أرباح بلا نصر.. الاقتصاد الخفي للحرب الأميركية على إيران

في الحروب التقليدية، يكون النصر هو الغاية التي تُقاس بها الكلفة. أمّا في الحرب الأميركية على إيران، فثمة اقتصاد كامل يعمل خلف المدافع: كل صاروخ يُطلَق يحتاج إلى بديل، وكل مخزون ينخفض يفتح بابًا لتوسيع خطوط الإنتاج، وكل يوم يتعطل فيه مضيق هرمز يعيد تسعير النفط والشحن والتأمين والأسواق.

لكن دوران هذه الآلة المالية لا يعني أن الولايات المتحدة تربح. فالدولة تدفع من موازنتها ومخزوناتها وجاهزيتها العسكرية واحتياطها النفطي، والمواطن يتحمل جزءًا من الكلفة عبر الوقود والأسعار والضرائب، فيما تتحول أجزاء من هذا الإنفاق والاضطراب إلى إيرادات وعقود وقيم سوقية أعلى لشركات السلاح والطاقة وبعض مؤسسات المال.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: يمكن لواشنطن أن تعجز عن إخضاع إيران أو فتح مضيق هرمز أو تحقيق حسم استراتيجي واضح، فيما تستمر قطاعات خاصة في جني المكاسب من استمرار الحرب.

هذا لا يعني أن شركات السلاح أو النفط أو وول ستريت أشعلت الحرب، ولا توجد وثيقة تسمح بمثل هذا الاستنتاج. القضية أكثر تعقيدًا: نحن أمام بنية اقتصادية تستطيع تحويل جزء من الخسارة العامة إلى أرباح خاصة. الجيش يستهلك، والخزانة تدفع، والشركات تعيد الإنتاج، والأسواق تعيد التسعير، فيما ينتقل جزء كبير من الكلفة في النهاية إلى المجتمع.

من استنزاف الترسانة إلى طفرة العقود

ظهرت أولى الإشارات على شاشة البورصة. فبعد اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير، ارتفعت القيمة السوقية لشركات دفاع كبرى، بينها «لوكهيد مارتن» وRTX و«نورثروب غرومان»، بما يراوح بين 25 و30 مليار دولار في يوم تداول واحد.

لم تكن تلك الأموال أرباحًا دخلت خزائن الشركات، بل ارتفاعًا في قيمة الأسهم، أي أن السوق كان يراهن مسبقًا على ما سيأتي: استهلاك ذخائر أكبر، ثم عقود أكبر لإعادة ملء المخزونات.

وسرعان ما تحولت المسألة من توقعات بورصوية إلى إنفاق فعلي. ففي اليومين الأولين وحدهما، استُخدمت ذخائر قُدّرت قيمتها بنحو 5.6 مليارات دولار، وارتفعت كلفة الأيام الستة الأولى إلى 11.3 مليار دولار، قبل أن تصل الكلفة المباشرة المعلنة، بحلول 21 تموز/يوليو، إلى 37.5 مليار دولار.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين من الأرقام: ارتفاع القيمة السوقية مكسب ورقي للمساهمين، أما الإنفاق العسكري فهو مال خرج بالفعل من الخزانة العامة. الأول يعكس توقع الربح، والثاني يمول جزءًا من ذلك الربح.

ولم تكن الخسارة مالية فقط. فقد استنزفت المواجهة نسبًا كبيرة من مخزونات أسلحة أميركية عالية القيمة، من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى إلى «توماهوك» و«باتريوت» و«ثاد». وهذه ذخائر لا تخص الحرب الإيرانية وحدها، بل تدخل في حسابات أي مواجهة محتملة في آسيا أو أوروبا أو شبه الجزيرة الكورية.

بمعنى آخر، عندما يُطلق صاروخ اعتراضي باهظ الثمن اليوم، لا تخسر واشنطن ثمنه فقط؛ تخسر أيضًا جزءًا من مخزون كان يؤدي وظيفة ردع في مسرح آخر.

لكن ما يمثل استنزافًا للدولة يتحول إلى طلب جديد لدى المصنع.

