بيروت على وقع التفاوض الأميركي الإيراني.. هيل بلا نواف سلام

أما وأن حسان دياب قد كُلّف بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، فإن سؤال التأليف المؤجل على الأرجح، هو الأساس، ربطاً بمعطيات الداخل والخارج، المتشابكة والمعقدة.. والمتدحرجة.

لنبدأ من الخارج. ليس خافياً على أحد أن الأميركيين والإيرانيين سيتوصلون إلى إتفاق جديد. خرج من قاموس الأميركيين، إدارة حالية وإدارة مقبلة، أي شيء إسمه خطاب الحرب. لا ينفي ذلك أن الإسرائيليين يريدون التشويش، كما فعلوا منذ سنوات حتى الآن، ولذلك، هم يرددون في كل تقديراتهم الإستراتيجية للعام 2020، ما قالوه لعقود خلت، وتحديداً في السنوات الأخيرة، بأن المواجهة مع إيران حتمية. العنوان نووي ولكن “حلقة النار” التي ينشرها الإيرانيون حول إسرائيل، وتحديدا في غزة ولبنان وسوريا، هي القضية المركزية، وهم لا يريدون سوى تفاهماً يطفىء “حلقة النار”. يريدون لجم نفوذ إيران الإقليمي، سواء بتمدد أدوار آخرين في الإقليم أو بتفاهمات بالمفرق، على غرار ما يحاولون صنعه، بيد الأميركيين مع لبنان، كالتركيز على “الصواريخ الدقيقة” أو التفاهم الحدودي البحري.

حتى في طهران، لا يناقش الإيرانيون إحتمالات الحرب. هم يريدون إما إعادة الإعتبار إلى الإتفاق النووي الأصلي ومعه رفع العقوبات عنهم، أو التوصل إلى تفاهم نووي جديد يعطيهم رزمة عطاءات أفضل مما أعطاهم إياها إتفاق العام 2015.

وفيما تستقبل طوكيو في الساعات المقبلة الرئيس الإيراني حسن روحاني، بمبادرة منه، وليس بدعوة رسمية يابانية، لكن بضوء أخضر أميركي، يصبح السؤال ما هو المنتظر من هذه الزيارة وهل ثمة أقنية تفاوض مفتوحة حالياً بين طهران وواشنطن؟

ثمة معلومات أوروبية موثوقة عن قناة تفاوض مفتوحة حالياً في سلطنة عُمان بين الجانبين الإيراني والأميركي، وأن زيارة روحاني إلى اليابان، تأتي في هذا السياق، من دون أن يُعرف ما إذا كان الحوار يجري مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عبر المفاوض العُماني، وهو خبير بهكذا نوع من المفاوضات، ويتكتم عليها عادة ولا يكشف عنها إلا عندما يتوصل المفاوضون إلى نتائج محددة.

قال روحاني لخامنئي: “تيريزا ماي قدمت إستقالتها من زعامة حزب المحافظين، بسبب فشل خطتها للخروج من الإتحاد الأوروبي، وطالما أنا فشلت في تطبيق الإتفاق النووي، يجب أن أرحل”

يأتي كشف هكذا معلومات من قبل الأوروبيين في سياق التخفيف من حدة بعض الطروحات القائلة بأن ما يشهده لبنان والعراق “هو إنعكاس للأبواب المغلقة بين الطرفين الإيراني والأميركي من الآن وحتى إنتهاء الإنتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل”.

