة داخل “إسرائيل”. فبالرغم من التفوق العسكري والتكنولوجي الكبير، أظهرت الممارسة الإسرائيلية خلال مراحل متعددة من الصراع ميلاً متكرراً إلى توسيع الأهداف السياسية والعسكرية دون وضوح نهائي في الرؤية الاستراتيجية أو في شكل التسوية المطلوبة أو في تصور اليوم التالي للحرب.

وفي الوقت الذي تحدثت فيه بعض القيادات الإسرائيلية عن القضاء الكامل على الخصوم أو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بصورة جذرية، كانت أصوات أخرى داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية تتحدث عن حدود القوة العسكرية وعن صعوبة تحقيق أهداف سياسية نهائية عبر الوسائل العسكرية وحدها. كما عكست وسائل الإعلام الإسرائيلية بصورة شبه يومية حجم التناقضات القائمة بين الحكومة والمعارضة، وبين المستوى السياسي والمستوى العسكري، وبين أولويات الحرب ومتطلبات المجتمع الإسرائيلي.

ومن منظور النضج الاستراتيجي، فإن تعدد الآراء ليس مشكلة بحد ذاته، بل إن المشكلة تظهر عندما يتحول التناقض إلى غياب لرؤية استراتيجية مستقرة حول الغاية النهائية من الحرب. فالنضج الاستراتيجي يفترض وجود انسجام نسبي بين الأهداف السياسية والوسائل العسكرية والنتائج المرجوة، بينما بدت الساحة الإسرائيلية في كثير من الأحيان أسيرة جدل مستمر حول معنى النصر نفسه وشكله وحدوده.

كما برزت خلال الحرب نزعات توسعية لدى بعض التيارات السياسية والدينية والقومية التي ربطت الصراع بأهداف تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة نحو تصورات أيديولوجية مرتبطة بمشاريع جغرافية وتاريخية أوسع. وقد انعكس ذلك في تصريحات متكررة صدرت عن شخصيات وأحزاب اعتبرت أن الحرب تمثل فرصة لإعادة صياغة المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة وفق رؤى تتجاوز حدود التسويات التقليدية، وهي رؤى ترتبط لدى بعض الأوساط السياسية بمفاهيم مثل “إسرائيل الكبرى” أو فرض وقائع إقليمية جديدة بالقوة.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن أحد مؤشرات النضج الاستراتيجي هو القدرة على التمييز بين الأهداف الممكنة والأهداف الأيديولوجية القصوى. فكلما اتسعت الفجوة بين الإمكانات الواقعية والطموحات العقائدية، ارتفع خطر الوقوع في ما يسميه بعض منظري العلاقات الدولية “التضخم الاستراتيجي”، أي توسيع أهداف الصراع إلى درجة تجعل تحقيقها أكثر صعوبة واستنزافاً.

كما أن الجدل المتكرر داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن اتفاقات التهدئة أو التسويات السياسية أظهر انقساماً عميقاً حول مستقبل الصراع. فبينما رأت شرائح واسعة أن الاستمرار في الحرب المفتوحة لا يوفر بالضرورة حلولاً مستدامة، تمسكت قوى أخرى بخيارات أكثر تشدداً، رافضة أي تسوية لا تؤدي إلى تحقيق أهداف قصوى وشاملة. وقد ساهم هذا الانقسام في تعقيد عملية بناء رؤية استراتيجية موحدة لما بعد الحرب.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحرب بوصفها لحظة كشفت تبايناً بين مسارين مختلفين: مسار دفع إيران ومحور المقاومة نحو تطوير أدوات التكيف وإعادة بناء منظومات إدارة الأزمات، ومسار أظهر داخل إسرائيل استمرار التوتر بين الحسابات الاستراتيجية الواقعية وبين التصورات الأيديولوجية التي تسعى إلى فرض أهداف تتجاوز حدود التوازنات الفعلية القائمة في المنطقة.

وبذلك، فإن المقارنة بين الطرفين لا تتعلق بمن يمتلك قوة أكبر أو موارد أكثر، بل بمن استطاع تحويل تجربة الحرب إلى عملية تعلم استراتيجي ومراجعة مؤسساتية عميقة، ومن بقي أكثر ارتباطاً بخطابات القوة والحسم النهائي والأهداف القصوى التي يصعب تحويلها إلى واقع سياسي مستقر.

إن أهمية الحرب الأخيرة لا تكمن فقط في ما دمرته أو غيرته على الأرض، بل في ما أنتجته من تحولات داخل العقل الاستراتيجي نفسه. فقد دفعت إيران ولبنان إلى إعادة تقييم أدواتهما وأساليب عملهما وآليات اتخاذ القرار فيهما، وأفرزت جيلاً جديداً من الخبرات السياسية والأمنية والعسكرية قد يشكل أساساً لإطار مفاهيمي جديد في إدارة الأزمات والصراعات طويلة الأمد.

وعليه، فإن النتيجة الأهم لهذه الجولة من الحرب قد لا تكون مرتبطة بخرائط السيطرة أو بحجم الخسائر فقط، بل بظهور ما يمكن تسميته بـ«النضج الاستراتيجي»، أي قدرة الفاعل السياسي على تحويل الصدمات الوجودية والخسائر الكبرى إلى فرصة لإعادة بناء منظومات القرار والتكيف المؤسسي وتطوير أدوات إدارة الصراع.

فالحروب الكبرى لا تعيد رسم الخرائط فحسب، بل تعيد أيضاً تشكيل العقول الاستراتيجية التي تديرها. وربما يكون هذا التحول هو الإرث الأهم الذي ستتركه هذه الحرب في إيران ولبنان خلال السنوات المقبلة، ليس باعتباره انتصاراً أو هزيمة بالمعنى التقليدي، بل باعتباره انتقالاً من مرحلة إلى أخرى في فهم الصراع وإدارة الأزمات وصناعة القرار الاستراتيجي.

Print Friendly, PDF & Email
غادة حب الله

أكاديمية وباحثة، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  مقامرة أردوغان الأخيرة