أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً اليوم على إنجاز مهام كان من الصعب تخيّلها قبل سنوات قليلة. فهو يستطيع إثبات مسائل رياضية معقدة، والتنبؤ ببنى البروتينات، وكتابة البرامج الحاسوبية، وتحليل كميات هائلة من البيانات التجريبية، واستكشاف فضاءات من الاحتمالات يستحيل عملياً على الباحث البشري أن يفحصها بنفسه. ومع ذلك يبقى سؤال أكثر عمقاً وإزعاجاً بلا جواب واضح: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحقق اكتشافاً يغيّر الطريقة التي نفهم بها الطبيعة؟ أي هل يمكنه أن يفعل شيئاً لا يشبه حل مسألة صعبة في الفيزياء فحسب، بل يشبه اختراع النسبية نفسها؟
اقترح ديميس هاسابيس (Demis Hassabis)، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«غوغل ديب مايند» (Google DeepMind)، اختباراً لافتاً لهذه الفكرة: ندرّب نظاماً للذكاء الاصطناعي على المعرفة العلمية التي كانت متاحة قبل أن يطوّر أينشتاين النسبية العامة (General Relativity)، ثم نسأله إن كان قادراً، اعتماداً على علوم ذلك العصر وحدها، على الوصول بصورة مستقلة إلى نظرية تشبهها. وقد اختلف التاريخ الفاصل قليلاً في تصريحات هاسابيس بين نحو 1900 و1911، لكن الفكرة واحدة: نحجب عن الآلة الجواب، ثم نختبر ما إذا كانت تستطيع أن تعيد بناء إحدى أعظم الثورات المفاهيمية في تاريخ العلم. وقد طرح هاسابيس هذا النوع من التجارب باعتباره اختباراً بالغ الصعوبة لما يمكن أن نسميه ذكاءً عاماً حقيقياً (Artificial General Intelligence).
للوهلة الأولى يبدو الأمر شبيهاً بمسألة امتحانية: أعطِ الآلة كل ما كان معروفاً قبل عام 1915، واحجب عنها أوراق أينشتاين، ثم انظر إن كانت ستصل إلى النتيجة الصحيحة. لكن هذه الصياغة تخفي شيئاً أساسياً في طبيعة الاكتشاف العلمي. فالنسبية العامة لم تكن حلاً لمسألة صيغت سلفاً بوضوح. لم يكن هناك كتاب يقول لأينشتاين: استبدل الجاذبية النيوتونية بنظرية تكون فيها الجاذبية تعبيراً عن هندسة الزمكان. إن الوصول إلى سؤال من هذا النوع كان في ذاته جزءاً من الإنجاز.
وهنا تحديداً تكتسب المحاولات الحديثة لبناء ما يمكن تسميته «نماذج لغوية تاريخية» (Historical Language Models) أهمية خاصة. فقد درّب الباحث المستقل مايكل هلا (Michael Hla) نموذجاً لغوياً سماه (Machina Mirabilis) على مواد منشورة في معظمها قبل عام 1900، ثم واجهه ببعض الألغاز التجريبية والمفاهيمية التي سبقت ظهور ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics) والنسبية. وعندما جرى توجيه النموذج نحو ظواهر مثل التأثير الكهروضوئي (Photoelectric Effect)، أظهر أحياناً إشارات توحي بفكرة تكميم الضوء، وعندما وُضع أمام أفكار قريبة من تجربة مصعد أينشتاين الفكرية (Einstein’s Elevator Thought Experiment) اقترب في بعض الأحيان من الربط بين الجاذبية والتسارع. إلا أن هلا نفسه شدد على أن هذه الومضات لا ترقى إلى فهم متماسك للفيزياء الكامنة وراءها.
