بين ليلة وضحاها، تحول مسلمو أمريكا من أفراد عاديين يمارسون حياتهم كأي أمريكيين آخرين إلى موضع شك واتهام جماعي لم يسبق له مثيل في التاريخ الأمريكي الحديث. واليوم، بعد خمسة وعشرين عامًا، تبدو المفارقة صارخة: فالجالية نفسها التي وُضعت تحت المراقبة وضمن شبكة من الشكوك، تقف الآن أمام أكبر فترة صعود سياسي في تاريخها، والتي جسدتها مؤخرًا انتصارات زهران ممداني وعبد الرحمن السيد.
***
عقب هجمات 11 سبتمبر(أيلول)، وجد المسلمون الأمريكيون أنفسهم في موقع الدفاع عن دينهم وهويتهم وولائهم. وتأسست برامج مراقبة استهدفت المساجد والمنظمات الإسلامية، وسُنّت قوانين مثل «قانون الوطنية» (Patriot Act)، وأصبح يُنظر إلى أماكن العبادة وتجمعات المسلمين بريبة أمنية. كما خضع عشرات الآلاف من الرجال المسلمين لتسجيل إجباري بموجب برامج المراقبة الفيدرالية.
في ظل هذا المناخ، أحجم كثير من الشباب المسلم الذي كان يتطلع إلى دخول حلبة العمل السياسي عن ذلك، خوفًا من أن يُستخدم انتماؤهم الديني سلاحًا ضدهم في أي معركة انتخابية. كما أصبح مجرد التبرع المالي لحملة سياسية بمثابة مخاطرة لم تكن موجودة من قبل، وآمن الكثيرون بأن أي مرشح يُوصف بأنه «قريب من دوائر إسلامية» سيخسر تأييد شريحة واسعة من الناخبين. ونتج عن ذلك أن جيلًا كاملًا من المسلمين الأمريكيين نشأ وهو يرى المشاركة السياسية خطرًا وصداعًا يجب تجنبه.
هذا الخوف لم يكن مجرد شعور فردي عابر، بل انعكس فعليًا في ندرة المرشحين المسلمين، وفي غياب شبه تام لأصوات مسلمة مسموعة في أروقة الكونغرس أو المجالس المحلية في مختلف الولايات طوال العقد الأول بعد الهجمات، حتى بات وجود مسؤول منتخب يحمل اسمًا عربيًا أو إسلاميًا حدثًا استثنائيًا.
***
لكن دورة التاريخ لا تتوقف. وعلى مدى العقدين التاليين، عمل مسلمو أمريكا بصمت وبإصرار على إعادة بناء الثقة مع مجتمعهم الأمريكي الأوسع، لا عبر خطابات كبرى بقدر ما كان ذلك عبر تراكم طبيعي من الحضور والإسهام. وبرز دور أطباء مسلمين في مواجهة جائحة كورونا، وزادت أعداد المعلمات المرتديات للحجاب في الكثير من المدارس الحكومية والخاصة، وحارب الآلاف منهم ضمن القوات المسلحة الأمريكية حول العالم، ورفعت الأمريكية المسلمة «ابتهاج محمد» ميدالية في أولمبياد ريو عام 2016 وهي ترتدي الحجاب.
هذا الحضور، وغيره، تراكم ليفكك تدريجيًا الصورة النمطية التي رسختها أحداث سبتمبر في الوعي الجمعي الأمريكي. ولعب الجيلان الثاني والثالث من المسلمين الأمريكيين ــ المولودين والمتعلمين بالكامل في الولايات المتحدة ــ دورًا رئيسيًا في هذا التحول، إذ نشأ هذا الجيل وهو يرى نفسه أمريكيًا بامتياز، لا يحتاج إلى إثبات ولائه لأحد، خلافًا لجيل آبائه المهاجرين الذين حملوا عبء «الوافد الجديد» لعقود.
