هل يريد حزب الله حكومة أم لا يريد؟

إذا إفترضنا حسن النية، يمكن القول إن سلوك فريق الأكثرية النيابية الحالية (8 آذار/مارس) ينم عن خلل كبير في الإدارة السياسية. تأليف حكومة اللون الواحد يفسح في المجال أمام إستنتاج أن هؤلاء ليسوا عبارة عن "بيت بمنازل كثيرة"، بل منازل بحسابات متعددة، والأخطر أن لا ثقة بين كل هذه المكونات، برغم ما يوحي به ظاهر الأمور. هل هناك من تفسير آخر؟

عندما إنتهت الإنتخابات النيابية في ربيع العام 2018، خرج فريق 8 آذار/مارس منتشياً ورافع الرأس. الأكثرية النيابية في جيبه. لم يكن ذلك “الإنتصار” منفصلاً عن خيارات إقليمية، وأولها، هزيمة داعش عسكرياً، في سوريا والعراق، وعلى طول الحدود الشرقية للبنان، وثانيها، تمكن المحور الذي ينتمي إليه حزب الله من التقدم بالنقاط في العديد من ساحات المنطقة مثل اليمن وسوريا والعراق.

في لبنان أيضاً، تمكن حزب الله، بعد سنتين من الفراغ الرئاسي، من إيصال ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية، بشراكة كاملة مع سعد الحريري، العائد إلى رئاسة الحكومة، قبل الإنتخابات النيابية وبعدها، مقيداً بدفتر شروط، جعله خافض الرأس سياسياً، وعالي الكتف في المحاصصة. مسار سياسي “نموذجي” لحزب الله (رئاسة جمهورية وأكثرية نيابية معقودين له وحكومة له فيها ما يعادل الثلثين) لكنه لم يعمّر أكثر من 18 شهراً.

جاءت مرحلة 17 تشرين الأول/أكتوبر، وكان يفترض أن تعيد جميع القوى ترتيب أولوياتها، لكن ما جرى على مدى أكثر من تسعين يوماً، يطرح سؤالاً تتفرع عنه أسئلة: هل يعقل أن حزب الله لم يتمكن حتى الآن من تشكيل حكومة اللون الواحد؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من محاولة وضع إطار كبير، إقليمي ودولي، لمحاولة فهم السياق الذي يمكن أن تندرج فيه “الحكومة” أو “اللاحكومة”.

ثمة إستهداف خارجي لا أحد ينكره. الضاغط أمران. الصواريخ الدقيقة والغاز. في الوقت نفسه لن تتوقف العقوبات الأميركية بل هي مرشحة للتصاعد. إسرائيل تعد العدة لأحد إحتمالين لا ثالث لهما: إما استمرار الردع المتبادل مع حزب الله إستنادا إلى نتائج حرب تموز/يوليو 2006، وإما شن عملية عسكرية ضد لبنان “غير مسبوقة في مستوياتها التدميرية”.

يتعزز الاحتمال الثاني، بنظر العديد من المراقبين، في ضوء تقلص الهوامش في باقي الساحات (مثلاً، الروسي يرسم حدوداً في سوريا)، وبرغم زعم رئيس أركان العدو أفيف كوخافي أن إحتمال حدوث مواجهة محدودة مع إيران “هو إحتمال معقول”، لكن لبنان “أصبح الأكثر ملاءمة لتمرير سياسات إيران”، بالنسبة إليه، لا سيما في ضوء ما يمتلكه الحزب من “ترسانة صواريخ دقيقة جداً”، على حد تعبير كوخافي، من دون إغفال قضية معامل الصواريخ الدقيقة التي أثارها ويثيرها الأميركيون مع الحكومة اللبنانية، أكثر من مرة، في السنتين الأخيرتين.

ومع إغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، يمكن القول إن المنطقة دخلت في مرحلة إنتقالية بالغة الحساسيةً، ستمتد من الآن وحتى موعد الإنتخابات الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. فإذا أمكن للإيرانيين إظهار “النفس الطويل” الذي لطالما اشتهروا به، فهم يواجهون خياراً من ثلاثة: أولا، ستاتيكو لا حرب ولا إتفاق ولا تفاوض. ثانيا، التفاوض مع دونالد ترامب، إذا أعيد إنتخابه لولاية ثانية، (والأخير ليس منيعاً أمام إعادة انتخابه وهو يهوى عقد الصفقات). ثالث الخيارات، إبرام صفقة “مع ديموقراطي (أميركي) من دعاة السلام، مع أربع أو ثماني سنوات من العرض”، كما يقول مايكل نايتس في “فورين بوليسي”، في سياق إستعراض مآلات الإشتباك الإيراني ـ الأميركي.

يذكر هذا النفور الحريري المفاجىء من باسيل بخطاب رئيس تيار المستقبل، غداة إنتخابات العام 2005 النيابية. وقتذاك، أبلغ الحريري الحاج حسين خليل رفضه تمثيل التيار الحر في حكومة فؤاد السنيورة الأولى قائلاً له: “أغادر لبنان ولا أضع يدي بيد ميشال عون”!

الخلاصة هنا أن الإيراني معني بتمرير سنة بالحد الأدنى، بأقل الخسائر، إن لم يكن بمحاولة تحسين أوراقه التفاوضية. لعل حزب الله يضع هذا الأمر في الحسبان، وبالتالي يدرك أن الأميركي، وإن كان غير راغب بالحرب في المنطقة، لكنه معنيٌ بإشغال الإيراني في كل الساحات.