وتكشف محاولة أخرى، قام بها نيك ليفين (Nick Levin) وزملاؤه، مشكلة مختلفة تماماً: كيف نمنع المستقبل من التسرّب إلى الماضي؟ كان هدف الفريق بناء نموذج تتوقف معرفته عند حدود عام 1930، ثم اختباره في مسائل تتعلق باكتشافات لاحقة. لكن معلومات من عقود لاحقة تسللت مراراً إلى بيانات التدريب، وأصبح النموذج «يعرف» أحياناً أحداثاً واكتشافات لم تكن قد حدثت بعد بحسب خطه الزمني المفترض. وهذه ليست مشكلة تقنية بسيطة، بل تمس جوهر التجربة نفسها. فإذا أردنا أن نعرف هل أعاد الذكاء الاصطناعي اكتشاف شيء ما أم أنه استرجعه بطريقة غير مباشرة من بياناته، فإن أي تلوث زمني يفسد الاختبار بالكامل. وقد يتبين أن بناء «ماضٍ فكري مغلق» للآلة أصعب تقريباً من بناء الآلة ذاتها.
لكن تجربة أخرى ربما تكشف لبّ المشكلة بصورة أوضح. فقد استخدم كيون فافا (Kewen Vafa) وبيتر تشانغ (Peter Zhang) وأشيش رامباشان (Ashesh Rambachan) وسندهيل موليناثان (Sendhil Mullainathan) أنظمة اصطناعية تتحرك وفق قوانين فيزيائية معلومة، من بينها أنظمة كوكبية تحكمها جاذبية نيوتن، ثم اختبروا نماذج تأسيسية (Foundation Models) عليها. استطاعت النماذج أداء مهام التنبؤ بكفاءة لافتة، لكنها عندما طُلب منها التعميم بطريقة تستلزم استنتاج البنية الفيزيائية الكامنة وراء البيانات لم تُظهر دائماً أنها «تعلمت» ميكانيكا نيوتن (Newtonian Mechanics) نفسها. ففي تجارب المدارات بدت وكأنها التقطت اختصارات خاصة بكل مهمة، بدلاً من أن تستخلص القانون الموحد الذي ولّد البيانات كلها. وكانت هذه النتيجة تذهب مباشرة إلى قلب المسألة: التنبؤ ليس هو التفسير.
لكن القول إن (AI-Newton) «اكتشف الفيزياء من الصفر» سيكون مبالغة. فالنظام لم يكن عقلاً خالياً تماماً يواجه الطبيعة بلا افتراضات؛ لقد صُممت له بنية تسمح بتمثيل المفاهيم، والبحث عن العلاقات، ومقارنة التجارب، وتعميم القوانين، كما أن الأنظمة التي اختُبر عليها كانت تجارب محاكية اختارها الباحثون مسبقاً. لذلك فإن الإنجاز الحقيقي ليس أن الآلة أعادت بناء الفيزياء كلها من لا شيء، بل أنها أثبتت أن نظاماً مصمماً بطريقة مناسبة يستطيع أن يذهب أبعد من مجرد مطابقة البيانات، فيبني مفاهيم ويستخلص منها قوانين قابلة للتعميم.
وهنا يصبح الفرق بين (AI-Newton) واختبار أينشتاين أكثر وضوحاً. فلنتخيّل نظاماً اصطناعياً يستطيع التنبؤ بمواقع الكواكب بدقة مذهلة؛ هذا وحده لا يعني أنه اكتشف الجاذبية. فدوائر بطليموس التدويرية (Epicycles) كانت قادرة على التنبؤ بمواقع الأجرام، وقوانين كبلر (Kepler’s Laws) فعلت ذلك بكفاءة وأناقة أكبر، لكن ميكانيكا نيوتن فعلت شيئاً أعمق: وحّدت سقوط الأجسام على الأرض بحركة الكواكب في السماء داخل مبدأ ديناميكي واحد. و(AI-Newton) يوحي بأن الآلة تستطيع، في ظروف مناسبة، أن تبدأ بالانتقال من وصف الظواهر إلى بناء القانون العام الذي يجمعها. أما أينشتاين فذهب خطوة أبعد بكثير: لم يكتف بالبحث عن قانون أفضل للجاذبية، بل غيّر معنى الجاذبية نفسها، واستبدل صورة القوة النيوتونية بصورة هندسية يكون فيها ما نسميه الجاذبية تجلياً لانحناء الزمكان (Spacetime Curvature).
