قنبلة كورونا تنفجر بأيدي الإيطاليين.. كيف وماذا بعد؟

 أن تتعثر دولة مثل إيطاليا، المتقدمة علمياً وطبياً، وكل جاراتها في أوروبا، في التصدي لفيروس كورونا، مسألة تستدعي البحث عن أسباب الإخفاق، الإقتصادية، الثقافية، السياسية، وبالتالي، هل تخسر انظمة إقتصاد السوق والحريات الفردية والعامة، معركتها مع هذا الكائن المجهري، بخلاف تعامل الصين ونظامها الصارم؟   

بعد بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني الذي وعد شعبه بخسارة الكثير من أفراد عائلاته، جاء موقف مسؤول أوروبي جديد هو رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، ليبث الخوف في فرائص شعبه، من الآتي.. من كورونا، بقوله “بلادنا لم تصل بعد إلى ذروة إنتشار “كورونا”، والخطر الأكبر سيحل بعد أسابيع”.

جاء تحذير كونتي، غداة رقم قياسي سجلته بلاده، يوم الأحد الماضي، في عدد الإصابات بالوباء، تخطى الـ 3500 في يوم واحد. تطور إستحق إطلاق توصيف “المجزرة” عليه، وكرّس حلول البلد الأقدم في أوروبا، ثانياً بعد الصين من حيث عدد الإصابات والوفيات.

تبدأ قصة إيطاليا مع ظهور فيروس (كوفيد 19) أو كورونا الجديد رسمياً في 31 كانون الثاني/ يناير الماضي، حين تم الإعلان عن إصابة سائحين صينيين بالمرض في العاصمة روما، تلاه تشخيص إصابة رجل إيطالي عائد من مدينة ووهان الصينية، موطن الوباء، ثم مواطن إيطالي رابع يبلغ من العمر 38 عاماً، قيل إن حالات كثيرة ترتبط به. فالرجل طلب العلاج فى مستشفى فى منطقة لومبارديا في 18 شباط/فبراير. وأثناء وجوده هناك، أصاب عشرات المرضى والموظفين الطبيين، الذين نشروا العدوى في أماكن أبعد.

بعدها، كرت سبحة الاصابات والوفيات بوتيرة متسارعة وغير مضبوطة، جعلت المسؤولين الصحيين يتوصلون إلى الخلاصة الآتية: هناك مريض رقم صفر مجهول الهوية ساهم في نشر الفيروس، من غير دراية، قبل رصد الحالات الرسمية. وتقول آن كلود كريميو، أستاذة الأمراض المعدية في مستشفى سان لويس في باريس: “نفترض أن التلوث بدأ من شخص كانت أعراضه قليلة. وبما أنه لم يتم إكتشافه، فإنه لم يتم عزله، ومن خلال فقدان مساره، إنتشر التلوث”.

“المنطقة الحمراء”

تركزت الإصابات في ما باتت تعرف، إعلامياً، بـ”المنطقة الحمراء”، أي إقليم لومبارديا وإقليم فينيتو في شمال إيطاليا. لومبارديا هو أكبر الأقاليم الإيطالية الـ 20 من حيث عدد السكان، عاصمته مدينة ميلانو الصناعية الغنية. وإلى جانب أنه الإقليم الأكثر غنى وإكتظاظاً، هو أيضاً الأكثر شيخوخةً. هذا عامل حاسم في عدد الوفيات المرتفع، بالنظر إلى أن وطأة المرض تكون أثقل على هذه الفئة العمرية، لا سيما منهم من يعانون من أمراض مزمنة. ويعزو الدكتور جيوفاني ريزا، رئيس قسم الأمراض المعدية في المعهد الوطني الإيطالي للصحة، إرتفاع معدل الوفيات إلى حقيقة أن البلاد لديها أكبر فئة من كبار السن في العالم بعد اليابان، موضحاً أن معظم الذين توفوا هم من كبار السن الذين يعانون من مشاكل صحية سابقة.

عندما أُغلقت المدارس للمرة الاولى في المناطق الإيطالية الشمالية، أصطحب الآباء أطفالهم في عطل إلى الجبال أو شواطىء البحر في المناطق الأخرى، ظناً منهم أنهم يجعلونهم آمنين بأخذهم بعيداً، لكن هذا النوع من السلوك كان ضاراً جداً

وبالفعل، كانت مستشفيات “المنطقة الحمراء”، في الأسابيع الأولى، التي سبقت ظهور أول بؤرة للعدوى، مليئة بمرضى نُسبت مضاعفات حالاتهم الصعبة الى مضاعفات الأمراض الموسمية (الانفلونزا وأمراض الجهاز التنفسي مثلاً) لكن التقدير اللاحق هو أن ما كانوا يعانون منه هو فيروس كورونا بعينه.

