عندما ينفجر الحريري ويضيع باسيل الفرصة ويبتهل جعجع للتفاهم!

لن يستقر لبنان ما لم تستقر سوريا. هذه حقيقة تاريخية عمرها من عمر كيانين واقعين في حيز صراعي، جغرافياً وإستراتيجياً.  المسار الأميركي ـ الإيراني، برغم طلعاته ونزلاته، وآخرها إستهداف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني، هو مسار تفاهمي، في نهاية الأمر، ولو أن الحيز الزمني غير محدد السقف. أي تفاهم إيراني ـ أميركي في السنوات المقبلة، ستكون له حتماً هزّاته الإرتدادية في المنطقة. هل نشهد ولادة "إتفاق رباعي" جديد في لبنان؟ وإذا تكرر تفاهم السنة والشيعة في لبنان على إدارة منظومة السلطة وحماية مصالح كل طرف من الطرفين، هل يكون أحدهما محتاجاً للتحالف مع قوة طائفية محلية أخرى، أم أن التفاهم السني ـ الشيعي سيكون الناظم والمحدد لباقي العلاقات والتفاهمات الطائفية؟ هل يقود نقاش من هذا النوع إلى سؤال أي سلوك يجب أن يسلكه مسيحيو لبنان، في مواجهة إحتمالات التسويات الكبرى، فلا يدفعوا من دورهم كبير الأثمان، بل يجنون مكاسب لا تحمي مستقبلهم وحسب، بل مستقبل بلد تعددي لا مثيل له في الشرق، برغم لحظته الحالية الصعبة جداً.

شكّل المسيحيون في العام 1932 نسبة 58.7% من اللبنانيين، فيما شكّل المسلمون 40%، أما في العام 2018، فقد انخفضت نسبة المسيحيين إلى 30.6% وارتفعت نسبة المسلمين إلى نسبة 69.4%.. هذه أرقام شركة “الدولية للمعلومات”. أما نسبة المسيحيين في الأراضي الفلسطينية، فلا تتجاوز 1 في المئة، بعد أن كانوا يشكلون قبل نكبة العام 1948 حوالي 11.2 في المئة، والسبب الرئيس لهذا التراجع هو الهجرة، حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

قبل مئة سنة، كان المسيحيون في سوريا يشكلون نسبة 30%، وإزدادت هذه النسبة لتصل إلى 35% في مرحلة الاستقلال في منتصف أربعينيات القرن الماضي، أما اليوم، فإنهم يشكلون حوالي 10% من السكان المقدر عددهم بحوالي 23 مليون نسمة. في العراق، تقول أرقام منظمات إغاثية مسيحية إن العدد الإجمالي للمسيحيين العراقيين لا يتجاوز حالياً الربع مليون نسمة، وثمة من يقول من أهل الكنيسة إن الرقم أقل بكثير، بعدما كان يتجاوز المليون ونصف المليون نسمة في العام 2003.

هذه الأرقام وحدها تكفي للقول إن الوجود المسيحي في المشرق العربي بات مهدداً، ومعه يصبح كل مجتمع تعددي بخطر. المنطقة التي شهدت ولادة السيد المسيح ومراحله الأخيرة على الأرض، ستصبح هويتها ـ بلا المكون المسيحي ـ بؤرة صراعات وقلاقل طائفية ومذهبية لا يمكن التنبؤ بنتائجها في منطقة سمتها التاريخية أنها غير مستقرة. منطقة غنية بالثروات وهي مهد الحضارات والأديان. مهد الأفكار والعقائد. موقعها الجغرافي مفصلي بين القارات وحتى ضمن الحيز الممتد ما بين بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.