بعد اجتماع في البيت الأبيض في 6 آذار/مارس ضم كبريات شركات الدفاع، وافقت الصناعة على توسيع إنتاج بعض الأسلحة وصولًا إلى أربعة أضعاف. وتبعت ذلك اتفاقات لتوسيع إنتاج مكوّنات «ثاد» والصواريخ الدقيقة ومنظومات الاعتراض.

وبحلول الصيف، بدأت هذه الدورة تظهر في دفاتر الشركات. ارتفعت إيرادات قسم الصواريخ والسيطرة النارية لدى «لوكهيد مارتن»، وقفز حجم طلبياتها غير المنفذة، بينما توالت عقود بمليارات الدولارات لزيادة الطاقة الإنتاجية.

الأهم أن هذه العقود لا تنتهي بانتهاء آخر طلقة. ففي نهاية آب/أغسطس، وقّع البنتاغون اتفاقات لسبع سنوات من أجل زيادة إنتاج مكونات أساسية لمنظومات «ثاد» و«باتريوت PAC-3 MSE».

وهكذا تستطيع المعركة أن تتوقف غدًا، فيما تستمر تدفقاتها المالية إلى المصانع عدة سنوات.

النفط من الاحتياطي الاستراتيجي إلى جيب المواطن

الطاقة تكشف الوجه الآخر للمعادلة. فارتفاع أسعار النفط قد يفيد المنتجين والمصافي، لكنه ليس مكسبًا صافيًا للاقتصاد الأميركي. إنه يرفع كلفة النقل والإنتاج والزراعة والسلع، ويضغط على التضخم، ثم ينتقل إلى المستهلك.

ولهذا اضطرت الإدارة إلى إدخال الاحتياطي النفطي الاستراتيجي نفسه إلى المعركة، ضمن عملية دولية ضخمة للإفراج عن مئات ملايين البراميل بهدف تهدئة السوق.

لكن البرميل الذي يُسحب اليوم لخفض السعر لا يعود متاحًا للأزمة التالية. وإذا انخفض الاحتياطي الأميركي إلى المستويات المتوقعة بعد عمليات السحب، تصبح قدرة واشنطن على التعامل مع اضطراب نفطي لاحق أقل مما كانت عليه قبل الحرب.

وفي الجهة المقابلة، حققت شركات نفط أميركية قفزات كبيرة في الأرباح، فيما قدّر محللون أن استمرار متوسطات مرتفعة لسعر البرميل يمكن أن يضيف عشرات المليارات من الدولارات إلى أرباح الصناعة خلال العام.

وبينما تتوسع أرباح بعض المنتجين والمصافي، تظهر الفاتورة عند محطة الوقود. ففي مطلع أيلول/سبتمبر بلغ متوسط سعر الديزل 5.85 دولارات للغالون، بزيادة كبيرة منذ بدء الحرب، فيما وصلت هوامش التكرير إلى مستويات استثنائية.

وهكذا يدفع المواطن مرتين: مرة بصفته دافع ضرائب يمول الانتشار والذخائر والعقود، ومرة ثانية عندما يشتري الوقود أو الغذاء أو السلع التي ارتفعت كلفة نقلها وإنتاجها.

إقرأ على موقع 180  "هآرتس": نتنياهو يَخضَع لبايدن ويُحمّل المسؤولية لكوخافي

وتصبح المفارقة أكثر سياسية عشية الانتخابات النصفية. فقد وعد ترامب في 9 أيلول/سبتمبر بدفع 5 آلاف دولار لكل أميركي بالغ إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس، في اقتراح يمكن أن تبلغ كلفته نحو 1.35 تريليون دولار ويحتاج إلى موافقة تشريعية. وقد وصف منتقدون الوعد بأنه محاولة لشراء الرضا الانتخابي، فيما قدّمه ترامب باعتباره «عائدًا» للأميركيين!

المفارقة هنا صارخة: المواطن الذي يتحمل جزءًا من كلفة الحرب وارتفاع الأسعار يُوعَد لاحقًا بتحويل نقدي هائل من الخزانة نفسها التي تمول الحرب.

