غامت الكلماتُ وتداخلت أمام عينيها وهي تحاول إلقاء النظر على كتاب التاريخ الخاص بولدها؛ استعدادًا للمذاكرة. طلبت منه أن يأتيَ بالنظارة؛ لكنه تباطأ ثم تثاءب ولم يُعرها انتباها. كرَّرت طلبها ولم تلبث أن رفعت صوتَها تنهره في غيظٍ واضح: "اتلحلح". قام الولد مُتثاقلًا وقد بدا عليه الكسل الشديد. الكسل حال من الخمول والتراخي، أما اللحلحة فهي الحركةُ وبعض الأحيان نقيضها؛ لحلح الشيء أيّ زحزَحه عن مكانه، ومثلها تلحلح عن المَوضِع أيّ تركه؛ وعكس المعنى أيضًا صحيح، فإذا قيل لحلح القوم؛ كان المعنى أنهم ثبتوا في أماكنهم ولم يبارحوها.

التكاسُل فعل مُتعمَّد ذو هدف، أما الكسل؛ فغالبًا ما يشي بضَعف الإرادةِ وتفضيلِ الراحة على ما سواها؛ لكنه متى أصبح مؤرقًا وتضرَّر منه صاحبه، وراح يشكو راغبًا في التخلُّص منه؛ استحقَّ إعادة النظر. بعضُ المرَّات يكسل المرءُ وتتدنَّى قدرته على بذل الجَهد بسبب عِلة عضويَّة، وفي تراجُع نشاط الغدة الدرقية ما يُقعِد عن مزاولة الحياة الطبيعية، ويُعجِز الواحد عن إتمام مهامه. يغدو في هذه الحال شخصًا بليدًا على غير ما كان، يزداد وزنًا دون شهيَّة، يسوء مزاجُه العام، تدهمه أعراضٌ جسمانيَّة عديدة، ويلحظ المحيطون به هذه التحوُّلات؛ دون أن يدركوا معاناته مع المرض.

***

في تبعات التكاسُل السلبيَّة تجيء الحِكمة العربيَّة البليغة: “مَن لزمَ الرِقادَ عدمَ المرادَ، ومَن دام كسلُه خابَ أملُه”. الكلمات صريحة مباشرة، والأسلوب تقريريٌّ صارم؛ لا يدع فرصةً للمناورة أو التشكيك في المعنى المَقصود؛ إذ خيبةُ الأمل حاضِرةٌ ما تقاعس المرءُ عن طلب التقدُّم والترقّي، والظنُّ أن الآمال لا تتحقَّق بينما صاحبها راقدٌ في مكانه، عازف عن الاجتهاد في سبيلها.

***

العادة أن يجدَّ الإنسان في عمله، فمتى ساء أداؤه وتراجع مستواه، وجد من ينبهه قائلًا: “شدّ حيلك شوية”. هذه العبارة تتكرر في أماكن ومناسبات كثيرة؛ ربما نسمعها من رئيس لمرؤسه، أو من مدرّب يقوم بتوجيه لاعبيه، أو من مُعلّم يستحثُّ تلاميذه على الفلاح، وأحيانًا ما تتردَّد العبارة داخل البيوت؛ يحفز بها الأهل أولادهم ما توانوا عن إنهاء واجباتهم. تتفاوت الاستجابة باختلاف القائل وكذلك باختلاف المُخَاطَب الذي قد يستقبلها كحافز على الإجادة، وقد يرى فيها إهانة، أو يتجاهلها كأن لم تكن.

***

ربما يمكثُ الواحد عنوةً في مكانٍ وَجَبت مغادرته؛ بينما الناس ينتظرون قيامه عنهم بفارغ صبر. يتململون ويتغامزون ويحاولون إظهار رغبتهم من دون تصريح، وإذ يتجاهلهم ويصنع أذنًا من طين وأخرى من عجين، يأتي الوصف الساخر: “قاعد مبلَّط”. الظنُّ أن القولة مُستقاة من فكرة استقرار الشخص القائم على تثبيت البلاط في الأرض لفترة طويلة؛ يصعب معها القيام، والتبليط هنا ليس إشارة لحالٍ من الكسل وحسب؛ فهذا الشخص “المبلط” له هدف يريد تحقيقه، ويتحمَّل من أجله ألسنة الآخرين.