وهنا يظهر التمييز الفلسفي المعروف بين الاستقراء (Induction) والاستنباط (Deduction) والاستدلال إلى أفضل تفسير (Abduction)، أو ما يُعرف بالـ(abduction). فالاستقراء ينطلق من ملاحظات كثيرة نحو انتظامات عامة، والاستنباط يبدأ من مبادئ ويستخرج نتائجها، أما الاستدلال التفسيري فيقترح فرضية جديدة تجعل مجموعة من الوقائع المتناثرة مفهومة ضمن إطار واحد. وقد طرح توم زهافي (Tom Zahavy) من «غوغل ديب مايند»، في ورقة تحمل عنواناً استفزازياً هو (LLMs Can’t Jump)، فكرة مفادها أن النماذج التوليدية (Generative Models) المعاصرة أصبحت قوية جداً في الاستقراء والاستنباط، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في أداء «القفزة» التفسيرية التي تميز الاكتشافات العلمية الكبرى، وجعل من مسار أينشتاين نحو النسبية العامة مثالاً مركزياً على ذلك. غير أن (AI-Newton) يجعل هذا الحد أقل وضوحاً مما كان يبدو، لأنه يشير إلى أن بعض ما كنا نعدّه جزءاً من «القفزة» قد يكون قابلاً للتفكيك إلى عمليات يمكن للنظام تنفيذها: تكوين مفهوم، واختبار فائدته عبر تجارب متعددة، ثم بناء قانون أكثر عمومية.
لكن يجب الحذر من تحويل ذلك إلى حكم ميتافيزيقي في الاتجاه المعاكس أيضاً. فكما لا يجوز أن نقول إن الآلات عاجزة مبدئياً عن الابتكار، لا يمكننا أن نستنتج من (AI-Newton) أن الطريق من اكتشاف القوانين إلى الثورة المفاهيمية أصبح محلولاً. نحن لا نفهم الإبداع البشري نفسه بما يكفي لكي نضع حداً فاصلاً نهائياً بين ما يمكن حوسبته وما لا يمكن، كما أن فشل بنية حاسوبية معينة لا يثبت استحالة النجاح ببنية مختلفة. المسألة الأهم إذن ليست الفصل الساذج بين «آلة تفكر» و«آلة تحسب»، بل فهم أي القدرات العلمية استطعنا بالفعل تحويلها إلى عمليات حاسوبية، وأيها ما زال يتطلب شيئاً لم نعرف بعد كيف نبنيه.
وتوضح قصة أينشتاين لماذا تبقى هذه المسافة كبيرة. فالنسبية العامة لم تظهر لأن نظرية نيوتن كانت تنهار انهياراً كارثياً، بل كانت ميكانيكا نيوتن ناجحة نجاحاً مذهلاً. كانت هناك مؤشرات وتوترات، مثل حركة حضيض عطارد (Perihelion Precession of Mercury)، والعلاقة بين القصور والجاذبية، والحاجة إلى التوفيق بين الميكانيكا والنسبية الخاصة (Special Relativity)، لكن أياً منها لم يكن يفرض بصورة وحيدة نظرية أينشتاين. كانت الخطوة الحاسمة أن رفع أينشتاين التكافؤ بين الجاذبية والتسارع (Equivalence Principle) من مجرد ملاحظة إلى مبدأ، ومن هذا التحول المفاهيمي انبثقت صورة جديدة تماماً للطبيعة. وهذه ليست مجرد مسألة توسيع قانون ناجح ليشمل تجربة إضافية، بل إعادة التفكير في المفاهيم التي صيغت بها المشكلة نفسها.