وبرغم أرقام الديموغرافيا اللبنانية المؤلمة، ثمة فسحة للتفكير أو للإستدراك. يستوجب الأمر “مقاربة ثورية” بكل معنى الكلمة. قبل عشر سنوات، قيل كلام فاتيكاني (نقلاً عن شخصية مارونية لبنانية)  يعبّر عن ذلك “النفس الثوري”: “عندما إنسحبت إسرائيل من لبنان في العام 2000 وسوريا من لبنان في العام 2005، كان بمقدور اللبنانيين حياكة صياغة جديدة للدور. عقد إجتماعي جديد. المسيحيون ما كان ينبغي لهم أن يتلقفوا هذا الإستحقاق أو ذاك، لإستخدامه في لعبة التوازنات الإقليمية أو محاولة تغيير وقائع داخلية. لكن للأسف، يبدو أن معظم المسيحيين لم يكونوا في وارد التأمل بهكذا كلام يصدر عن الكرسي الرسولي، وهذا ينسحب ليس على السياسيين، بل على البطريركية المارونية نفسها”.

 صفقة ما بين القصرين

منذ الإحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، وُضِعَ لبنان على خط الزلازل. من ولادة القرار 1559 واغتيال رفيق الحريري وخروج السوريين في العام 2005، إلى إنفجار الصراع على سوريا في العام 2011، سلسلة من الأحداث والتواريخ دخل معها الشرق الاوسط في مرحلةٍ من الفوضى وانعدام التوازن وغياب الافق في إنتظار إرتسام معالم نظام اقليمي جديد.

إنتخب ميشال عون رئيسا للجمهورية في نهاية العام 2016، بمعطيات لبنانية (صفقة ما بين القصرين: عون في القصر الجمهوري، وسعد الحريري في السرايا الكبير) وبمباركة خارجية. في العام 2020، يبدأ ميشال عون سنته الرابعة، لكن بلا سعد الحريري، وفي ظل واقع إقتصادي ومالي غير مسبوق منذ العام 1943. مسيحيو لبنان إلى أين في المرحلة المقبلة؟

إنتقل الحريري من موقع الصبر الإستراتيجي إلى موقع المظلومية السياسية، فأعاد تلميع صورته من جهة وشيطنة صورة ميشال عون وجبران باسيل من جهة ثانية، محاولاً وضع الإثنين في موقع “المغتصب” لحقوق شريكهما المسلم السني

لا بد من الإشارة إلى أن النصف الأول من الحقبة الرئاسية العونية رافقه إشتباكان كبيران؛ الأول، أميركي ـ إيراني؛ والثاني، سعودي ـ إيراني، وكان لبنان، وما يزال، جزءاً لا يتجزأ من هذين الإشتباكين المحتدمين، ومعهما إشتباك ثالث أعنف منهما، حتى الآن، على أرض الجوار السوري، لكن بفارق أن السنوات الثلاث الأخيرة، أدت إلى تبدل جوهري في ميزان القوى في سوريا لمصلحة الدولة السورية التي كان يراد تدميرها، بينما لم تنجلِ أمور الإشتباكين الآخرين، بل هما مرشحان للإحتدام من الآن وحتى نهاية الإنتخابات الرئاسية الأميركية في الخريف المقبل، خصوصاً بعد إغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني.

يصح القول هنا إن جلوس حليف إيران وسوريا في كرسي قصر بعبدا، لم يكن محض صدفة. هو خيار أظهر أن ميشال عون قارىء إستراتيجي جيد، ولو أنه مستعد، أحياناً، لخوض معارك غير مربحة بالضرورة، كما فعل في كل معاركه وصولاً إلى 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990.

إنفجار الحريري.. والشارع

طيلة ثلاث سنوات، كان سعد الحريري، بالنسبة إلى أغلب جمهوره، يدفع ثمن تسوية غير مربحة، إلى أن قرر زعيم تيار المستقبل الإنفجار دفعة واحدة في نهاية النصف الأول من الولاية العونية، بالتزامن مع إنفجار إجتماعي غير مسبوق. قبله، لطالما كان الحريري يزايد على المعترضين من جمهوره وحلفائه بأنه “يضحي” حماية للبلد (ضمناً التسوية الرئاسية)، ولو كان الثمن، تنازلات من هنا أو من هناك. هذه التنازلات أشعلت غضب الشارع السني، وعبّر عنها بنزوله الواسع إلى الشارع بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر، رافعاً شعارات واضحة ضد العهد وجبران باسيل، ولو إنها إندرجت في سياق هبة شعبية لم تستثن جمهور كل الطوائف والمناطق في لبنان.