وعندما يجري التدقيق مع الإيرانيين في صحة هذه المعلومات، يكون الجواب جازما ومطلقاً: “أوامر المرشد القائد (علي خامنئي) حاسمة. أي تفاوض مع الأميركيين حالياً يشكل تجاوزاً للخطوط الحمراء. على الأميركيين رفع العقوبات عن إيران وبعدها لكل حادث حديث”… تفهم من مُحدّثك الإيراني، وهو من الديبلوماسيين المخضرمين، أن أي تجاوز لهذا السقف، في حالة روحاني، يعني إنتهاء ولايته الرئاسية “بشكل مبكر”. أصلاً، من وفّر الإستمرارية لروحاني بعد سقوط الإتفاق النووي هو خامنئي نفسه. قرر الرئيس الإيراني تقديم إستقالته قبل أكثر من سنة ونصف السنة، ثم بعد حوالي السنة تماماً، وتحديدا في صيف العام 2019، قال روحاني لخامنئي: “تيريزا ماي قدمت إستقالتها من زعامة حزب المحافظين ومن رئاسة الحكومة البريطانية، بسبب فشل خطتها للخروج من الإتحاد الأوروبي، وطالما أنا فشلت في تطبيق الإتفاق النووي، يجب أن أرحل”.

لم يفتح خامنئي الأبواب أمام روحاني، وبالتالي، بات الأميركيون يدركون أن المسار الحالي في طهران سيقود إلى فوز كاسح للمحافظين في الإنتخابات التشريعية في شباط/فبراير المقبل، وإلى فوز كاسح لأي مرشح للمحافظين للإنتخابات الرئاسية في العام 2021. هل سيكون عندها مسار المفاوضات أسهل مع طهران؟

يريد ترامب إتفاقاً مع طهران قبل إنتخاباته الرئاسية، لعله يكون قادراً على إستثماره، لكن الإيرانيين لا يريدون أن يعطوه ورقة يستخدمها وتكون ولايته الثانية غير مضمونة، لذلك، باتوا يميلون إلى تقطيع الوقت حتى إنتهاء ولاية ترامب الحالية.

السؤال الأساس هو سؤال التعايش الإستراتيجي بين لاعبين يقفان على حلبة المصارعة، ولا يريد أحدهما إسقاط الآخر بالضربة القاضية؟

هنا، تنبري نظرية الإشغال الإستراتيجي. للطرفين مصلحة في إعتمادها حالياً. الأميركي يريد إشغال الإيراني وإستنزافه في ساحاته، ليس لإسقاطه، بل لمنعه من مراكمة أوراق قوة جديدة. في المقابل، لا يريد الإيراني للأميركي أن يراكم أية إنجازات، بل يريد أن يبني على إخفاقات واشنطن في المنطقة. نقطة ضعف الإيرانيين وحلفائهم هي العقوبات الإقتصادية التي تزنّر بتأثيراتها الجمهور الإيراني وجمهور البيئات الحليفة لإيران في المنطقة، وتحديدا في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين. “الفاولات” محتملة، وهي توحي بأخذ المنطقة إلى حافة الهاوية، تماماً، كما بدت الصورة، بعد إستهداف قلب “أرامكو”، ولكن السقوط في الهاوية، يبدو حتى الآن، غير مأمون لدى الجانبين.

هذه معطيات الخارج، ماذا عن معطيات الداخل؟

يمكن مقاربة المشهد اللبناني، وتحديداً في الفترة التي تلت السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي في السياق الدولي والإقليمي نفسه. هنا، يُسجل للأميركيين أن ديناميتهم بدت أكثر فاعلية من دينامية الإيرانيين. لو قرر حزب الله الإستثمار في الحراك الشعبي، وكان بمقدوره ذلك ومصلحته هناك، لإعتبارات تكتيكية وإستراتيجية، لأربك الأميركيين وقبض على مشهد الساحات، لكنه تصرف عكس ذلك، فأفسح أمام غيره حتى يستثمر، تماماً كما فعل بعد واقعة قبرشمون في الصيف الماضي. مقاطعة حزب الله لوليد جنبلاط، آنذاك، أفسحت أمام بيان السفارة الأميركية في بيروت، ولو لم تحصل المقاطعة والقطيعة، لما كان جنبلاط يصوّت في الإستشارات النيابية الملزمة لنواف سلام!

