يكشف قائد “السنتكوم”، الجنرال برادلي كوبر، التحوّل في الرؤية الجديدة للقيادة المركزية الأمريكية، ويقدّمها كنسخة عسكرية عملية من الموازنة من الخارج ومشاركة الأعباء (burden sharing + offshore posture). فيصف دور “السنتكوم” بأنه “مدمِج وممكّن أمني إقليمي”، وليس بالضرورة القوة التي تتولى وحدها الأمن الإقليمي. بيد أنّ السؤال الأهم من “كيف ستعيد السنتكوم تشكيل الهيكلية العسكرية الأمريكية في الخليج؟” هو: “هل إعادة التصميم يؤمّن لها الحفاظ على النفوذ الأمريكي في المنطقة والمهيمن منذ سبعينيات القرن الماضي”؟ أم أنها خسرته ولن تستطيع تعويضه؟
تطرح دراسة حديثة صادرة عن مركز “ستيمسون” (Stimson) إعادة تصميم الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بحيث لا يمثل انسحابًا أمريكيًا، بل الانتقال من التمركز الكثيف والثابت إلى وجود أكثر مرونة وتوزعًا وأقل تعرضًا للصواريخ الإيرانية. والطرح يقارب استراتيجية الموازنة من الخارج (Beyond-the-Horizon posture). ويقوم على الآتي:
1) تخفيض حجم القواعد الأمريكية الدائمة وتركيزها؛
2) الإبقاء على الوصول العسكري إلى المنطقة؛
3) الاحتفاظ بمخزونات ومعدات مسبقة التموضع؛
4) استمرار القوات البحرية والانتشار الدوري للقوات؛
5) الحفاظ على شبكات الاستخبارات والاتصالات؛
6) تطوير خطط التعزيز السريع عند الحاجة.
كما يكشف تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” أن موضوع إعادة تصميم الوجود العسكري في الخليج دخل فعليًا إلى دوائر التخطيط في البنتاغون. والأهم أن “سنتكوم” نفسها وجّهت جزءًا من دراستها إلى إمكان تغيير مواقع القوات، مع بقاء التفاصيل غير معلنة. وبحسب التقرير، يجري تقييم إمكانية:
1) تقليص القوات الأمريكية في الخليج؛
2) عدم إعادة بناء بعض القواعد التي تضررت في الحرب بالشكل الذي كانت عليه؛
3) نقل بعض القوات غربًا بعيدًا عن مدى الصواريخ الإيرانية؛
4) وإعادة النظر في الاعتماد على القواعد الخليجية الكبرى.
هذه الطروحات وغيرها تتمحور كلها حول تخفيف الكلفة على الأمريكي مع الحفاظ على القدرة على الردع، فشهادة قائد “السنتكوم”، كوبر، تؤكّد أن “التهديدات” الإيرانية -بالمسمى الأمريكي- ما زالت موجودة، سواء في الملف النووي أو الصاروخي والباليستي، ما يحافظ على وضع الكيان المؤقّت داخل دائرة الخطر. وللمفارقة، تمكنت إيران، الدولة الإقليمية الصاعدة، من عرقلة المشروع الأمريكي.. والولايات المتحدة في أوجّ قوتها وحضورها العسكري في المنطقة، وحالت دون إقامة ترتيب إقليمي جديد تكون فيه “إسرائيل” ركيزة أمنية مدعومة أمريكيًا.