وول ستريت تربح من التقلب

أما وول ستريت، فهي حالة أكثر تعقيدًا. فقد سجلت البنوك الاستثمارية الأميركية الكبرى مستويات مرتفعة جدًا من عائدات التداول، مستفيدة من التقلب الكبير في الأسهم والسندات والعملات والسلع.

لكن من غير الدقيق نسبة هذه الأرباح كلها إلى الحرب. الاقتصاد والأسواق يتأثران بعوامل كثيرة. الأكثر صلابة هو القول إن الحرب أصبحت أحد المصادر الكبرى للتقلب: النفط يتحرك، العملات تتغير، توقعات الفائدة والتضخم يعاد تسعيرها، وأسهم الدفاع والطاقة تتذبذب بعنف.

وفي مثل هذه البيئة، يكون التقلب نفسه سلعة، ومن يمتلك منصات التداول ورأس المال والمعلومات يستطيع تحويله إلى عائد.

بذلك تصبح الحرب، بالنسبة إلى القطاع المالي، أقل أهمية كحدث عسكري منها كمصدر مستمر لإعادة التسعير.

سعر أعلى للنفط لا يعني ربحًا أعلى

حتى حلفاء واشنطن الخليجيون لا يستطيعون التعامل مع ارتفاع النفط باعتباره مكسبًا خالصًا. إذا تعطلت حركة الملاحة في مضيق هرمز، ترتفع قيمة البرميل نظريًا، لكن القدرة على تصديره تنخفض، فيما ترتفع تكاليف الشحن والتأمين والأمن والنقل والغذاء.

وقد قفزت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن بصورة حادة. وبالتالي، ليس المهم فقط كم يبلغ سعر النفط، بل هل يمكن إخراجه من الخليج، وبأي كلفة، وتحت ضغط أي تهديد؟

وحتى إسرائيل شهدت الوجه نفسه من المعادلة: كلفة الحرب تتحملها الدولة والمجتمع على نطاق واسع، فيما تحقق شركات دفاعية مثل «إلبت سيستمز» استفادة من ارتفاع الطلب العسكري.

اقتصاد الاستنزاف

بعد أشهر من الحرب، لم تعد القضية تتعلق بعقد هنا وربح هناك. لقد نشأت دورة أوسع: انتشار عسكري يحتاج إلى وقود وصيانة ونقل واستخبارات؛ ذخائر تُستهلك فتتحول إلى طلبيات؛ احتياطي نفطي يُستخدم لكبح الأسعار؛ اضطراب في الأسواق تستفيد منه غرف التداول؛ ومصانع توسع طاقتها الإنتاجية على أساس طلب قد يمتد سنوات.

حتى الشركات الدفاعية الناشئة دخلت هذه الدورة، من المسيّرات منخفضة الكلفة إلى البرمجيات والذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستطلاع.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من مجرد البحث عن «الرابحين من الحرب».

الحرب ليست منجم ذهب لأميركا. إنها آلة لإعادة توزيع الأموال والمخاطر: الدولة تخسر من الموازنة والمخزونات والجاهزية، والمواطن يدفع في الوقود والأسعار، والحلفاء يتحملون اضطراب التجارة والطاقة، وإيران تتحمل القصف والحصار والدمار، فيما تحصل قطاعات محددة على العقود والإيرادات وهوامش الربح.

المشكلة، إذًا، ليست أخلاقية فقط ولا تختصر بوجود شركات تربح من الحرب؛ فهذا حدث في معظم الحروب منذ نشوء الصناعة العسكرية الحديثة.

المشكلة الاستراتيجية أعمق: ماذا يحدث عندما يصبح استمرار الاستنزاف مربحًا اقتصاديًا لبعض الفاعلين، حتى عندما لا يحقق للدولة التي تخوض الحرب مكسبًا استراتيجيًا موازياً؟

عند هذه النقطة، لا يصبح السؤال: مَن يربح من الحرب؟ بل: كم تستطيع الدولة والمجتمع أن يخسرا قبل أن تصبح أرباح الاستنزاف منفصلة تمامًا عن معنى الانتصار؟

 

Print Friendly, PDF & Email
علي دربج

باحث ومحاضر جامعي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  مَنْ يردَع مَنْ؟ سؤال القوة في شرقٍٍ يتبدّل