سوء تشخيص الإصابات، لم يكن ناتجاً فحسب عن عدم الإستجابة الفورية للتقارير الآتية من الصين حول طبيعة الفيروس ونسب تفشيه، بل أيضاً بسبب أعراض المرض نفسه. فالفيروس الناشىء يتخذ أشكالاً متنوعة. يمكنه أن يصيب شخصاً من دون أن تظهر عليه العوارض، ومع ذلك يكون معدياً. كما أن عوارضه تتراوح من “التهابات بسيطة في البلعوم إلى التهابات رئوية حادة، ولذلك تصعب السيطرة عليه”، تقول آن كلود كريميو. هذا بخلاف فيروس سارس الذي إنتشر فى العام 2003، والذي كان يتسبب بالتهاب رئوي حاد، وتم التعرف على المصابين به فوراً، وهذا أحد العوامل التي ساعدت في وقف إنتشاره.

قنبلة إنفجرت بين أيدي حامليها

مع إنتشار فيروس كورونا (كوفيد 19) في إقليم لومبارديا، لا سيما في مدينة لودي، كسريان النار في الهشيم، كانت إجراءات الحكومة المركزية تبدو قاصرة عن مواجهة الوباء، حتى شارف القطاع الصحي على الإنهيار. خلال عشرة أيام، بدا الوضع و”كأن قنبلة إنفجرت بين أيدي حامليها”، وفق تعبير الطبيب اللبناني المقيم في إيطاليا البروفسور حسين جلوس. ثم أن إيطاليا المؤلفة من أقاليم، كانت تستجيب للأزمة على قاعدة “كل يغني على ليلاه”. بمعنى أن إدارة كل مقاطعة إنفردت بإتخاذ ما تراه مناسباً من إجراءات خاصة بها، لا وفق إدارة مركزية موحدة، (مدينة لودي فرضت مثلا الحجر المنزلي في 23 شباط/فبراير، أما مدينة برغومو، فقد إنتظرت حتى 8 آذار/مارس لتفرض هكذا إجراء).

إستمر الوضع على هذا المنوال حتى الأسبوع الثاني من آذار/مارس الحالي، حين وقع رئيس الوزراء كونتي مرسوماً يوسع إجراءات الإغلاق الكبرى لتشمل كافة أنحاء البلاد. عملياً، بات ستون مليون إيطالي مطالبين بالبقاء في منازلهم بعدما كان هذا الأمر مقتصراً على مناطق الشمال الموبوءة. أغلقت المدارس والجامعات، وعلقت الأنشطة كلها. في 8 آذار/مارس، قال كونتي لأبناء شعبه:”إيطاليا بأسرها ستصبح منطقة محمية. لم يعد هناك وقت لإهداره. الأرقام تخبرنا أنّ هناك إرتفاعاً كبيراً في أعداد المصابين وفي أعداد الراقدين في أقسام العناية الفائقة في المستشفيات، وللأسف في أعداد الوفيات أيضاً. علينا أن نغيّر عاداتنا الآن”.

في اليوم التالي، خرجت الصحف الإيطالية مرددة فحوى القرار بعناوين شتى: “الجميع في المنزل” و”كل شيء مغلق”. لكن الإجراءات التي وضعها المسؤول الإيطالي الأول في خانة “القسوة” و”الفعالية”، لم تشمل الحدّ من وسائل النقل المشترك، تحت عنوان “إستمرارية النشاط الإقتصادي في البلاد”، و”تمكين الناس من الذهاب إلى أعمالهم”. هي دعوة إذا الى التزام المنازل، وفي الوقت نفسه، الذهاب الى الأعمال!

هذا التناقض في الإدارة، صب زيتاً على دولاب عداد الإصابات والوفيات. بعد أقل من أسبوع من القرار المذكور، كانت الحصيلة تسجل يوم الاحد الماضي أعلى حصيلة في يوم واحد منذ بدء الأزمة؛ 3590 إصابة، و368 حالة وفاة. بحلول صباح الإثنين الماضي، قدر عدد المصابين، بأكثر من 24 ألفاً، ليقفز مساء اليوم الثلاثاء إلى ما يزيد على 31 ألفاً، وبالتالي، باتت الزيادة اليومية تتجاوز الـ 3500 حالة، وهي قابلة للإرتفاع في ضوء التقديرات الطبية.

إهمال وإستخفاف

إزاء هذا المشهد، هرب رئيس الوزراء الإيطالي الى الإمام بإلقائه باللائمة في فلتان الفيروس من عقاله، على سوء إدارة المستشفيات في شمال البلاد. كان يقصد تحديداً المستشفى الرئيسي في مدينة كودونغو التي تبعد نحو 60 كيلومترا جنوب ميلانو، والتي إعتبرت مركزاً لتفشي كورونا وفق ما ذكرت تقارير صحافية ايطالية. وقال كونتي: “لقد وصلنا إلى هذه المرحلة، لأن الطريقة التي كان يدار بها أحد المرافق الصحية لم تكن مناسبة، وهذا القصور ساهم بالتأكيد في إنتشار الفيروس بصورة كبيرة”.

