بومبيو… “الضيف السام” في الفضاء السوفياتي

من أوكرانيا وبيلاروسيا إلى كازاخستان وأوزبكستان تنقّل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في الفضاء السوفياتي.  سريعاً، استشعرت موسكو الهدف المركزي من تحركات "الضيف السام"، كما وصفه الإعلام الروسي، وهو  الاستثمار في التناقضات السائدة بين روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة في بعض الملفات الاقتصادية والسياسية، وربما افتعال أزمات ضمن ملفات أخرى، سعياً لاستعادة التجربة الأوكرانية.

بدت جولة مايك بومبيو في الفضاء السوفياتي السابق محاولةً لتأسيس مسار جديد عنوانه تقديم الإغراءات لدول الجوار الروسي من بوابة الاستثمارات الاقتصادية، لا سيما في قطاع الطاقة،  وشق طرق للتعاون السياسي، حتى وإن تطلب الأمر مصافحة مَن كان يوصف، حتى الأمس القريب، في الولايات المتحدة، والغرب عموماً، بـ”آخر ديكتاتور في أوروبا”.

أوكرانيا: لملمة “الفضيحة”

المحطة الأولى من جولة رئيس الدبلوماسية الأميركية كانت أوكرانيا. لا حاجة للتذكير بأن هذه الجمهورية السوفياتية السابقة تحوّلت إلى حصان طروادة في الجوار الروسي، وباتت تدور منذ سنوات في الفلك الاميركي، لتصبح جبهة متقدمة في الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا.

وبرغم الولاء الأوكراني الكامل للولايات المتحدة، وهو ما لا يعطي الزيارة بعداً خارجاً عن المألوف، إلا أن التوقيت يكتسي أهمية كبرى، خصوصاً أن أوكرانيا تحوّلت إلى العنوان الأول للمواجهة الداخلية بين دونالد ترامب ومعارضيه الديموقراطيين الساعين لعزله،  منذ الكشف عن فضيحة اتصاله مع نظيره الاوكراني فلاديمير زيلينسكي، والتي يُشتبه فيها بأن الرئيس الاميركي استخدم نفوذه للتأثير على دعوى قضائية بحق ابن منافسه الديموقراطي جو بايدن.

فضيحة ترامب – زيلنسكي، التي باتت جوهر المنازلة الكبرى في حلبة الصراع الديموقراطي – الجمهوري في واشنطن، اتخذت قبل أيام بعداً جديداً، بدا أقرب إلى زلزال ارتدادي، حين نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” معلومات مفادها أن رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون سعى لربط المساعدات العسكرية لكييف بمسار التحقيقات في أنشطة بايدن في اوكرانيا.

بذلك، يمكن وضع زيارة بومبيو في سياق محاولة لملمة الفضيحة، وهو ما تبدّى في التصريحات المتبادلة، والعواطف الحارة، بين الوزير الأميركي والرئيس الأوكراني، حيث أعرب الاخير عن “تقديره البالغ” لجهود ترامب في تعزيز التعاون المشترك في كافة المجالات، بما في ذلك المجال العسكري، فيما رد الاول بالقول إن “الولايات المتحدة تعتبر أن النضال الأوكراني من أجل الحرية والديموقراطية والازدهار نضال شجاع، والتزامنا بدعمه لن يتغير”.

وكرسالة دعم إضافية إلى كييف، حرصت الإدارة الأميركية على أن تستبق زيارة وزير خارجيتها بتوسيع “القائمة السوداء” في ملف القرم، عبر  إدراج ثمانية مواطنين من روسيا واوكرانيا عليها، بجانب شركة روسية تعمل في مجل السكك الحديد إلى شبه الجزيرة التي استعادتها روسيا في العام 2014.

بيلاروسيا: تقارب مع “آخر دكتاتور في أوروبا”!

أبعد من كييف، كان لزيارة بومبيو إلى مينسك وقع مختلف، فهي الأولى لوزير خارجية أميركي منذ أوائل التسعينيات.

