ترامب.. وحربُ الخطوط الحمر الفاشلة!

العودة إلى الحرب المفتوحة على إيران غير متصورة في أي مدى منظور، كما أن البقاء في المربع الحالي، بين الهجمات المتقطعة والعودة الهشة إلى التفاوض، شبه مستحيل.

كانت مذكرة التفاهم، بنصوصها وسياقها، اضطرارية تمامًا، تقبلها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» تحت ضغط المعارضة الداخلية، خشية خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية الوشيكة لمجلسي الكونجرس، متصورًا أنه يمكن تسويقها باعتبارها إنجازًا كبيرًا أخفق الرئيس الأسبق «باراك أوباما» في تحقيق مثله.

كان ذلك خداعًا للنفس قبل الآخرين، لكن الحقائق داهمته بقسوتها.

أخفقت رهاناته في زحزحة الخطوط الحمر الإيرانية، عبر التوصل إلى صفقة تتيح له السيطرة على مضيق هرمز، وإنهاء المشروع النووي مقابل فك الحصار البحري عن موانئها، وإيقاف الحروب على جميع الجبهات، ولا سيما اللبنانية، والإفراج عن الأموال المجمدة التي تحتاج إليها لتخفيف حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة.

كانت السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي اختبارًا أول، فيما كان المشروع النووي اختبارًا مؤجلًا للتفاوض عليه خلال ستين يومًا، أما الحرب على لبنان فكانت عقدة الموقف كله.

في اللحظة الحالية، ينتظر رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ضوءًا أخضر أمريكيًا لشن حرب جديدة على إيران، لكن تعقيدات الحسابات الأمريكية تحول دون هذا السيناريو، الذي يُتوقع أن يطرحه خلال لقائهما المرتقب في البيت الأبيض.

كان التورط في الحرب، بتحريض إسرائيلي، كارثيًا على الولايات المتحدة، في صورتها ومصالحها، وعلى «ترامب» شخصيًا، في وزنه واعتباره.

وبدوره، سوف يحاول إقناع حليفه الإسرائيلي بأن عقد اتفاق سلام مع لبنان خيار أفضل وأكثر جدوى للأمن الإسرائيلي من حرب مفتوحة لا أمل في كسبها.

***

«مذكرة التفاهم انتهت».

كان ذلك تصريحًا ترامبيًا مثيرًا، بنصه وتوقيته ومكان إطلاقه، من العاصمة التركية أنقرة، التي استضافت قمة جديدة لحلف «الناتو»، وكأنه دعوة إلى الحلفاء الغربيين للمشاركة في أي عمل عسكري قد يُقدم عليه، بذريعة حماية حرية الملاحة في هرمز.

وصلت حملة التصعيد إلى مستويات خطرة ومنذرة: «الإيرانيون أوغاد، وحثالة، وعنيفون».

ومرة بعد أخرى، توعد بضربات ساحقة تقوض سيطرتهم على هرمز، أو تدمر أي قدرة عسكرية لديهم تسمح بتعطيل الملاحة أو فرض السيطرة على المضيق.

على مدى يومين متتاليين، ضُربت مواقع إيرانية استراتيجية وعسكرية، قبل أن يعود ويفتح نافذة التفاوض.

وكعادته، أوحى بأن الإيرانيين هم من طلبوا استئناف التفاوض، مبدين استعدادًا لعقد صفقة معه وفق شروطه.

«الأمر لا يتعلق بتغيير النظام، لكننا لا نريد أن يحصلوا على سلاح نووي».

في المقابل، رد الإيرانيون بعبارات متحدية: «إنه لا يفهم إلا لغة القوة»، و«إذا كان هناك من يراهن على استسلامنا، فلن نفعل ذلك أبدًا»، بحسب تعبير رئيس البرلمان «محمد باقر قاليباف».

وحملت مشاهد تشييع جثمان المرشد الأعلى «علي خامنئي»، بزخمها الاستثنائي، تحديًا قويًا ومباشرًا لـ«ترامب»، يؤكد قوة النظام وتجذر مؤسساته وتماسك جبهته الداخلية.

ولم يتمالك “ترامب” أعصابه، وهو يستعيد المشهد الجنائزي المهيب أثناء حضوره قمة «الناتو».

