عبد الجبار الرفاعي.. سؤال الدين ومعركة المعنى

ليست مهمة المفكر، في أعمق صورها، أن يضيف رأياً إلى الآراء، بل أن يغيّر زاوية النظر التي تتولّد منها. ومن هذا الباب أقرأ مشروع عبد الجبار الرفاعي: لا بوصفه اعتراضاً على فتوى أو شعار أيديولوجي، بل مساءلةً للشروط المعرفية التي تجعل الدين يُفهم ويُعاش ويُوظَّف على نحو بعينه. السؤال عنده سابق على الخصومات المذهبية: كيف نعرف الدين، وبأي لغة، ومن أي موقع إنساني؟ وما الذي يتغيّر في صورتنا عن الإيمان والآخر عندما يصبح الإنسان، لا سلطة الجماعة، نقطة البدء؟

وُلد عبد الجبّار الرفاعي عام 1954 في جنوب العراق، وتكوّن في الحوزتين العلميتين بالنجف وقم، قبل أن ينال الماجستير في علم الكلام والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية. وهذه السيرة ليست تفصيلاً خارج مشروعه؛ فقد أتاحت له دراسة التراث من داخله، مع الاحتفاظ بمسافة نقدية منه. يعرف لغة الفقه والأصول والكلام والعرفان، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها سقفاً نهائياً للفكر. ومن التقاء الألفة بالمسافة تبلورت محاولته: لا قطيعة متعالية مع التراث، ولا تكرار له باسم الأصالة، بل إعادة ترتيب العلاقة بين النص والمعنى، والعقيدة والإنسان.

***

منذ أكثر من ثلاثة عقود، يدعو الرفاعي إلى بناء أرضية عربية لفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. ليست المشكلة، في رأيه، قلة المؤلفات الدينية، بل طبيعة الأسئلة التي تحكمها. فقد انشغل جانب مهم من علم الكلام القديم، في سياقات المناظرة والصراع المذهبي، بإثبات عقائد الفرق ودفع اعتراضات خصومها. غير أن هذا لا يختزل التراث الكلامي كله؛ إذ عرف أيضاً منازعات عقلية وفلسفية وتأويلية خصبة. ما يعترض عليه الرفاعي هو تحوّل الوظيفة الدفاعية إلى حدود مغلقة، يُقدَّم فيها الحكم على الفهم، ويصبح الاختلاف تهديداً بدل أن يكون مناسبةً للمعرفة.

لذلك يرى أن تجديد الفقه والخطاب الديني يظل محدوداً ما لم يمسّ صورة الله والوحي والإنسان في الأساس الكلامي الذي تستند إليه علوم الدين. فإذا غلبت صورة الإله الذي لا يُستحضر إلا للخوف، والوحي الذي يُختزل في الأوامر، والإنسان الذي تُهمَّش حاجاته الروحية والوجدانية، أعادت الفروع إنتاج الطاعة والخشية. أما علم الكلام الجديد فليس عنواناً عصرياً لمباحث قديمة؛ إنه نقل السؤال من الاكتفاء بالدفاع عن العقيدة إلى فهم دلالتها في وجود الإنسان وحياته وأخلاقه.

***

يميز عبد الجبار الرفاعي بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، من غير أن يقيم بينهما جداراً. فلسفة الدين تبحث الظاهرة الدينية، ولغة المقدس، وعلاقة الإيمان بالعقل والأخلاق والجمال، ولا تتكفّل إثبات صحة اعتقاد بعينه. أما الكلام الجديد فيتحرك داخل أفق الإيمان، لكنه يرفض مساواة الإيمان بتكرار العبارات الموروثة. وبهذا التمييز تنفصل دراسة الظاهرة عن تبريرها، ويُتاح للمؤمن أن يسأل، وللباحث أن يفهم، من دون أن يُختزل أحدهما في خصومة مع الآخر. وفي ذلك انتقال من السؤال عن صحة المعتقد وحدها إلى سؤال أكثر تعقيداً عن كيفية تكوّن فهمنا للمعتقد، وحدود الأدوات التي نستخدمها في تفسيره. فليس كل ما استقر في الذاكرة الدينية حقيقةً فوق التاريخ؛ هناك اجتهادات بشرية تشكّلت في شروطها الاجتماعية واللغوية، ثم جرى التعامل معها كأنها الدين نفسه. والفصل بين الوحي وتأويلاته لا يلغي مرجعيته لدى المؤمن، بل يمنع مصادرة تلك المرجعية لمصلحة تفسير واحد.

