العراق جُغرافياً ودُيموغرافياً.. بوابة نظام دولي جديد

يشكَل العراق، بجغرافيته وديموغرافيته، تاريخياً ساحة تملك من المزايا، ما يجعلها مهمة للغاية، بالنسبة لمن يريد السيطرة على المسالك من بيروت إلى شانغهاي. زدْ على ذلك تنوع الهويات الدينية والإثنية والقومية.. والشخصية العراقية التاريخية.  

يذكر التاريخ القريب أنموذجاً من المهم في هذا التوقيت المفصلي من تاريخنا التوقف المرحلي عنده، فمع استقالة الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، وتسليم السلطة الفيدرالية لنائبه فلاديمير بوتين،  بدا للمراقبين، آنذاك، أن روسيا قد بلغت الذروة السلبية لمنحنى الانهيار والتفكك، وأن العالم مقبل على تحوّلات تدريجية كبيرة ذات بعد تراكمي، وخاصةً أن الكتلة الشرقية من قارة آسيا ممثلةً بالصين، قد أخذت تقلّص الفارق في معدّلات النمو الاقتصادي الكبير والذي حققته بتسارع هائل بينها وبين الغرب عموماً، والولايات المتحدة  على وجه الخصوص، مما شكلّ تهديداً حقيقياً على نظام الهيمنة العالمي وحيد القطب، ولَم يكن هناك من سبيل إلا الذهاب بعيدا لمواجهة المخاطر المحدقة به، وخاصةً بعد أن فشل في استعادة السيطرة على الهضبة الإيرانية التي ثارت عليه مبكراً، وصنعت ثورةً من خارج الزمان والمكان، وبشكل مفاجئ للجميع في عالم ثنائي القطب، وتابعت مسيرها بتحد ونجاح بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، في عالم أحادي القطب.

بُعيد ذلك، وقع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000، بفعل بأس عمليات المقاومة التي دعمتها طهران ودمشق، ومن دون شروط، كدلالة هامة على ملامح تغيير  تلوح في أفق البيئة الإقليمية والدولية، وهو يحمل أولى المؤشرات لطبيعة التهديدات المستقبلية لنظام الهيمنة الأمريكي.

من هنا، وُلدَت حالة التنّبه للأمريكيين  في ضرورة التحرك وسباق الزمن لمحاصرة هذه البيئات الثلاث الكبرى، التي بات يجمع بينها قاسم مشترك أكبر، ممتد في عمق التاريخ، يتمثل في فكرة الرفض القاطع  لكل أشكال الهيمنة والاحتلال.

لم يكن اختيار أفغانستان والعراق عبثياً وفقاً لمجمل السياسات المتبعة خلال القرون الماضية من عمر الهيمنة الغربية، ففي احتلالهما يمكن الفصل بين هذه الكتل الثلاث (روسيا والصين وإيران)

إرتأت الولايات المتحدة أن لا تدخر جهداً مهما كانت طبيعته، لمنع تكامل هذه البيئات الثلاث مع بعضها البعض، في كل من روسيا والصين وإيران، والعمل على الفصل في ما بينها، ومنع تشكُّل إطار جغرافي جامع يستقطب بقية الدول الآسيوية، ويستطيع التمدد إلى أوروبا وإفريقيا، مما يصب في عودة الدور للعالم القديم في رسم السياسات الاقتصادية والثقافية والعسكرية للعالم أجمع، واضمحلال دور العالم الجديد في ذلك.

لم يكن اختيار أفغانستان والعراق عبثياً وفقاً لمجمل السياسات المتبعة خلال القرون الماضية من عمر الهيمنة الغربية، ففي احتلالهما يمكن الفصل بين هذه الكتل الثلاث (روسيا والصين وإيران)، وهذا ما وفرته ذرائع انهيار برجي التجارة العالميين في نيويورك في العام 2011.

وقد شكل العراق في هذه الاستراتيجية الأمريكية، المحور الأكثر أهمية، لما يمتلكه من مزايا تجعل من يسيطر عليه ويستثمره في صراعاته الدولية رابحاً دولياً بامتياز، ولا يمكن اختزال أهمية العراق بمسألة غناه بحوامل الطاقة التي يسيل لها لعاب الشركات العابرة للقارات فحسب، بل يمكن تفنيده وفق ما يلي:

أولاً، الدور الجغرافي:

يمتلك العراق الخط الفاصل الأخير بين البحر الأبيض المتوسط وعمق قارة آسيا، وانتهاءً ببحر الصين في شرق القارة، وخاصةً أن دمشق مع حلفائها استطاعت أن تبسط سيطرتها على جزء واسع من الأراضي السورية، والوصول إلى الحدود العراقية، فإذا ما استطاع العراقيون أن يحسموا قرارهم، ويخرجوا الأمريكيين من العراق، فإن الطرق البرية من موانئ بيروت وطرابلس وطرطوس واللاذقية ستصبح سالكة حتى بكين وشانغهاي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن العراق بموقعه الجغرافي المتكامل مع سوريا يستطيع أن يشكل حاجزاً أمام تمدّد الطموح التركي بعثمانيته الجديدة جنوباً، والذي يصب موضوعياً في خدمة الاستراتيجية الأمريكية، شرط إنضباطه بالحدود المرسومة له، وعدم الانفلات باتجاه الخصوصية الجغرافية لهضبة الأناضول.