فأخذ يهاجم المرشد الراحل، قاصدًا في الوقت نفسه الإيرانيين الذين يبجلون من وصفه بـ«القاتل».

وبدا لافتًا للانتباه أن يقول: «سوف أسأل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إذا ما كانا يريدان مواصلة التفاوض»، وكأنها مسألة شخصية تتعلق بإرادة من يريد، أو لا يريد، من كبار معاونيه.

كان المقصود، برغم عشوائية حديثه الظاهرة، أن يواصل استهداف المواقع والتمركزات العسكرية التي تساعد الحرس الثوري على إحكام سيطرته على هرمز، ثم يعود مرة أخرى إلى التفاوض.

بمعنى أدق، إعادة التفاوض على مذكرة التفاهم بهدف زحزحة الخطوط الحمر الإيرانية.

هذا ما حدث وفق السيناريو المعتاد، لكن من غير المتوقع أن يقدم الإيرانيون أي تنازلات بشأن المضيق أو السيطرة عليه.

وموضوع التفاوض هذه المرة هو إعادة تفسير المادة الخامسة من مذكرة التفاهم المتعلقة بحرية الملاحة في هرمز، حيث يتهم كل طرف الآخر بخرق هذه المادة.

غير أن الحقيقة هي أن الأزمة ليست هنا؛ فالنص واضح وصريح، ولا يتضمن التباسات تحول دون الالتزام المتبادل.

ويقول الإيرانيون: «الالتزام مقابل الالتزام».

***

الأزمة لا يلخصها تفسير لهذا النص أو ذاك في مذكرة التفاهم.

يكمن جوهر الأزمة، على وجه التحديد، في الروح العامة للمذكرة، التي توحي، بمجرد قراءتها، بأننا أمام اعتراف أمريكي بهزيمة استراتيجية في الحرب على إيران.

«الحرب على إيران كانت ناجحة تمامًا».

«قمنا بتدمير الجيش الإيراني ورادارات الطائرات، وقضينا على قادتهم».

غير أن مثل هذه التصريحات، التي كررها «ترامب» في أنقرة، ولا يكف عن إطلاقها في خطاباته ومداخلاته، لم تمنع من ترسيخ حقيقة المأزق الذي يجد نفسه فيه، إذ لم يعد أحد يصدق أنه انتصر فعلًا.

وفي خضم فوضى التصريحات المتناقضة، قال: «القادة الإيرانيون أصبحوا أكثر عقلانية الآن».

ثم التفت إلى الداخل الأمريكي، خشية أن يُفهم من لهجته الخشنة أنه قد يجر البلاد إلى حرب مفتوحة جديدة لا مصلحة لها فيها، فقال: «لا أعتقد أننا مقبلون على حرب طويلة».

إقرأ على موقع 180  الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران: قراءة في الأهداف والآفاق

ويعزز خيار الامتناع عن أي مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران أنه لم يحصل على أي دعم من قمة «الناتو».

وقبل أن يغادر أنقرة، قال: «الأوروبيون لم يساعدونا في الحرب، ولا نحن في حاجة إلى مساعدتهم».

الشيء ونقيضه في جملة واحدة؛ فلا تدري: هل هو يطلب مساعدة عسكرية، أم يؤكد أنه ليس في حاجة إليها؟

ولدى تلخيصه نتائج قمة «الناتو»، اكتفى بالقول إنها «كانت ناجحة جدًا»، من دون أن يوضح الأساس الذي بنى عليه حكمه، باستثناء قرار رفع مساهمة دول الحلف في الإنفاق الدفاعي إلى 5% من ناتجها القومي.

ولم يصدر عن القمة أي موقف يتعلق بتقديم مساندة عسكرية محتملة في أي مواجهة مع إيران.

وبرغم جلوس الرئيس الأوكراني «فولوديمير زيلينسكي» إلى جواره في مؤتمر صحفي، في ما بدا محاولة لترضية الأوروبيين، فإنه لم يكن لديه ما يقوله بشأن الحرب الأوكرانية سوى عبارات عامة لا تعني شيئًا، ولا يأخذها أحد على محمل الجد.

وفي ظل هذه الأجواء كلها، تبدو حرب الخطوط الحمر نسخة فاشلة جديدة من الحرب على إيران.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  لبنان: وقف إطلاق نار.. بلا وقف ولا نار