وهذا يعني أن الاكتشاف العلمي ليس ببساطة عملية بحث عن العلاقة التي تقلل خطأ التنبؤ إلى الحد الأدنى. العالم يقرر أولاً ما الذي يستحق التفسير، وأي المشاهدات جوهرية وأيها عرضية، وأي تناظرات ينبغي رفعها إلى مرتبة المبادئ، وما المتغيرات التي تحمل معنى فيزيائياً، وما اللغة الرياضية الأنسب لوصف المشكلة. ثم يبحث عن نظرية توحّد مجالات مختلفة، وتصمد أمام الاختبارات، وتولد تنبؤات جديدة، وتختزل عدداً كبيراً من الظواهر في عدد صغير من المبادئ. ولهذا قد تكون نظرية ما أعمق علمياً حتى لو وُجدت صيغة أخرى تطابق البيانات المعروفة بالدقة نفسها تقريباً. وما يضيفه (AI-Newton) إلى هذه الصورة هو أن بعض عمليات بناء المفاهيم والتعميم، التي كنا نربطها حصراً بالعالِم البشري، قد تكون قابلة للأتمتة، من دون أن يعني ذلك أن إعادة بناء الإطار المفاهيمي بأكمله أصبحت في متناول الآلة.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في «اختبار أينشتاين» نفسه. فمجرد أن نقول للآلة: «أعد اشتقاق النسبية العامة» يعني أننا قدمنا لها معلومة مهمة جداً؛ لقد أخبرناها بأن هناك نظرية بديلة للجاذبية، وأن عليها أن تبحث عنها. أما أينشتاين فلم يحصل على مثل هذا التلميح. ولذلك فإن الاختبار الأكثر إقناعاً سيكون مختلفاً تماماً: نضع نظاماً اصطناعياً في عالم معرفي شبيه بعام 1905 أو 1910، من دون أن نخبره ما الاكتشاف الذي ينبغي أن يبحث عنه، ونعطيه رياضيات ذلك العصر، والنتائج التجريبية المتاحة، والمشاهدات الفلكية، وكهروديناميكا ماكسويل (Maxwell’s electrodynamics)، والميكانيكا الإحصائية (statistical mechanics)، وجاذبية نيوتن، ثم نترك له مهمة تحديد ما الذي يستحق الاهتمام. عليه بعد ذلك أن يقترح تفسيرات متنافسة، ويشتق نتائجها، ويحدد التجارب التي يمكن أن تميز بينها، ويتخلى عن الفرضيات التي تفشل. عندها فقط سنكون قد بدأنا باختبار شيء يشبه الاكتشاف العلمي المستقل، لا مجرد إعادة بناء تاريخية متطورة.
والفرق يصبح أكثر وضوحاً إذا قارنا الفيزياء بالرياضيات. ففي الرياضيات، إذا اقترح الذكاء الاصطناعي مبرهنة أو برهاناً، يمكن في كثير من الأحيان التحقق منه آلياً، ويمنحنا البرهان الصوري حكماً شبه حاسم على الصحة. أما الفيزياء فلا تملك مثل هذا «المصحح الآلي». فقد ينتج النظام آلاف النظريات المتسقة رياضياً، بل وقد تطابق كثير منها البيانات المتاحة، لكن أيها تصف الطبيعة فعلاً؟ هنا قد تكون قدرة النظام على توليد فرضية جديدة أسهل بكثير من قدرته على إدراك أن هذه الفرضية بالذات هي التي تستحق أن تؤخذ بجدية. لذلك فإن المشكلة لا تقتصر على توليد النظريات، بل تشمل أيضاً اختيارها ومعرفة متى يكون القانون مجرد وصف ناجح ومتى يكشف عن مبدأ أعمق.
ومن هنا نصل إلى السؤال الأكبر: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج معرفة؟ إذا قصدنا بالمعرفة تركيب المعلومات الموجودة وإعادة تنظيمها واستخراج نتائج لم تُكتب حرفياً من قبل، فإن النماذج الحديثة تقوم بشيء مدهش بلا شك. وهي تستطيع الربط بين أفكار بعيدة، واشتقاق نتائج جديدة من مقدمات موجودة، ومساعدة الباحثين في استكشاف مساحات مفاهيمية هائلة. ويضيف (AI-Newton) دليلاً مهماً على أن الآلة قد تستطيع أيضاً بناء بعض المفاهيم العلمية العامة من البيانات نفسها. لكن المعرفة العلمية ليست مجرد جملة صادف أنها صحيحة، بل هي جزء من شبكة من التفسير والتنبؤ والتجربة والدحض والترابط المفاهيمي.
وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل الذكاء الاصطناعي العلمي في المستقبل بحاجة إلى أن يكون أقل اعتماداً على اللغة وحدها. فالعالِم لا يلتقي الطبيعة عبر النصوص فحسب، بل يتعامل مع الأجهزة، ويلاحظ نتائج غير متوقعة، ويقرر ما الذي ينبغي قياسه بعد ذلك، ثم يصطدم مرة بعد مرة بعالم مادي لا يكترث بما كنا نتوقعه. وإذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على التفاعل مع التجارب، وبناء نماذج سببية (Causal Models)، وإجراء تدخلات، واختيار التجربة التالية، وتغيير تمثيله الداخلي للعالم عندما تفشل توقعاته، فقد تظهر لديه قدرات يصعب أن تنشأ بالموثوقية نفسها من التنبؤ بالكلمة التالية (Next-Token Prediction) وحده.
لكن علينا في المقابل ألا نقع في الخطأ المعاكس فنحوّل الإبداع البشري إلى نوع من السحر. أينشتاين لم يستخرج النسبية العامة من الفراغ. لقد بُني إنجازه فوق قرون من الفيزياء والرياضيات، وعلى أعمال ماكسويل (James Clerk Maxwell) ولورنتز (Hendrik Lorentz) وريمان (Bernhard Riemann) وريتشي (Gregorio Ricci-Curbastro) وليفي-تشيفيتا (Tullio Levi-Civita) وماخ (Ernst Mach) وغيرهم. الإبداع البشري نفسه يعيد تركيب مفاهيم موروثة. ولذلك فالسؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي يعيد المزج بينما الإنسان يخلق من العدم؟ كلاهما يعيد التركيب. السؤال الحقيقي هو ما نوع التمثيلات، وعمليات البحث، والاحتكاك بالعالم الفيزيائي، والاستدلال السببي (Causal Reasoning)، ومعايير الانتقاء، التي تجعل بعض عمليات إعادة التركيب تتحول إلى إطار تفسيري جديد بالفعل.
لهذا السبب يظل «اختبار أينشتاين» مهماً حتى لو لم نرَ قريباً آلة تعيد اكتشاف النسبية العامة. بل إن (AI-Newton) يجعله أكثر إثارة، لأنه أزال جزءاً من المسافة التي كنا نظن أنها تفصل بين الآلة والعالِم. لقد بدأنا نرى أن نظاماً اصطناعياً يستطيع، في بيئة مضبوطة، أن ينتقل من البيانات إلى المفاهيم ومن المفاهيم إلى القوانين. لكن الحد التالي يصبح بذلك أكثر وضوحاً: هل يستطيع أن يدرك أن القانون الناجح نفسه يخفي مشكلة أعمق؟ فقد يوجد نظام قادر على الإجابة عن كل أسئلة امتحان في الفيزياء، وربما حتى على إعادة اكتشاف بعض قوانين الكتاب، ومع ذلك لا يستطيع أن يدرك أن الكتاب نفسه بحاجة إلى إعادة كتابة.
وربما يكون الاختبار الحاسم للذكاء الاصطناعي العلمي في النهاية ليس السؤال: «هل يستطيع حل المشكلة؟»، ولا حتى: «هل يستطيع اكتشاف القانون من البيانات؟». السؤال الأصعب بكثير هو: هل يستطيع أن يكتشف أن هناك مشكلة أصلاً، قبل أن نخبره نحن بوجودها؟ كان ذلك جزءاً من عظمة ما فعله أينشتاين. وإذا تمكّنت آلة يوماً من عبور هذه العتبة، فلن يكون الإنجاز مجرد إعادة إنتاج للنسبية العامة، بل شيئاً أعمق بكثير: أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في الانتقال من التنقل داخل خريطة المعرفة البشرية التي رسمناها نحن، إلى المشاركة في رسم المناطق التي لم توجد بعد على تلك الخريطة.
