على وقع ارتدادات الحرب الأميركية على إيران، بات العالم في أزمة طاقة مفتوحة بسبب عسكرة مضيقَي هرمز وباب المندب. وكان لارتفاع كلفة المحروقات عالميًا تأثير على المواطن الأميركي، إذ ارتفع متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي إلى 4.36 دولارات، مقتربًا من مستواه القياسي المسجّل خلال أزمة الطاقة عام 2022. أما متوسط سعر الديزل، فقد وصل إلى 6.29 دولارات للغالون خلال أيلول/سبتمبر أيضًا، مسجلًا أعلى مستوى على الإطلاق. وبذلك يكون الديزل قد ارتفع بنحو 67.8% مقارنة بسعره قبل عام، وبنحو 15.2% خلال شهر واحد، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. استطرادًا، شكّل ارتفاع أسعار مشتقات الطاقة في الولايات المتحدة أحد أهم أسباب خسارة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية التي أُجريت يوم الثلاثاءالماضي، كما أقرّ نائب الرئيس جي. دي. فانس في منشور على منصة «إكس»، أسهب فيه بشرح أسباب الإخفاق الانتخابي لحزبه.
كيف استغل بوتين هذه الثغرة؟
وجد سيد الكرملين مصلحة مباشرة في إنقاذ ترامب، علّ الأخير يندفع نحوه ويتبنّى مواقف روسيا حيال كيفية إنهاء الحرب بينها وبين أوكرانيا. قدّم بوتين طوق النجاة لترامب: صفقة ديزل روسية تخفّف وطأة ارتفاع الأسعار في السوق الأميركية. صفقة قوامها توريد كميات فورية تتجاوز 300 ألف طن من الديزل إلى الأسواق الأميركية والعالمية، مع وعود بتوريد 500 ألف طن أخرى في تشرين الثاني/نوفمبر الحالي. وتُعادل هذه الكميات مجتمعة نحو 6 ملايين برميل من وقود الديزل. كما أشار ترامب إلى أنه سيتم توريد ملايين الأطنان الإضافية من الديزل الروسي بعد الدفعات الأولى، وذلك رهنًا بحالة مصافي تكرير الديزل لدى الجانب الروسي.
وفي معرض تعليقه على الصفقة، قال مؤسس شركة «بيكرينغ إنيرجي بارتنرز» وكبير مسؤولي الاستثمار فيها، دان بيكرينغ، إنه يتوقع زيادة في الإمدادات تتراوح بين 5% و6% في الفترة ما بين تشرين الأول/أكتوبر ونهاية العام. وليس تفصيلًا أن الصفقة أثارت حنق الجانب الأوكراني.
غضب وقلق كييف يتزايدان
ترزح روسيا، منذ اندلاع الحرب بينها وبين أوكرانيا عام 2022، تحت العقوبات الأميركية والغربية التي يسعى القائمون عليها إلى تجفيف إيرادات الدولة الروسية، بهدف خنق اقتصادها ضمن وسائل ضغط سياسية لتحقيق انتصار للطرف الأوكراني، ومن خلفه أوروبا.
وفيما كانت العقوبات الأوروبية ضد موسكو تتوسع في الأشهر الماضية، برز قلق أوكراني بعد صفقة الديزل من إمكانية منح بعض القطاعات الاقتصادية الروسية استثناءات أميركية، قد تبدأ بصفقة ديزل محدودة، ولكنها قد تمهّد الطريق لاحقًا لرفع العقوبات عن قطاعات المصارف والطاقة والبتروكيماويات والنقل، حسبما تقتضي الحاجة والضرورة.
إضافة إلى ذلك، فإن الجانب الأوكراني بدأ يخشى من انزياح كلي لإدارة ترامب باتجاه تبنّي مواقف روسيا، لا سيما عقب تقليص واشنطن بعض أوجه الدعم الاستخباراتي والتقني الأميركي لأوكرانيا، إضافة إلى وضع قيود مرتبطة باستخدام أنظمة الاتصالات العسكرية.
أوروبا تتواضع
على الضفة الأوروبية، التي كانت الأشد حماسة لدعم زيلينسكي، عسكريًا وماليًا وسياسيًا، فإن دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة تلك المنضوية في حلف الناتو، باتت مضطرة إلى رفع سقف إنفاقها الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة بحلول عام 2035، ضمن سلسلة قرارات اتخذتها قمة للناتو عُقدت العام الماضي.