في المحصلة، دُفنت التسوية الرئاسية وإنتقل الحريري من موقع الصبر الإستراتيجي إلى موقع المظلومية السياسية، فأعاد تلميع صورته من جهة وشيطنة صورة ميشال عون وجبران باسيل من جهة ثانية، محاولاً وضع الإثنين في موقع “المغتصب” لحقوق شريكهما المسلم السني. إلا أن المستجد هو عجز رئيس تيار المستقبل عن ترميم صورته مسيحياً. مسار حريري يشي بالتفريط برصيد كبير. من إجماع مسيحي حاضن للحريرية السيادية في العام 2005، إلى إنفكاك مسيحي كبير عن الحريرية الحاضنة للصفقات والتسويات في العام 2020. عملياً، لا ثقة بين الحريري وبين معظم مكونات الساحة المسيحية، من أحزاب وقوى عديدة وآخر من بقي من شخصيات مسيحية مستقلة.

كسب سمير جعجع ورقة “لوتو” من فئة “رابح/رابح”: إذا إلتزم ميشال عون بالتفاهم، يكون رابحاً وأنا أربح معه (تكريس الثنائية المارونية المتساوية)، وإذا تخلى عن التفاهم، يصبح خاسراً وأنا أربح وحدي

تفاهم معراب: جعجع رابح/رابح

لم يكن يكفي أن يقول السيد حسن نصرالله “إما عون رئيساً أو الفراغ”. وليس سعد الحريري وحده من يتحمل، أقله بنظر جمهور محايد، مسؤولية وصول ميشال عون إلى بعبدا. للقوات اللبنانية دورها المرجح، بدليل قطعها، أولاً، الطريق على وصول سليمان فرنجية، بعد تبنيه أميركياً وفرنسياً وسعودياً، ورفعها، ثانياً، ميشال عون على “راحاتها”.

فجأة، تصالح “الأخوة الأعداء” (التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية). إنبرى عقل براغماتي لإقناع سمير جعجع بإبرام “تفاهم معراب”. أنامل كاثوليكية مُدربة أرثوذكسياً، شاهدنا معها كيف أن ملحم رياشي، وبالشراكة مع الماروني إبراهيم كنعان، خيّطا إتفاقاً ثنائياً ألزم قطبيه المارونيين بخيارات وفّرت لميشال عون الفوز بالكرسي الرئاسي بعد أربعين سنة من الإنتظار الثقيل. في المقابل، كسب سمير جعجع ورقة “لوتو” من فئة “رابح/رابح”: إذا إلتزم ميشال عون بالتفاهم، يكون رابحاً وأنا أربح معه (تكريس الثنائية المارونية المتساوية)، وإذا تخلى عن التفاهم، يصبح خاسراً وأنا أربح وحدي. كيف؟

كان يفترض بأن يتقاسم طرفا التفاهم الماروني المقاعد الوزارية وتعيينات الفئة الأولى مناصفة (على طريقة أمل وحزب الله). أن يتفاهما على قانون إنتخابي وأن يخوضا الإنتخابات معاً. الأهم من ذلك، أن جعجع كان مقتنعاً، وربما أقنع السعوديين والإماراتيين أن حزب الله لا يريد إلا الفراغ الرئاسي، وأنه إذا سارت القوات بميشال عون رئيساً للجمهورية، سيتراجع حزب الله عن دعمه لـ”الجنرال”. عندها، تصبح حظوظ الآخرين أكبر (بإستثناء عون وفرنجية بعدما يكونا قد إحترقا رئاسياً). الأهم من ذلك، تثبيت معادلة إنتخاب المكون الأٌقوى في طائفته، وهي معادلة تنطبق اليوم على عون، لكنها قد تنطبق على جعجع الطامح للرئاسة مستقبلاً. يمكن إسقاطها على المكونات الطائفية الأخرى. التنصل من سعد الحريري بصفته الأقوى سنياً ضمن طائفته، اليوم، يساوي تنصل الآخرين من أي ماروني، حتى لو كان الأقوى في طائفته، مستقبلاً.

