من زمن القطبين.. و”البونسيانا” إلى “العصر التريليوني”

أعيش اليوم حالة نادرة وعجيبة؛ فمن كل صوب تهب نسمة، وتارة أخرى تهب زوبعة، تحمل كل منهما حزمة من الذكريات عن مرحلة أو أخرى من مراحل تكويني الإنساني والأكاديمي والسياسي. بحثت عن سبب لعله يخفف بعض العجب. لم يطل بحثي، إذ وجدت السبب أمامي وأنا أراجع على شاشة جهازي مجمل ما ورد عليها مؤخراً من تطورات دولية وإقليمية ومصرية، ومن ملخصات وردود فعل عليها وتعليقات وإضافات. كانت هذه المراجعة هي الثانية المتأنية بعد القراءة الصباحية المبكرة، وعادة ما تكون سريعة وخاطفة.

قرأت فيما رأيت على الشاشة أن أموراً خطيرة استجدت، وأموراً أخطر تستعد لأن تستجد. شيء ما جعلني أتوقف عن القراءة، وأغلق الجهاز، وأنهض من مقعدي، وأتوجه نحو ركني المفضل في غرفة مكتبي، وهو الركن المطل على شجرتي الأحب، شجرة البونسيانا، الشجرة التي تذكرني ببعض أحلى سنوات عمري، سنوات عشتها شاباً مع شقيقاتها من الأشجار المنتصبات الباسقات جمالاً وألواناً على جانبي الشارع الهادئ بحي المهندسين، ومع غصن تدلى منها حتى صار يدخل إلى غرفتي، نخرجه مع الليل ويعود من تلقاء نفسه مع بدء ساعات العمل في صباح اليوم التالي.

***

نشطت الذاكرة وتدفقت الذكريات. اختلطت التطورات الأحدث التي كنت أقرأ عنها في جهازي بتفاصيل تطورات شبيهة، وإن ليست متطابقة، كنت شاهداً عليها أو دارساً لها وممتحناً فيها. أذكر أنني كنت أستعد لامتحانات السنة النهائية في كلية التجارة، وكلي شغف وتطلع لسؤال في العلاقات الدولية عن ثمار ومثالب نظام القطبين بالنسبة لنا في مصر المتطلعة وقتذاك، أو المستجيبة لنداءات من الإقليم ومن خارجه، لتلعب أدواراً إيجابية في السياسة الدولية.

***

مر عام، وقرب نهايته كنت أؤدي امتحانات التقدم للعمل بوزارة الخارجية، وفي صدارة الأسئلة سؤال كثير التردد عن المواقف الدولية من حرب السويس، مركزاً في الإجابة على المواقف العربية، وبخاصة مواقف شعوب وقادة الخليج والمغارب العربية، ومستفيضاً في شرح دور إسرائيل في التحضير لحرب “دولية” تشنها بريطانيا العظمى وفرنسا ضد مصر، وتنفذ إسرائيل دوراً فيها يخدم حلم إقامة “إسرائيل الكبرى”، ومستفيضاً كذلك في شرح موقف، أو مواقف، القطبين الأعظم، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، من الحرب. أذكر، بين ما أذكر من الأسئلة، سؤالاً أجمع على توجيهه عدد من الممتحنين عن أسباب الأهمية القصوى التي تحظى بها قناة السويس كموصل مؤتمن بين الشرق والغرب، والاتفاقات الدولية المتعلقة بهذا الشريان، وحق مصر وواجباتها إزاءه. وأذكر سؤالاً آخر عن أسباب ودواعي النصر السياسي الذي حققناه.

***

بكلمات أخرى، كان العالم المعروف وقتذاك، وبخاصة الجزء العربي منه، يغلي فوق نار تطورات خطيرة استجدت خلال السنوات التي أعقبت الحرب العالمية. استجدت حرب في كوريا لعبت فيها الصين دوراً أساسياً، وشكلت الولايات المتحدة حلفاً أطلسياً لردع الاتحاد السوفييتي عن التمدد غرباً في أوروبا وجنوباً في البحار الدافئة، وتحررت الهند من الاستعمار البريطاني، وتولى الحكم في الصين حزب شيوعي بعد أن حرّر البلاد من احتلال قاس وإقطاع رهيب، وأقيمت دولة إسرائيل بدفع من المملكة المتحدة، وتفجرت طاقات هائلة في العالم العربي وفي إفريقيا نتيجة تغيير نظام الحكم في مصر وإعلان الجمهورية وتبني سياسة خارجية نشطة، وإن كانت مكلفة، وتحررت شعوب عديدة من قيود الاستعمار، واجتمعت حكوماتها في باندونج لتحمي استقلالها وتواصل مهمة تحرير شعوب بقيت تحت سيطرة أو حكم الاستعمار.

***

أشحت بوجهي بعيداً عن الشاشة. لم يعد في طاقتي ما يسمح بالاطلاع على تطور جديد ثم متابعته وأنا قلق، وأحياناً متوتر. غريب على رجل في مثل عمري أن يقلق أو يتوتر. لا أبالغ، ولن أغوص في ذكريات لم يعشها أغلب من عرفت كما عشتها. لا أنكر أن عندي من الوقت، أصله وفائضه، ومن راحة البال، أصلها وفائضها، ما يسمح نظرياً بأن أغوص مطولاً في مقارنات بين مستجدات تفرض نفسها على شاشتنا، متلونة عناوينها بشتى الألوان المنبهة لعيوننا، وبين مستجدات كانت مثيلاتها في وقتها تفرض نفسها على مسامعنا، مزودة بأجراس تفتقر إلى النعومة، يصدرها جهاز “التيكرز” المقيم في غرفة القراءة والكتابة. لكني لا أنكر، في الوقت ذاته، أن نعمة، أو نقمة، الفضول لا تزال تهيمن وتحرك وتداعب وتعاقب أكثر وأشد مما كانت تفعله أي فضيلة أو رذيلة أخرى!