وبالطبع، فإن جانبًا من الإنفاق العسكري الذي تنوي الدول الأوروبية التوسع فيه سيكون منصبًّا على تعزيز القطاعات الدفاعية والعسكرية المحلية بدلًا من توريده إلى أوكرانيا، إذ إن المخاوف الأمنية والسياسية لدى الدول الأوروبية في تزايد مستمر.
هذا عدا عن أن السخاء في حجم العطاءات الأوروبية لكييف قد يتضاءل بنسب متفاوتة، نظرًا إلى الاحتجاجات الشعبية في عدد من الدول الأوروبية، وما قد تفرضه من زيادة في الإنفاق الخدمي أو إعادة توجيه الإنفاق، وهو ما يعاكس رغبات أوكرانيا بكل الأحوال. كل هذه العوامل ستصبّ في مصلحة بوتين دون أدنى شك.
عجلة المفاوضات تتحرك
في هذا السياق، حطّ المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف في مدينة سان بطرسبورغ الروسية في 21 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد لقاء جمعه بزيلينسكي في أوسلو. حرّكت هذه الجولات مسار المحادثات المتوقفة بين روسيا وأوكرانيا منذ أشهر، حيث من المرتقب عقد محادثات بين الجانبين قرابة العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر الحالي في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بوساطة من الولايات المتحدة.
وإذا راقبنا تسلسل الأمور والأحداث زمنيًا، فإن تحريك عجلة المحادثات في تشرين الثاني/نوفمبر أتى بعد صفقة الديزل في تشرين الأول/أكتوبر. وفي هذا السياق، فإن بوتين قد يكون من أكثر المستفيدين من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي تلفّ أكثر من بلد أوروبي.
علاوة على ذلك، فإن ترامب، وبعد هزيمة حزبه في انتخابات الكونغرس، التي كانت حرب إيران أحد أسبابها المباشرة، قد يكون بحاجة إلى تحقيق اختراق في ملف خارجي آخر يعوّضه عن هذه الخسارة. وهو إذا نجح في إيجاد تسوية للحرب الروسية–الأوكرانية، فسيضيف هذا الإنجاز إلى سلسلة «إنجازاته»، طالما أنه يتباهى في كل مناسبة بأنه أطفأ ثماني حروب في العالم منذ تولّيه الرئاسة.
مؤشرات أميركية
- صرّح ترامب في 19 تشرين الأول/أكتوبر الماضي بأنه يعتقد أن الوقت قد حان ليتولى شخص آخر غير الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التفاوض نيابة عن أوكرانيا لإنهاء الحرب مع روسيا.
- توقّع ترامب، في دردشة مع الصحافيين في 5 تشرين الثاني/نوفمبر، التوصل إلى اتفاق كبير مع روسيا لا يقتصر على الشأن الأوكراني فقط، بل قد يشمل أوروبا بأكملها، دون الإدلاء بتفاصيل إضافية.
صحيح أن المعطيات التي تفيد بانزياح أميركي نحو مواقف موسكو باتت أكثر وضوحًا، ولكن لا تزال هناك صعوبات كثيرة تحيط بالمقاربة الأميركية إزاء الملف الأوكراني. والسؤال الأكثر إلحاحًا سيكون: إذا ما انحازت أميركا لمصلحة موسكو في كيفية إنهاء النزاع، فكيف ستتمكن من إرضاء كييف، لا سيما أن الموقف الأميركي الذي عبّر عنه جاريد كوشنير في منشور بتاريخ 5 تشرين الثاني/نوفمبر، لا يزال منصبًّا على إيجاد عنصرين أساسيين مترابطين لتحقيق سلام دائم، وهما منح ضمانات أمنية لكييف وإيجاد هيكل أمني أوروبي أوسع نطاقًا.
وإزاء هذه التساؤلات، وربطًا بموقف ترامب المدوّن أعلاه، فإن إيجاد تسوية أميركية سيكون محفوفًا بالمخاطر. فواشنطن ترغب، من جهة، في إرضاء بوتين في سلسلة مطالبه بشأن سبل إنهاء الحرب، ومن جهة أخرى، تريد توفير ضمانات أمنية وسياسية لكييف. ومن نافل القول إن هذه الضمانات قد تغضب روسيا، فيختلّ عندها التوازن.
إلا إذا كان ما يمهّد له الجانب الأميركي هو إزاحة زيلينسكي عن كرسي الرئاسة، وهو احتمال لا تتوافر أدلة معلنة على تبنّيه، فيما تبقى سيناريوهات تغيير القيادة الأوكرانية، سواء عبر الانتخابات أو غيرها، في دائرة التكهنات، ولا يمكن اعتبارها مسارات مقررة أو خططًا أميركية مثبتة.