نظر الأمريكيون إلى مصيرهم في العالم المتحول من خلال هاتين النقطتين الأساسيتين، وأدركوا أن معركتهم الأساسية تهددها نهضة آسيا ومبتدأها الأساس في الساحة العراقية

ثانياً، الدورالديموغرافي:

يتمتع العراق بكتلته السكانية الكبيرة بتنوع هويات دينية ومذهبية وإثنية وقبلية شديدة التعقيد والتماهي، لها امتدادات إقليمه نحو سوريا وتركيا والخليج وإيران وباكستان وأفغانستان والهند وروسيا والصين بل ربما إلى أغلب أنحاء العالم الإسلامي، والعبث بالمجتمع العراقي سيذهب بهذه الهويات للصدام والتنازع على أساس قومي، وخاصةً بين القوميات الكبرى (عرب وفرس وكرد وترك)، وعلى أساس مذهبي (شيعي – سني)، وعلى أساس (قبلي – عشائري)، ويساعد في هذا الأمر طبيعة تكوين الشخصية العراقية ببعدها الحضاري التاريخي، وفشل الأمريكيين في هذا الأمر سينعكس إيجاباً على هذه الهويات، ويدفع لإيجاد شكل من أشكال المصالحة العابرة للحدود في كل الاتجاهات.

من هذا المنطلق، نظر الأمريكيون إلى مصيرهم في العالم المتحول من خلال هاتين النقطتين الأساسيتين، وأدركوا أن معركتهم الأساسية تهددها نهضة آسيا ومبتدأها الأساس في الساحة العراقية، حيث كان من الواضح أن هناك تحالفاً استراتيجياً غير معلن بين روسيا والصين وإيران، خاض جملة من المعارك العسكرية والسياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة بشكل متكامل، تصدت فيها إيران للجانب العسكري المباشر، وخاصةً في فلسطين وسوريا ولبنان واليمن والعراق وأفغانستان، وحققت مع حلفائها فيها إنجازات عسكرية كبيرة، وأظهرت مدى العجز الأمريكي في منع ظهور من يتحدى هيمنتها.

إغتيال كلٍ من اللواء قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، خطوة تعبر عن حجم المأزق، وفشل كبح جماح التحولات الدولية

وبالانتقال عبر هذه المقاربة إلى الحاضر القريب، فقد أثارت زيارة رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي إلى الصين وعقده اتفاقيات اقتصادية ضخمة معها، وفتحه للحركة البرية بين سوريا والعراق، استياء الولايات المتحدة الشديد، مما دفعها لإطلاق حركة احتجاج كبيرة على أرضية الفساد المستشري للسلطات العراقية الثلاث، وعندما لم تستطع أن تسقط العراق في خيوط استراتيجيتها، لجأت لرفع سوية الضغط باستهداف الحشد الشعبي علانيةً على الحدود العراقية السورية، مما ولّد حركة شعبية مناهضة اقتحمت السفارة الأمريكية في بغداد، ترافقت مع أهم رسالة لها هي التعبير الصريح عن الحلف الآسيوي في المناورات البحرية في بحر عُمان والمحيط الهندي، وهي واضحة الدلالات من قبل روسيا والصين وإيران بضرورة ابتعادها عن الممرات البحرية الممتدة من الصين إلى الخليج والبحر الأحمر، مما دفعها لتفجير العراق بإغتيال كلٍ من اللواء قاسم سليماني، وأبو مهدي المهندس، في خطوة تعبر عن حجم المأزق، وفشل كبح جماح التحولات الدولية، على الرغم من إدراكها بأن فشلها في هذه الخطوة سيدفع بها مكرهة للخروج من العراق وسوريا مباشرةً، ومن غرب آسيا بأكمله في مرحلة لاحقة، والذي سيفسح المجال لاكتمال مشروع قارة آسيا بلا وجود أمريكي، وبالتالي الإقرار بنظام دولي جديد متعدد الأقطاب تستظل به منظومات إقليمية فرعية منضبطة بأطر منخفضة من الصراع والأقرب للتنافس.

إقرأ على موقع 180  ما بعد "السفينة" و"نطنز".. إسرائيل "تلعب بالنار" مع واشنطن وطهران!

على الرغم من خصوصية الاستهداف لكل من العراق وإيران في عملية الاغتيال، فإن الحدث ذو بعد عالمي ومصيري لكل الأطراف، وخاصةً بالنسبة لإيران ومن خلفها الصين وروسيا، كما هو مصيري بالنسبة للولايات المتحدة، ومن الصعب جداً ان تتعاطى طهران مع العملية وفقاً للسياق السابق للعملية، وهي أمام استحقاقات وجودية تتطلب التصعيد العسكري المتناغم مع حلفائها في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين واليمن وأفغانستان، وهي حتماً ستسير بهذا الاتجاه، وخاصةً في العراق الذي لم يعد يستطيع توفير بيئة للمساكنة بين متناقضين، ولا بد من خروج أحدهما، وهو بطبيعة المسارات السابقة لن يكون إلا الولايات المتحدة.

(*) طبيب، كاتب وباحث سوري

Print Friendly, PDF & Email
أحمد الدرزي

كاتب وباحث سوري

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  تل أبيب عن غاراتها السورية: خيارات إيرانية ضيّقة.. و"فرصة أميركية"