وأبرز مفاتيح هذا المشروع مفهوم «الظمأ الأنطولوجي». فالإنسان، في قراءة الرفاعي، كائن متناهٍ يتطلّع إلى ما يتجاوز حدوده، ويفتّش عن معنى لا يكفي التفسير العلمي للعالم لإشباعه. الموت والقلق والسؤال عن المصير ليست مشكلات تُحلّ بتراكم المعلومات وحده. من هنا يكون الدين، في بعده الوجودي، جواباً عن حاجة إلى المعنى والسكينة والاتصال بالمطلق، لا برنامجاً لحشد الأتباع. وعلى هذا الأساس يقابل الرفاعي بين «دين الأيديولوجيا» الذي يجعل الإنسان وسيلةً لخدمة الجماعة، و«دين الأنطولوجيا» الذي يُعنى بحياته الروحية وكرامته.

ويتصل بذلك مفهوم «الاغتراب الميتافيزيقي»، الذي يحتاج إلى فهم دقيق. فالرفاعي لا يقصد مجرد اغتراب الفرد عن المجتمع، ولا انفصاله عن مؤسسة دينية، بل اغترابه الوجودي عن الأفق الميتافيزيقي حين يُحبس وجوده داخل العالم المادي وحده، وتنقطع صلته بالمطلق. الإنسان المحدود، في تصوره، يحتاج إلى علاقة بوجود غير محدود؛ وحين تُسدّ أمامه هذه الإمكانية، يتعمّق شعوره بالضياع. لهذا يفترض بالدين أن يفتح له أفق المعنى، لكن اختزاله في التعليمات والرقابة والعقاب قد يطمس تلك الوظيفة، ويجعل تجربة الإيمان أقل قدرةً على إرواء الظمأ الذي نشأت استجابةً له.

ومن هذه المسألة ينتقل الرفاعي إلى الكرامة الإنسانية. فالدين لا يُفهم، في نظره، بمعزل عن الإنسان وحاجاته إلى الحرية والمساواة والاعتراف بفرادته. وهو لا يستبدل الله بالإنسان، بل يرفض أن يتحول الطريق إلى الله إلى محو الإنسان. الكرامة، في هذا الأفق، ليست منحةً من سلطة سياسية أو دينية، بل قيمة ملازمة للوجود البشري، ومعياراً في فهم النصوص وتقييم أنماط التدين. ولا يستقيم تأويل يُهين الإنسان باسم الدفاع عن المقدس، مثلما لا يستقيم خطاب يصادر ضميره باسم حماية الجماعة. ومن هنا دعوته إلى «التدين الرحماني»: الرحمة ليست رقةً عاطفية عارضة، وإنما قيمة تؤثر في المعرفة والسلوك معاً.

وتحتل لغة الدين موقعاً حاسماً في هذه الرؤية. فاللغة ليست وعاءً محايداً يقدّم المعنى جاهزاً؛ إنها تسهم في تشكيله. اللغة القائمة على التخويف تصوغ علاقة قلقة بالمقدس، ولغة الخصومة تجعل المختلف عدواً، فيما تتيح لغة الرحمة إمكان الاعتراف بالآخر. لهذا اهتم الرفاعي بالهرمنيوطيقا وبالجهد التفسيري لأمين الخولي: ليس لأن النص بلا ضوابط للفهم، بل لأن القارئ يدخل إليه بأسئلة عصره وأدوات معرفته. والانفتاح على التأويل، في هذه الحال، لا يعني إهدار الوحي، بل التمييز بين قدسيته وتاريخية الفهم البشري له.

إقرأ على موقع 180  نُباحٌ ليْسَ مِنَ "أميغو"!

***

منذ العام 1997، تحوّلت مجلة «قضايا إسلامية معاصرة»، التي أسّسها عبد الجبار الرفاعي ويرأس تحريرها، إلى مساحة لاستكتاب باحثين متباينين، وترجمة دراسات، وإثارة أسئلة فلسفة الدين والكلام الجديد والتجربة الدينية. وفي عام 2012 خُصّص إصدار سنوي للمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما لمختارات منها؛ وهي دلالة على وصول النقاش إلى فضاء يتجاوز حدوده العربية. وارتبط بالمجلة نشاط مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وسلاسل نشر ومشروعات تحريرية، بينها «موسوعة فلسفة الدين»، قدّمت للقراء نصوصاً ومقاربات لم تكن ميسورة على نطاق واسع. ولم تكن الترجمة في هذا المسار مجرد نقل أسماء ومصطلحات، بل محاولة لإدخال أسئلة العقلانية والمعنوية والتجربة الدينية إلى التداول العربي، مع الإفادة من الفكر الإسلامي الحديث والفلسفات المعاصرة معاً. وهو ما أعطى النشاط التحريري وظيفة تتجاوز جمع المقالات: تكوين لغة بحثية تسمح بمساءلة المسلّمات، وبالحوار بين دارسي التراث والمتخصصين في العلوم الإنسانية.