***

عدت إلى الشاشة لأرى قائمة بتطورات استجد بعضها خلال الليل المنصرم، وتطورات تجمد بعضها عند مستوى معين، مستوى ما صار يعرف بالطبقة السياسية الجديدة، وتطورات مدانة بالزيف أو الكذب، أو بتأثير أمراض مثل الشعور بالعظمة الفادحة، أو عبادة الذات، أو الحق في الألوهية، وهذا الأخير هو الأسوأ على الإطلاق. رأيت عناوين تطورات تدهورت بفعل السقوط في مستنقعات الإبادة والاغتيال وتدمير المساكن والمستشفيات والمدارس، وتطورات استجدت لتسد خانة تسبب فيها تحول جذري في نوع ومحتوى الطبقة الاجتماعية الأعلى في المجتمعات عامة، والرأسمالية بخاصة. أسرد فيما يلي عناوين مفصلة لعدد قليل جدا، ولكنه خطير للغاية، لبعض ما نشر صباح هذا اليوم والأيام اللاحقة حول تطورات استجدت مؤخراً وتستمر في التطور:

***

أولاً، معلومات عن ثروة أحد قادة ثورة التحول إلى عصر الوسائل الرقمية، ومناقشة لفلسفة هذا التحول وطبيعته، والحجم المتصور لمتوسط الثروة الفردية والعائلية، وحجم النفوذ السياسي الناتج عن تراكمات هذه الثروات، وتقديرات للآثار الناجمة عن التصنيف المبتكر حديثاً لشكل المجتمعات وطبيعة الاستثمارات، وتفسيرات وراء التركيز على مشروعات في الفضاء، ووصولاً إليه، والتقاتل فيه. أتحدث هنا عن اقتصادات وسياسات ومعتقدات قادة طبقة “العصر التريليوني”.

إقرأ على موقع 180  لبنان: معركة لإقامة النظام، لا لإسقاطه

***

ثانياً، ليس أقل أهمية وخطورة ما يبث علينا هذه الأيام من معلومات عن مستجدات تقودنا إلى الظن بأن إسرائيل تواجه انحساراً مؤكداً في شعبيتها، وبخاصة في المجتمعات الأوروبية، وفي أمريكا ذاتها. ترامب نفسه، وهو الرجل الذي يتفاخر بأنه الرئيس الذي أعطى إسرائيل بعض ما كانت تحلم به ولم يحققه لها رئيس آخر، ألمح أكثر من مرة إلى هذا المستجد الخطير وغير المتوقع، والخارج عن كل الحسابات السياسية والإعلامية لواشنطن ولندن وباريس. أعتقد، وآخرون كثيرون، أنه لم يكن يود أن يحدث هذا التطور. وأعتقد أيضاً أن كثيرين، وبخاصة قادة الأجهزة الأمنية، يحسبون الآن ألف حساب لما يمكن أن تفعله إسرائيل، ليس فقط لتستعيد مكانتها وهيبتها ومكانها في معادلة الشرق الأوسط، ولكن أيضاً في معادلات الجماعات السيبرانية العالمية والصناعة الرقمية، وكذلك لاستعادة الأدوار السياسية والمالية المهيمنة على الأسواق، وبشكل خاص على المجتمع “التريليوني” الجديد.

لا أظن أنني أبالغ، وبالتأكيد لن أكون مبالغاً لو صرحت بأن رد فعل إسرائيل المتوقع لتدهور مكانتها وشعبيتها يرقى، أو يسقط، في نظري إلى حد اعتباره مسألة حياة أو موت، ليس فقط بالنسبة لإسرائيل، ولكن أيضاً لدول أخرى في الشرق الأوسط، وربما في أوروبا أيضاً.

***

ثالثاً، سمعت مؤخراً أن في الصالونات يتحدث المثقفون همساً عما يطلقون عليه “الظاهرة الإيرانية”. ويتحدثون أيضاً عن هذه الظاهرة باعتبارها متغيراً رئيساً في صنع مستقبل المنطقة ومستقبل علاقات الدول المتوسطة بعالم الكبار. ويركزون على العناصر التالية:

(1) حيازة السلاح النووي، صنعاً أو شراء، صارت خياراً أول.

(2) تجددت قاعدة في صراعات الكبار مع الدول المتوسطة القوة والحجم، خلاصتها أن لا انتصار يحققه الكبار في نهاية نزاعاتهم مع الدول المتوسطة، ولا هزيمة تحيق بهذه الدول. والظاهرة الأوكرانية بدورها تعزز هذه القاعدة، وتعززها أيضا عمليات قصف إيران مواقع في الدول العربية المتحالفة مع أمريكا.

(3) إجراءات صنع شرق أوسط جديد، وتعدد خطوات انفراط دول عربية من داخلها، وإعلانات خبيثة أو تحت عناوين متهورة من نوع “نهاية التاريخ العربي”، اجتمعت لتسابق خطوات انفراط النظام الإقليمي، أقصد القومي العربي.

(4) واشنطن تعيد، وبسرعة، شحن مولدات الصراع القطبي بين الولايات المتحدة والصين، وأوروبا تراجع حساباتها.

***

إنه، بحق، لعالم مختلف… مختلف… مختلف.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

 

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

دبلوماسي مصري سابق، كاتب متخصص في القضايا الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free online course
إقرأ على موقع 180  عندما تنتج الديمقراطية.. أسوأ الدكتاتوريات