ليس خافياً على أحد أن جبران باسيل لم يكن مقتنعاً بتفاهم معراب، وجاهر بموقفه أمام الجميع. إقتناص الفرصة الرئاسية للجنرال عون لا يحول دون التنصل من التفاهم في أقرب فرصة. أقنع نفسه بهذه “الوصفة”، وهذا ما حصل، في اليوم التالي لإنتخاب عون رئيساً للجمهورية.

الفجع السياسي

تبين أن جبران باسيل مصاب بالتوحد السياسي. أنا أو لا أحد في الساحة المسيحية. مرض أصاب القوات اللبنانية منذ زمن بشير الجميل، ولو كان العنوان، حينذاك، هو “توحيد البندقية المسيحية”. باسيل وجعجع، رجلان يتقنان التكتيك. يربحان باليومي ويخسران بالإستراتيجيا. ميشال عون عكسهما كلياً. يخسر باليومي ويربح بالإستراتيجيا. هذا ما تظهره الوقائع.

عندما إنتخب عون رئيساً للجمهورية، جاهر باسيل بأنه يعاني من مرض “الفجع السياسي”. ما أريده سأحصل عليه بالوزارة والإدارة والنيابة.. والرئاسة. تنصل من تفاهم معراب بـ”شحطة قلم”. إعتقد أن لا قوة على وجه الأرض تزايد عليه مسيحياً. وَعَدَ المسلمين كلهم، سُنةً وشيعةً ودروزاً، بأنهم سيترحمون على كميل شمعون. زايد مسيحياً. بحقوق المسيحيين. بالماروني القوي. الرئيس القوي. التيار القوي. نسي لبرهة أن سمير جعجع ما زال على قيد الحياة وأن سامي الجميل، برغم هُزاله أو هَزَلِه، كما ابن عمه نديم، ما وُلدا أصلاً لولا خطابهما التبشيري الذي لم يصنع لهما حيثية جدية خارج حدود الأشرفية وبعض نواحي “المتصرفية”. ضيّع باسيل فرصة إستراتيجية. لو إتجه نحو الخطاب المدني العلماني، لأصاب مقتلاً عند خصومه المسيحيين، لكنه ذهب إلى حيث يريد له الآخرون أن يصطدم حتماً بحائط مسدود وينكشف ثم يقف وحيداً في العراء. هذا هو ما حصل مع “التيار القوي” وزعيمه الأقوى، بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

من هنا يصح القول إن تشرين الأول/أكتوبر 2019 بات تاريخاً فاصلاً في الوجدان المسيحي. ما قبله ليس كما بعده. ثمة حراك مسيحي أدى إلى تموضع جديد لشرائح إجتماعية مسيحية، وهذا الحراك لم يدرك حزب الله أبعاده الحقيقية حتى الآن. فما بناه ميشال عون في خمسين سنة، طيّره وريثه في أقل من 50 ساعة. هل سأل “الوريث” نفسه: ماذا لو كان تفاهم معراب ما زال حياً. هل كان الحراك ليحصل بهذا الزخم مسيحياً، وهل كان بمقدور القوات اللبنانية إلا أن تكون منسجمة مع توقيعها، فتقف في طليعة المدافعين عن رئاسة الجمهورية، حماية لمستقبل رئيسها.. الرئاسي؟ إنه مجرد تمرين ذهني. (غداً، الجزء الثاني بعنوان: عون خرق إستراتيجي.. ولا حماية للمسيحيين إلا بالدولة المدنية)

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course