***

قال الشاعر في حضّ الشعوب وتحريضها على النهوض والأخذ بالأسباب: “وما نيلُ المَطالبِ بالتمنّي.. ولكن؛ تُؤخَذ الحياةُ غِلابا”. التمنّي فعلٌ معنويٌّ لطيف ومسالم، لا يحتاج جهدًا ولا يلزمه سعيٌ وكدٌّ؛ لكنه كذلك لا يأتي بالمراد ولا يحقق المرجو، وما أكثر ما يتمنَّى المرءُ من أشياء؛ تذهب جميعًا أدراج الرياح إذ لا تجد من يفزُّ وينشط لتحقيقها، وتجسيدها على أرض الواقع. تمنينا على مدار الأعوام الفائتة حياة أفضل ومستقبلًا أرفق وأرحب، ثم جلسنا في انتظار نتيجة أمنياتنا النقية المُخلِصة دون أن نكلّف أنفسنا ما يليق من عناءٍ وتعب؛ لتجيء المُحصِلة المنطقية في صورة إخفاق تلو آخر.

***

في التدليل على عدم جدوى التكاسُل تقال العبارة الطريفة: “لو كان النومُ يُطيلُ في الأعمار لأطال عمرَ القطاطيس”. المعروف عن القطط أنها تنام لما يقرب من اثنتي عشرة ساعة يوميًا، وأنها تميل دومًا إلى الراحة والاسترخاء، وتبحث عن الأمكنة التي لا يجدها فيها أحد كي لا يقلق منامها؛ لكن كسلها هذا لا يمنحها العمر الأطول بين المخلوقات، والثابت علميًا أنها تعيش في أفضل الأحوال ما بين خمسة عشر وعشرين عامًا، وفي المقابل فإن الأفيال تنام ساعتين يوميًا وتحيا لسبعين عامًا، بينما الحوت ينام دقائق متقطعة وبعض أنواعه تعيش إلى أن تبلغ مائتي عامًا.

***

يُقال إن العرب كانت من قديم تجد في التكاسُل وكثرة النوم عند النساء؛ انعكاسًا للرقَّة والدِعة والدلال، وأن المرأةَ الخاملة المتأنية كانت تُوصَف آنذاك بأنها “مِكسال”، وفي الغَزَل عند الشعراء ما يؤكد هذا الاعتقاد، وعلى سبيل المثال أنشد عمر بن أبي ربيعة: “وغَضيضُ الطرْفِ مِكْسال الضُحى.. أحور المُقْلةِ كالريمِ الأغنّ”.

***

التكاسُل في التعبير عن المشاعر موقفٌ سلبيٌّ؛ يتحول المرء من خلاله إلى كائن جامد، ويبدو لا مباليًا بمن حوله، غير مكترث لما قد يسفر عنه اختياره. بعض المرات يكون الإرهاق النفسي عاملًا مثبطًا يعوق الإفصاح عن الأحاسيس، وقد تستنزف المواقف الصعبة قدرة الواحد منا على الجهر بمكنوناته؛ يراكم ما يعتمل داخله بعيدًا عن الأنظار، يظنُّه المحيطون قويًا كالصخرة؛ إلى أن يفاجأوا في لحظة بانهياره.

***

لا يرتبط التكاسُل بالأفعال المادية فقط؛ فثمَّة تكاسلٌ عقليٌّ أيضًا، يعزف الواحد فيه عن التفكير ولو قليلًا، ويتجنَّب استخدام ملكات المُساءلة والنقد والتدقيق تجاه المعطيات التي يتلقاها. يعطل مهاراته العليا ويهملها، ويصبح حينها مثل الوعاء الفارغ؛ يمكن ملؤه بما توفر دون انتقاء أو غربلة. بعض الناس ينقادون وراء السائد، يكسلون عن طرح التساؤلات ويمتنعون عن إعمال عقولهم، والنتيجة حشود مَعصوبة الأعين منساقة لمصيرها؛ لا ترى في تنحية أفهامها ما يُشين، لا تدري أنها تمضي بحسن النوايا ووافر السذاجة نحو الهاوية.

إقرأ على موقع 180  إسرائيل.. هل تفاوض لبنان أم تفرض عليه أمرًا واقعًا؟

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  اردوغان على حبال التوازنات الدولية.. هل يسقط في 2023؟