كيف حصل ذلك؟
من الواضح أن الحرب التي دخلها الحليفان الأمريكي و”الإسرائيلي” معًا ضد إيران (28 شباط/فبراير 2026) بهدف إضعافها وتمرير مشروع “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، أظهرت أن إيران ما زالت فاعلًا إقليميًّا رئيسيّاً بينما تعرّض النفوذ الأمريكي والبنية الأمنية التي بنتها واشنطن في الخليج لضربة كبيرة. لقد استهدفت الضربات الإيرانية البنية التحتية التي تجعل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ممكنًا، واستطاعت أن تشكّك ولأول مرة في تاريخ أمريكا الاستعماري الحديث في جدوى التفوّق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، وقدرة الولايات المتحدة على حماية قواعدها القريبة من إيران. الضربات الإيرانية المدروسة لم تلحق مجرد هزيمة عسكرية بالقواعد الأمريكية، بل أضرارًا بالقدرة الأمريكية على إدارة الحرب الإقليمية، حتى دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى نقل أصول وعمليات عسكرية خارج القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج.
وتكشف دراسة صادرة عن “مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير، يوفيد”، في 8 أيلول/سبتمبر 2026، منهجية الضربات الإيرانية في استهداف شبكة “السنتكوم” بوصفها منظومة مترابطة من قيادة وسيطرة، رادارات، دفاع جوي، لوجستيات، طيران وقدرة بحرية، لا باعتبارها مجرد استهدافات متفرّقة لقواعد أمريكية. الدراسة وعنوانها: “التقويض الممنهج: استهداف بنية الجيش الأمريكي في غرب آسيا (سنتكوم)” تكشف أن الخسائر المادية التي لحقت بالقواعد الأمريكية انعكست في الأثر الوظيفي لها، ومن ثمّ أثّرت على الجاهزية، الردع، الاستدامة، والانتشار. لقد وضعت الضربات الإيرانية “السنتكوم” أمام معضلة الاستدامة العملياتية والتشكيك في جدوى وجودها في المنطقة. وعلى الرغم من التفوّق العسكري الأمريكي ومحدودية قدرات إيران العسكرية أمامه، استطاعت القيادة العسكرية الإيرانية أن تقود حملة مكلفة على القوة الأمريكية في المنطقة، بل وتضع قدرة واشنطن على إبقاء قوتها منتشرة وفعّالة ومستدامة تحت ضغطٍ مستمر.
اليوم، وبينما تخطّط “السنتكوم” لبيئة ما بعد الحرب وفي كيفية إعادة تصميم وجود القوات العسكرية الأمريكية، ينبغي أن يكون السؤال إلى أي مدى تنجح واشنطن وفق الطروحات الجديدة في إدارة البيئة الأمنية الإقليمية؟ وما هي الضمانات التي تملكها حتى تقدّمها لحلفائها وشركائها بعدما أظهرت ضعفًا في الردع الممتد وتقوّضت المظلة الأمنية الدفاعية التي بنتها على مدى سنوات وبكلفة عالية؟
يُمكن القول إن المنطقة أمام تحوّل كبير قد لا يريد البعض أن يعترف به، لكن الواقع المثبت بالدلائل أنّ مزايا واشنطن الاستراتيجية في الخليج، من قواعد قريبة من مسرح العمليات ووصول سريع وقدرة على الرّدع والتدخّل، كلها لم تصمد أمام الاستراتيجية الإيرانية ونجاحها في نقل ساحة الصراع إلى قواعد عمليات الإدارة المركزية الأمريكية في المنطقة والاقتصاد العالمي. وبعدما أصبحت القواعد نقطة ضعف للولايات المتحدة الأمريكية، وشكّكت الحرب في قدرتها على فرض ترتيب أمني إقليمي أحادي الجانب، بات التفكير الأمريكي في مستوى حدّ الحفاظ على حيّزٍ من النفوذ في المرحلة الجديدة، من خلال التخطيط للانتقال من السيطرة المباشرة إلى الحفاظ على القدرة على التدخل والتأثير. وفي حين تقوّضت القدرات الأمريكية وهي في ذروة السيطرة، تصبح الفعالية والقدرة على التأثير من خارج المشهد الميداني ووسط تداعيات العدوان الأمريكي على إيران موضع شكّ، لا سيّما مع تآكل الهيمنة الأحادية الأمريكية وبروز التعددية في مراكز القوة في المنطقة، أكثر من ذي قبل.