لعل هذا واحد من الإعتبارات التي تجعل حزب الله يريد حكومة. لذلك، تمسك حتى آخر لحظة بسعد الحريري، حتى أن المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين خليل، وقبل أن يغادر بيت الوسط في آخر زيارة له، قبل شهر، حاول بكل الوسائل إقناع رئيس تيار المستقبل بالعودة عن قراره الرافض العودة إلى السراي الكبير، فكان جواب الأخير حاسماً: “طالما أن عون في بعبدا وجبران باسيل سيكون شريكي في السلطة، أفضل إعتزال السياسة على رئاسة الحكومة”.

يذكر هذا النفور الحريري المفاجىء من باسيل بخطاب رئيس تيار المستقبل، غداة إنتخابات العام 2005 النيابية. وقتذاك، أبلغ الحريري الحاج حسين خليل رفضه تمثيل التيار الحر في حكومة فؤاد السنيورة الأولى قائلاً له: “أغادر لبنان ولا أضع يدي بيد ميشال عون”!

هذا النبذ المتبادل والمفاجىء بين عون (باسيل) والحريري، من جهة، وهذه “المساكنة الحبية” بين حزب الله والحريري، من جهة أخرى، يثير أسئلة في كل الإتجاهات. الأكيد أنه في عز شهر العسل الحريري ـ الباسيلي، لم يكن حزب الله شريكا في “إنتاجهما”، بأفضل توصيف ديبلوماسي، لكن في عز إشتباكهما، يبدو الحزب متهيباً مما هو أبعد وأخطر.

لم يعد الأمر منحصراً فقط بإعتبارات إقليمية تجعل حزب الله ينظر إلى لبنان كجزئية في مشهد كبير. ثمة قناعة أن كل منظومته مهددة إذا لم تكن الركائز التي يقف عليها صلبة، سواء ضمن بيئته الموجوعة، أو ضمن المشهد اللبناني العام.

هل يملك حزب الله معطيات مغايرة لتلك التي أبلغه إياها السفير الفرنسي مؤخراً، كما أبلغها لمسؤولين آخرين بإسم “أصدقاء لبنان” بأن يكفي إلتزام الحكومة الجديدة ببرنامج الإصلاحات حتى تكر سبحة الدعم لها

هل يبقى حزب الله متمسكاً بالحريري حتى إشعار آخر، وهل يعبّر ذلك عن تهيب ما؟ هل أن أية حكومة ستتألف، من دون الحريري، ستصنف حكومة لون واحد وتتحول ذريعة للمزيد من الحصار والعقوبات وهل يستطيع لبنان الخروج من الإنهيار الإقتصادي والمالي من دون مساعدات أو دعم خارجي؟ وهل يملك حزب الله معطيات مغايرة لتلك التي أبلغه إياها السفير الفرنسي مؤخراً، كما أبلغها لمسؤولين آخرين بإسم “أصدقاء لبنان” بأن يكفي إلتزام الحكومة الجديدة ببرنامج الإصلاحات حتى تكر سبحة الدعم لها، بمعزل عن مسميات الحكومة وأسماء رئيسها والوزراء؟ هل ثمة خشية من إعادة إشتعال خطوط التماس المذهبية من جبل محسن شمالاً إلى ساحل الشوف جنوباً مرورا بالعاصمة والبقاع الأوسط؟ هل للحكم الذي سيصدر عن المحكمة الدولية هذه السنة حصة من هذا الحذر؟ هل يتحمل حزب الله ترف التجريب في هذه المرحلة أم يلجأ إلى “خيارات آمنة”؟ وهل ثمة أبعاد خارجية وراء عدم الحماسة لتأليف حكومة برئاسة حسان دياب؟

الأكيد أن سعد الحريري قد أقفل الباب حتى الآن، وبالتالي، كان لا بد من حسن التصرف. من جهة، هناك عهد مسمى على حزب الله وفشله هو فشل له. صحيح أن حسان دياب لم يسمه الحزب، لكن العهد تبناه، قبل أن يفكر، في لحظة معينة، بأن يتخلى عنه، فكان أن تراجع بعد أن تأكد له إستحالة دفعه للإعتذار. من جهة ثانية، تعتبر حكومة اللون الواحد في هذه اللحظة وصفة غير مناسبة للبلد. الضغط الإقتصادي والمالي يكبر. الشارع بات يتقدم الحراك، ويوماً بعد يوم، سيكتشف الجميع أن لا أحد بمقدوره التحكم بالأرض، فماذا إذا وقع محظور الدم؟

رب قائل أن هذه الأسئلة كلها في غير محلها. هل يكفي القول إن تأخير تأليف الحكومة أسبابه تافهة وسخيفة ولا تتعدى سعي حلفاء حزب الله إلى التناتش وجني المكاسب؟

هناك طامحون لخوض مبكر للمعركة الرئاسية سواء بالثلث المعطل أو بأسماء الوزراء أو بالمحاصصة. هناك من يقيسون الأمور من منظار ضيق جداً. كيف لنا أن نُصدق أن سليمان فرنجية وطلال ارسلان وأسعد حردان وجهاد الصمد قرروا في ليلة شتوية أن لهم خطوطهم الحمراء، وإذا تم تجاوزها، الويل والثبور لحزب الله… طبعاً، إلا إذا كان هناك من يريد القول: عاد بشار الأسد إلى لبنان!

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course