كانت نية رئيس الحكومة المستقيل أن يتبنى ترشيح نواف سلام، ولكن ما سمعه من القيادي الكبير في حزب الله حسين خليل، في قلب دارته، قبل دقائق من تلاوة بيان الإنسحاب النهائي، كان كافياً لكي يتبنى بيان “ربط نزاع”

في هذا السياق أيضاً، شهدنا كل فصول حرق المرشحين منذ إستقالة سعد الحريري وسقوط حكومته قبل خمسين يوماً، إلى أن كشف الأميركيون ورقتهم المستورة: تغيير معادلة السلطة عبر الإتيان بنواف سلام رئيساً للحكومة. ردّ حزب الله بأن مرشحه هو سعد الحريري. الأخير إصطدم بالجدار الذي وضعه أمام نفسه، لأسباب غير واضحة بالكامل. أية حكومة برئاسته لن تضم جبران باسيل. رد عليه ميشال عون بأنه لن يوقع مرسوم حكومة تضم سياسياً واحداً ولا تضم باسيل. اللقاء الأخير بين عون والحريري تضمن بالمعنى السلبي ما يكفي من أسباب موجبة حتى ينسحب الحريري نهائياً.

وبطبيعة الحال، كانت نية رئيس الحكومة المستقيل أن يتبنى ترشيح نواف سلام، ولكن ما سمعه من القيادي الكبير في حزب الله حسين خليل، في قلب دارته، قبل دقائق من تلاوة بيان الإنسحاب النهائي، كان كافياً لكي يتبنى بيان “ربط نزاع”، بالإمتناع عن الترشيح، خصوصاً وأنه أدرك أن تصويته لنواف سلام سيشجع القوات اللبنانية على مجاراته، فيتأمن له حوالي 57 صوتاً، فإذا قرر حزب الله الإمتناع عن تبني حسان دياب (كونه نائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت ويعلم الجميع أن رئيس الجامعة الأميركية فضلو خوري قدم إسمه لرئيس الجمهورية من ضمن قائمة ضمت أكثر من عشرين إسماً)، وهذا هو موقفه الأصلي، كان سيحصل الأخير فقط على 57 صوتاً. هذا هو الكمين الذي يُسجِل حزب الله للحريري بأنه ساعد في قطع الطريق التي تمنع الوصول إليه.

ماذا بعد التكليف؟

كان السيناريو المفضل عند نائب وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل أن يستهل زيارته من دارة نواف سلام في بيروت، لكن مرحلة ما بعد تكليف دياب وطي صفحة سلام، لن تعدّل جدول أعمال الزيارة الإستكشافية، إلا إذا كانت هناك إرادة أميركية محددة بإيصال رسالة إلى ميشال عون وجبران باسيل: إنتظروا رزمة جديدة من العقوبات الأميركية ضد شخصيات لبنانية، أولى، قبل نهاية هذه السنة، وثانية، مع مطلع العام الجديد، ومعظمها موجه ضد رجال أعمال وشخصيات من خارج بيئة حزب الله المباشرة!

هو الإشغال المتبادل وتعطيل الألغام… لا ورقة عند الأميركيين أفضل من العقوبات والتهويل الإقتصادي والمالي. في المقابل، لن يقاتل حزب الله من أجل حسان دياب. قد يكون هذا الرجل هو العناد بعينه، لكن ماذا يمكن أن يخسر بعد أن نال اللقب؟ وكما قال مخاطباً والدته الراحلة يوم أصبح وزيراً للتربية “يا أمي ها قد وصلت”، سيخاطب والديه وهو يتلو سورة الفاتحة على ضريحيهما في مقبرة الشهداء في بيروت: يا أمي وأبي. لقد صرت رئيس حكومة مكلفاً!

حسان دياب بات مكلفاً بتشكيل الحكومة، أما سعد الحريري، وكما قطع الطريق على نفسه وعلى نواف سلام ومحمد الصفدي وبهيج طبارة وسمير الخطيب، حتماً سيجد الشارع المناسب لقطع الطريق على حسان دياب، إلا إذا حصلت مفاجآت غير موضوعة في حسبان أحد. هل نحن نعيش مرحلة تكاد تكون شبيهة في بعض فصولها بتلك التي أعقبت صدور القرار 1559، أم سبقت ولادة إتفاق الطائف أم تسوية الدوحة؟ لننتظر ونرَ.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course