تكمن أهمية الزيارة في تزامنها مع أزمة في العلاقات الروسية –البيلاروسية، حيث فشلت موسكو ومينسك في الاتفاق على امدادات النفط إلى بيلاروسيا، التي ما زالت تصر على شراء النفط الروسي بنفس الشروط التي كانت معتمدة في العام الماضي، وهو أمر غير مربح لروسيا، بالنظر إلى أن الامدادات السنوية تناهز 24 مليون طن، ما يعني خسارةً تقدر بنحو 1.6 مليار دولار على أقل تقدير.

وفي وقت تسعى بيلاروسيا إلى التقليل من الاعتماد على النفط الروسي، وقد بدأت بالعفل في شراء شحنات من النروج، وتدرس امكانية الحصول على امدادات من كازاخستان، دخل الوزير الاميركي على الخط، عارضاً  على مضيفه، الرئيس الكسندر لوكاتشينكو، الذي غالباً ما يوصف في الغرب بأنه “آخر ديكتاتور في أوروبا” شراء النفط الأميركي، بنسبة مئة في المئة، وبأسعار تنافسية.

ومن غير المعروف بعد كيف يمكن أن تمضي العلاقات البيلاروسية-الاميركية قدماً، في وقت لا تزال الادارة الاميركية تفرض عقوبات على كبار المسؤولين البيلاروسيين، بمن فيهم لوكاتشينكو نفسه، على خلفية “تقويض الديموقراطية” و”انتهاك حقوق الانسان”، ولا يزال البيت الأبيض يعتبر أن الجمهورية السوفياتية السابقة تمثل “تهديداً كبيراً للأمن القومي الأميركي”.

لا بد من التذكير هنا بأنّ التوجهات الاميركية للتقارب مع بيلاروسيا بدأت منذ أشهر، حيث قام رئيس مجلس الأمن القومي السابق جون بولتون بزيارة إلى مينسك، لرصد أفق التعاون، وقد تبع ذلك توافق على اعادة افتتاح البعثات الدبلوماسية بين البلدين.

كازاخستان: اغراءات اقتصادية

لا تختلف أهداف زيارة بومبيو إلى كازاخستان واوزبكستان عن السياق العام لجولته الماراثونية للجمهوريات السوفياتية السابقة.

كازاخستان بالذات باتت جزءاً من هياكل التكامل الرئيسية في الفضاء السوفياتي، إلى جانب بيلاروسيا، بعد الانهيار الكبير عام  1991، من خلال عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي ورابطة الدول المستقلة، وهي تُعتبر أحد الحلفاء الرئيسيين لروسيا.

ومع ذلك، لا تخرج كازاخستان عن ذلك النهج المعتمد من قبل الكثير من الجمهوريات السوفياتية السابقة، والقائم على تنويع سياساتها الخارجية وتوجهاتها الاقتصادية عبر تكثيف العلاقات مع الولايات المتحدة.

على هذا الأساس، لم تبخل نور سلطان (استانا سابقاً) على الوزير الضيف في ترتيب لقاءات جمعته بالرئيس الحالي قاسم جومارت توكاييف، وسلفه، الرئيس الفعلي، نور سلطان نزارباييف.

لم يفوّت بومبيو بطبيعة الحال فرصة اللعب على الوتر الاقتصادي الحساس، فقد أشار إلى أن حجم الاستثمارات الاميركية في كازاخستان يناهز 45 مليار دولار، عارضاً تعزيز التعاون الاقتصادي. وبعبارات دبلوماسية دقيقة قال إنّ الولايات المتحدة تؤيد تماماً حرية كازاخستان في اختيار الدولة التي تتعامل معها، في إشارة واضحة إلى روسيا، ولكنه أعرب عن “ثقته” في أن “الدول تحقق ربحاً أكبر عندما تتعامل مع الشركات الأميركية”، مشدداً في الوقت ذاته على أن شركات الطاقة الاميركية ستواصل استثمارها في الجمهورية السوفياتية السابقة.

وكما هي الحال مع بيلاروسيا، فإنّ مساعي التقريب بين واشنطن ونور سلطان ليست جديدة، فقد بُذلت جهود حثيثة لتكريس التعاون الثنائي منذ العام 2018، حين طار نور سلطان نزارباييف إلى واشنطن للقاء دونالد ترامب، في زيارة جرى خلالها توقيع 20 اتفاقاً وبروتوكولاً تجارياً بقيمة 7.5 مليار دولار، بجانب اتفاق على امكانية استخدام الولايات المتحدة مرفأي كوريك وأكتاو على بحر قزوين لأغراض “تجارية”، تتمثل في نقل البضائع الى افغانستان.

اوزبكستان:  إحياء مشروع “5+1”

في ما يتصل بأوزبكستان، يبدو التقارب أكثر سهولة، ذلك أن طشقند – التي زار رئيسها شوكت ميرضياييف واشنطن أيضاً في العام 2018، حيث تم التوقيع على عقود في قطاعي الطاقة والزراعة بقيمة خمسة مليارات دولار –  سبقت نظيراتها السوفياتية في توجيه بوصلتها نحو الولايات المتحدة، وتحديداً منذ الغزو الأميركي لأفغانستان، حين سمح الرئيس السابق إسلام كريموف للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية على أراضي بلاده لتوفير العبور إلى أفغانستان، كما دعم الموقف الأميركي في غزو العراق عام 2003.

علاوة على ما سبق، فإنّ اوزبكستان عمدت إلى الابتعاد عن مؤسسات التكامل  في الفضاء السوفياتي السسابق، حيث بادرت عام  2012 ، إلى تعليق عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

كل ذلك يجعل، أوزبكستان بوابة أساسية للولايات المتحدة لمزاحمة التأثير الروسي على الجمهوريات السوفياتية السابقة، وهو ما تجلى في استضافة طشقند لاجتماع آلية “5+1 – آسيا الوسطى والولايات المتحدة” الذي جمع بومبيو مع نظرائه الكازاخي والقرغيزي والطاجيكي والتركماني والأوزبكي.

هذا الاجتماع بدا محاولة لإعادة انعاش هذه الآلية التنسيقية في مجالات السياسة والامن والاقتصاد والبيئة، والتي اتخذت زخماً في عهد باراك اوباما،  لكنها شهدت فتوراً ملحوظاً بعدما احتلت آسيا الوسطى في السنوات الماضية مرتبة متدنية في سلم اولويات السياسة الخارجية الاميركية.

بعد أوكرانيا، تحاول الولايات المتحدة تمزيق الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تشكل جزءاً من مؤسسات التكامل الاستراتيجي لروسيا

روسيا وفرص الرد المضاد

الصحف الروسية أجمعت على أن أهداف زيارة بومبيو للفضاء السوفياتي السابق لا تحتاج إلى جهد كبير لفهمها، وإن كان الوزير الاميركي حرص على الامتناع عن شن هجمات كلامية على روسيا، لا بل حاول عدم تصوير جولته “السوفياتية” في إطار مزاحمة الدور الروسي، وهو ما تبدى بشكل خاص حين توجه إلى الكسندر لوكاتشينكو بالقول: “لديك تاريخ طويل مع روسيا، لكننا لا نتحدث عن خيار بيننا وبينهم”.

ترى صحيفة “كومرسانت” أن “جولة رئيس الدبلوماسية الأميركية أظهرت وجهة حاسمة في التقارب مع أقرب حلفاء موسكو”، مشيرة إلى أنه “بعد أوكرانيا، تحاول الولايات المتحدة تمزيق الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تشكل جزءاً من مؤسسات التكامل الاستراتيجي لروسيا”، وأما “أدوات تنفيذ المسار الجديد” فهي “انعاش كبير للتعاون السياسي والتجاري مع بلدان رابطة الدول المستقلة، وضمان تدفق الاستثمارات الاميركية إلى المنطقة، بجانب إنشاء هياكل أمنية بديلة بالقرب من الحدود الروسية”.

ووفقاً لمصادر كوميرسانت في هياكل الدولة الروسية، فإنه “ليس لدى موسكو أدنى شك في أن الخطة الأميركية تهدف إلى تمزيق دول آسيا الوسطى وإبعادها عن روسيا والصين، عبر إشراكها في مشاريع الأمن والطاقة الإقليمية التي ترعاها الولايات المتحدة – في الاتجاه الأفغاني بالدرجة الأولى”.

ضمن السياق ذاته، يضع الخبير في شؤون الجمهوريات السوفياتية السابقة ادوارد سولوفيوف أهداف جولة “الضيف السام”، في حديث إلى صحيفة “إيزفستيا”، وأهمها “إضعاف ديناميات التكامل في الفضاء ما بعد السوفياتي”، موضحاً انه “من وجهة نظر الأميركيين، كانت الزيارة في الوقت المناسب، وقد مهّد بومبيو التربة، وقدم الوعود” لمضيفيه.

يستذكر الخبير الروسي في هذا الصدد مقولة لهيلاري كلينتون بأن “الولايات المتحدة لن تسمح بإنشاء شيء مثل الاتحاد السوفيتي في الفضاء ما بعد السوفياتي”.

وفي سياق موازٍ، تلفت صحيفة “ايزفستيا” أن “الاهتمام القوي بآسيا الوسطى من جانب الإدارة الأميركية يأتي على خلفية النزاع الأميركي مع باكستان، فقد هاجم الرئيس دونالد ترامب إسلام أباد متهماً إياها بالتواطؤ مع الإرهاب وعدم الوفاء بالتزامات الحلفاء. ونتيجة لذلك ، جمّدت واشنطن المساعدات لباكستان. وبالنظر إلى أن العبور الرئيسي للبضائع عبر هذا البلد أساسي لعمليات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ، يخشى الأميركيون من أن إسلام آباد قد تغلق عليهم الطريق، ويتعين عليهم بالتالي اللجوء إلى دول آسيا الوسطى طلباً للمساعدة”.

وبالرغم من تفعيل واشنطن نشاطها  في الجمهوريات السوفياتية السابقة، لا تزال لدى موسكو فرص كبيرة للرد المضاد.

من بين هذه الفرص، تتحدث “كومرسانت” عن خطط من الجانب الروسي لإجراء محادثات ضمن آلية “5 + 1  – آسيا الوسطى وروسيا”، بجانب تعزيز العلاقات الأمنية في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

ومع أن أوزبكستان علقت عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي ، فإن المسؤولين الروس لا يخفون اهتمام موسكو بدفع طشقند إلى العودة الكاملة إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي أو على الأقل دفعها إلى شراكة معيّنة بالحد الأدنى، وهو ما يشير إليه رئيس هيئة الأركان المشتركة في المنظمة أناتولي سيدوروف، الذي تحدث  عن تعاون امني  متجدد مع الجمهورية السوفياتية السابقة تمثل في مشاركة قوات أوزبكية في تدريبات “تسنتر – 2019”.

على خط موازٍ، تطرح روسيا خططاً كبيرة للتكامل الاقتصادي آسيا الوسطى، وتبذل قصارى جهدها لتوسيع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، عبر ضم اوزبكستان إليه.

علاوة على ما سبق، ما زالت روسيا تمتلك هامش مناورة واسعاً إزاء المحاولات الأميركية لاختراق بيلاروسيا من بوابة النفط، وهي على ثقة بأنّ مينسك لا يمكنهاان تراهن على إمدادات النفط البديلة، سواء من أوروبا أو الولايات المتحدة، إلا في سياق التنويع، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار مقارنة بالنفط الخام الذي تحصل عليه من خلال خط الأنابيب “دروجبا”.

ووفقاً لدميتري مارينشينكو، الخبير في شركة “فيتش”، فإن صناعة النفط في الولايات المتحدة يعتمد على شركات خاصة، بخلاف ما هي الحال في صناعة النفط في روسيا، وبالتالي فإنّ هذه الشركات الأميركية لن تكون مستعدة لتقديم أية خصومات غير سوقية لبيلاروسيا، وبالتالي ، فإن النفط الأميركي، مع مراعاة عنصر النقل ، سيكون أكثر تكلفة من النفط الروسي.

أياً تكن الحال، فإنّ زيارة بومبيو أذّنت إلى فتح جبهة جديدة في الصراع الأميركي – الروسي، ميدانها الفضاء السوفياتي، ما يفتح المجال أمام تعقيدات إضافية في المشهد العالمي المضطرب.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free