والأثر هنا ليس مجرد كثرة المطبوعات. فقد صار مشروع الرفاعي موضوعاً لبحوث جامعية تتناوله بالتحليل والنقد: من أطروحة عن تجديد علم الكلام في جامعة وهران عام 2020، إلى دراسة «سؤال التجديد في علم الكلام الجديد» بجامعة المسيلة عام 2025، ورسالة بجامعة قسنطينة عام 2026 عن الانتقال من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة.

هذه أمثلة محددة على انتقال الأفكار من دائرة القرّاء إلى فضاء البحث الأكاديمي، وإن كان حضورها في الدراسات لا يعني بالضرورة تحوّلها إلى تيار مؤسسي راسخ. قيمة هذا الانتقال أنه يضع المفاهيم موضع اختبار، لا في موضع تسليم أو إعجاب. ومن المهم، هنا، ألّا نقيس التأثير بعدد الرسائل وحده؛ الأجدى أن نسأل عما إذا كان الباحثون قد صاروا ينتجون اعتراضاتهم الخاصة، ويقارنون أطروحات الرفاعي ببدائلها، ويطوّرون أسئلتها بدلاً من الاكتفاء بشرحها. بهذه المسافة وحدها تتحول المبادرة الفردية إلى حقل معرفي قابل للاستمرار.

***

لمشروع عبد الجبار الرفاعي دلالة عراقية أشدّ خصوصية. ففي بلد أنهكته الحروب والحصار والاحتلال والانقسامات الطائفية، كثيراً ما استُخدم الدين لتثبيت هوية الجماعة وتبرير احتكار الحقيقة. لذلك لا يبدو تأسيس مساحة في بغداد لفلسفة الدين وثقافة التسامح نشاطاً ثقافياً محايداً، بل تدخلاً في شروط النقاش العام: من يمتلك حق تفسير المقدس؟ وهل يجوز تحويل الاختلاف المذهبي إلى إلغاء لكرامة الفرد؟ لا يقدّم الرفاعي برنامجاً حزبياً، والخطأ أن نطالبه بذلك؛ أثره المحتمل أعمق وأبطأ، لأنه يمسّ صورة الله والإنسان التي تتغذى منها السياسات الدينية.

ومع ذلك، لا ينبغي تضخيم ما تحقق. فانتشار الكتب والمجلات لا يساوي تبدّل مناهج التدريس في الحوزات وكليات الشريعة، ولا يعني أن التعصب فقد أدواته السياسية والاجتماعية. كذلك فإن تأكيد الحاجة الوجودية إلى الدين لا يجيب وحده عن أسئلة الدولة والقانون وتوازن المصالح. هنا تكمن ضرورة قراءة المشروع نقدياً: ما الحدود الفاصلة بين الخبرة الروحية والمؤسسة الدينية؟ وكيف تتحول أولوية الكرامة إلى قواعد تضمن الحقوق في مجتمعات منقسمة؟ هذه أسئلة لا تنتقص من الرفاعي؛ بل تختبر قدرة مشروعه على تجاوز حدوده النظرية.

يمكن تلخيص محاولته بأنها سعي إلى إنقاذ الدين من اختزاله في الأيديولوجيا، وإنقاذ الإنسان من اختزاله في تكليف قائم على الخوف. إنها إعادة للدين إلى مجال الحاجة الوجودية، وللمعرفة الدينية إلى حق السؤال، وللكرامة إلى مركز العلاقة بينهما. في فضاء عربي طال فيه التنازع بين تدين منغلق وخطابات تستبعد البعد الروحي، يفتح الرفاعي طريقاً لا يخشى الفلسفة ولا يستخف بالإيمان.

***

في الختام؛ تبقى لي كلمة شخصية. تربطني بالدكتور عبد الجبار الرفاعي صداقة ورفقة امتدّتا أكثر من أربعة عقود، عبر انشغالات العمل والابتعاد عن الوطن وتقلبات السياسة. وربما قصّرت في الكتابة عنه قياساً إلى طول هذه الصحبة. لكن ما لمسته طوالها هو إصراره على مراجعة مفاهيمه، وعلى صياغة رؤية عقلانية للدين تبدأ من الإنسان ولا تنتهي عند حدود المؤسسة. أقول ذلك شاهداً على مسار، لا بديلاً عن فحص الأفكار؛ فحقّ الصديق المفكر أن تُقرأ أطروحته بجدية، لا أن تُحصّن بالمودة من النقد.

Print Friendly, PDF & Email
محمد صالح صدقيان

أكاديمي وباحث في الشؤون السياسية، طهران

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  "فورين بوليسي": الهند في الشرق الأوسط.. من عدم الإنحياز إلى المغامرة!