على غرار طبيعة شعوب دول البحر المتوسط، يتوق الإيطاليون الى القرب الجسدي في علاقاتهم وثقافة اللمس. تحياتهم قائمة على تبادل القبل، والسلام بالأيدي. كل ذلك، زاد من وطأة الإصابات

وشكل تصريح رئيس الوزراء الإيطالي حلقة من حلقات التجاذب مع الجسم الطبي وخبراء الصحة في أرقى جامعات إيطاليا، الذين دعوا منذ بدء تفشي المرض في الصين في كانون الثاني/ يناير، إلى ضرورة الحجر الصحي على كل شخص قادم من الصين، لحفظ البلاد من العدوى. لكن الحكومة إكتفت بوقف الرحلات الجوية المباشرة من الصين، متجاهلة تلك الآتية من بلدان أخرى، وقدمت “المشورة” و”التعليمات” لأسابيع طويلة، قبل أن تبدأ بإجراءات الحجر الصحي. كما أنها تأخرت في إتخاذ قرار إقفال المدارس والجامعات في أنحاء البلاد حتى 5 آذار/مارس. ولم تعزل المناطق عن بعضها البعض، ولم تغلق حدودها مع دول الجوار الأوروبي.

وما فاقم الوضع، هو “إستخفاف” المواطن الإيطالي. وتقول البروفسورة مارينا ديلا جيوسكا، أستاذة الاقتصاد في جامعة ريدينغ  “إن العديد من الناس لم يتخذوا إجراءات العزل الذاتي على محمل الجد. فعندما أُغلقت المدارس للمرة الاولى في المناطق الشمالية، أصطحب الآباء أطفالهم في عطل إلى الجبال أو شواطىء البحر في المناطق الأخرى، ظناً منهم أنهم يجعلونهم آمنين بأخذهم بعيداً، لكن هذا النوع من السلوك كان ضاراً جداً”.

وعلى غرار طبيعة شعوب دول البحر المتوسط، يتوق الإيطاليون الى القرب الجسدي في علاقاتهم و الى ثقافة اللمس. تحياتهم قائمة على تبادل القبل، والسلام بالأيدي. كل ذلك، زاد من وطأة الإصابات. ثم أن دفء الطقس النسبي مقارنة بدول الشمال الأوروبي البارد، يدفع الإيطاليين للإستمتاع بأشعة الشمس والهواء الطلق في أماكن مفتوحة، عادة ما تكون جماعية.

كل ما سبق من وقائع وإجراءات، دفع الحكومة الإيطالية الى الإعلان عن حزمة دعم مالي تجاوزت الـ 8 مليارات يورو لمساعدة الأسر المتضررة من الفيروس. وتشمل المساعدات مجموعة من التدابير لدعم العاملين المستقلين والمهنيين من خلال الغاء ضريبة الـtva، وتجميد الدفعات الشهرية لصندوق الضمان الاجتماعي، وتأجيل كل المدفوعات للغرف التجارية. كما تقرر تقديم مبلغ 500 يورو شهرياً لكل العاملين المستقلين لتخفيف الآثار الإقتصاديّة السلبية عنهم، وسيمتد هذا الدعم إلى ثلاثة أشهر وسيبدأ من المناطق الأكثر تضرّراً في شمال ايطاليا ليشمل لاحقاً كافة أنحاء البلاد. وتتجه الحكومة إلى إعتماد “العمل الذكي” لتسهيل العمل عن بعد طوال فترة الأزمة من خلال المساعدة على تأمين الأدوات اللازمة كأجهزة الكمبيوتر، والشاشات والطابعات وغيرها.

لكن إيطاليا المذعورة، التي أذهلتها أكبر طفرة من الفيروس في أوروبا، تقف أمام تحديين؛ أولهما، النجاح في مواجهة الوباء الذي توفي جراءه على أراضيها حتى الآن، أكثر من 30 بالمئة من مجمل الوفيات حول العالم. والذي بلغت نسبة الوفيات من بين المصابين نحو 8 بالمئة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعدل العالمي الذي لا يتجاوز الـ 4 بالمئة. كل هذا في ظل الإدارة السيئة للأزمة من قبل الحكومة المركزية، على ما يقول معارضوها؛ وثانيهما، ترنح إقتصاد البلاد، وتجميد خطة جوزيبي كونتي للإصلاحات الضريبية والاستثمارات، والتي كان يعول عليها لإعادة تفعيل هذا الاقتصاد المتداعي. أحد ملامح الازمة عبرت عنه بورصة ميلانو التي سجلت يوم الخميس الماضي تراجعا تاريخياً بلغ 16,92 بالمئة وهي أسوأ خسارة لمؤشر البورصة الرئيسي منذ تأسيسه عام 1998.

جمانة بعلبكي

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course