***
جاءت الحرب على قطاع غزة لتدشن بداية جديدة أعادت تشكيل خريطة المشاركة السياسية للمسلمين وحلفائهم بشكل جذري وسريع. ودفعت صور الدمار والقتل اليومية، وارتفاع أعداد الضحايا، شريحة واسعة من الشباب الأمريكي ــ مسلمين وغير مسلمين ــ إلى الشارع للاحتجاج، وإلى صناديق الاقتراع للتصويت. وتظهر استطلاعات الرأي تحولًا لافتًا في المزاج الأمريكي العام تجاه القضية الفلسطينية، إذ باتت نسبة متزايدة من الأمريكيين، خصوصًا من الشباب، أكثر تعاطفًا مع معاناة الفلسطينيين مقارنة بالسنوات السابقة.
هذا الغضب الأخلاقي الجماعي، الذي تجاوز الحدود الدينية والعرقية، خلق تحالفًا انتخابيًا غير مسبوق بين الناخبين المسلمين والتقدميين من مختلف الخلفيات. وفي هذا السياق، برزت حالتان لافتتان اختصرتا مسيرة مسلمي أمريكا السياسية خلال ربع قرن:
فوز زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، ليصبح أول مسلم يتولى هذا المنصب في تاريخ المدينة، ونجاح الدكتور عبد الرحمن السيد (عبدول) في حسم بطاقة الترشح للحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، في مسار قد يجعله أول سيناتور مسلم أمريكي حال فوزه في الانتخابات العامة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وجدير بالذكر أن الرجلين لم يخفيا انتماءهما الديني أو مواقفهما من الحرب، بل جعلاهما جزءًا رئيسيًا من خطابهما السياسي العلني، في قطيعة واضحة مع جيل سابق من السياسيين المسلمين ممن فضلوا التزام الحذر الشديد وتجنب الحديث عن الهوية الدينية أو قضايا الشرق الأوسط خوفًا من كلفة انتخابية محتملة.
***
لكن هذا الصعود لا يعني أن المعركة قد حُسمت بأي حال. فبالتوازي مع تصاعد الحضور السياسي للمسلمين، تسجل المنظمات الحقوقية أرقامًا قياسية جديدة في حوادث الإسلاموفوبيا، إذ تجاوزت الشكاوى الموثقة في العام الماضي وحده نحو 8700 حالة، وهو الرقم الأعلى منذ بدء التوثيق قبل ثلاثة عقود. كما لم يتردد الرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس في توجيه اتهامات مباشرة إلى المرشحين المسلمين.
هذا النمط من الهجوم السياسي المباشر على الهوية الدينية يكشف أن المسلمين الأمريكيين، رغم كل ما أنجزوه، لا يزالون يُعاملون في أحيان كثيرة كجالية مطالبة بإثبات براءتها بشكل دائم ومتكرر، لا كمواطنين يمارسون حقًا سياسيًا طبيعيًا مكفولًا للجميع.
والسؤال الذي يواجه مسلمي أمريكا اليوم ليس ما إذا كانوا سيستمرون في مسيرتهم السياسية، فهذا أمر قد حُسم بالفعل، بل كيف يوازنون بين الاستفادة من الزخم الانتخابي الراهن من ناحية، وكيف يتعاملون، من ناحية أخرى، مع موجات الهجوم المرتقبة التي يبدو أنها لن تتوقف قريبًا. فالتاريخ يُعلّم أن كل صعود سياسي لأقلية يقابله عادةً رد فعل معاكس من قوى ترى في هذا الصعود تهديدًا لمكانتها التقليدية، قبل أن تصبح هذه الأقلية جزءًا معترفًا به من النسيج الأمريكي. والنجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بعدد المقاعد التي يفوز بها المرشحون المسلمون في هذه الدورة الانتخابية أو تلك، بل بمدى قدرتهم على ترسيخ حضورهم كجزء أصيل لا يتجزأ من النسيج الأمريكي.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
محمد المنشاوي
كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن
