مبادرة ماكرون: أقل من حكومة وأكثر من بلدية!
French President Emmanuel Macron hugs a blast victim while attending a ceremony to mark Lebanon's centenary in Jaj Cedars Reserve Forest, northeast of the capital Beirut, on September 1, 2020. (Photo by GONZALO FUENTES / POOL / AFP) (Photo by GONZALO FUENTES/POOL/AFP via Getty Images)

كان إيمانويل ماكرون، واضحاً حين أفْهَمَ اللبنانيين في 6 آب/أغسطس، بعد يومين على تفجير المرفأ، بأنه رئيس فرنسا وليس رئيس لبنان ولا قائد ثورتهم. برغم ذلك، يعامله المنتفضون بوصفه "خائناً"، بعدما رعت فرنسا عملية تكليف سفير لبنان في برلين، مصطفى أديب، تشكيل الحكومة العتيدة.

هذه محاولة لوضع الأمور في نصابها. خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي، في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، حرص السفير الأميركي الأسبق في لبنان، جيفري فيلتمان، في كلمة تناول فيها الوضع في لبنان بعد “انتفاضة 17 تشرين”، على توجيه نصيحة إلى الإدارة الأميركية بعدم دفع الجيش اللبناني إلى صدام مع حزب الله، منعاً لاندلاع حرب أهلية (…). بموازاة ذلك، كان لافتاً للإنتباه /قوله إن لبنان أصغر من منطقة نيويورك، مشيراً إلى أن عدد سكان نيويورك الكبرى يفوق الـ20 مليون نسمة، فيما لا يتجاوز عدد سكان لبنان، مع اللاجئين السوريين والفلسطينيين، الـ7 ملايين نسمة. وذكر فيلتمان أنه ليس من الصعب توفير الكهرباء والإنترنت وجمع النفايات للمواطنين اللبنانيين، مشدداً على أن تحقيق هذه المهمات ليس مكلفاً في ظل ما أسماه “قيادة جيدة” قادرة على جذب الدعم الدولي لمعالجة الوضع المالي في لبنان.

هذه النظرة (الأميركية) التي “تستغرب” أو بالأحرى “تستسخف” كيف أن السلطة في لبنان تعجز عن تأمين أبسط الخدمات العامة، هي نفسها نظرة فرنسا التي عبّر عنها ماكرون حين حضّ الحكومة على إعطاء الأولوية إلى ملفات تتعلق مباشرةً بمعيشة المواطنين، بعيداً عن ثقل الملفات الجيوسياسية. وإذ بمبادرته تؤول إلى الإسراع في تكليف رئيس جديد لحكومة، ستكون “حكومة مَهَمّة”، يجب تشكيلها بأسرع وقت أيضاً، وبمباركة أحزاب المنظومة السياسية، لكي تبدأ العمل بفعالية من أجل معالجة مجموعة أولويات: إعادة الإعمار (ما دمّره إنفجار المرفأ)، قطاع الكهرباء، التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان (وقّع وزير المال اللبناني العقد مع “ألفاريز” فور وصول ماكرون)، الحد من الفساد وتنفيذ الإصلاحات الضرورية للإفراج عن مساعدات وأموال مؤتمر “سيدر” وفتح باب الحصول على مساعدة ـ برنامج صندوق النقد. وهو توجُّه يتقاطع مع مضمون كلام مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، دايفيد هيل، من واشنطن في 19 آب/أغسطس، بعد زيارة قام بها إلى بيروت، والذي شدد على ضرورة الإصلاحات. وأوحى هيل بأن واشنطن قد لا تمانع في التعامل مع حكومة لبنانية يتمثل فيها حزب الله، بشرط تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وعدم عرقلتها.

كما لو أن المئوية الثانية للبنان ستُفْتَتَح بمجلس تنفيذي هو عملياً أقل من حكومة وأكثر من مجلس بلدي في مدينة مثل باريس أو نيويورك، سيعمل فعلياً تحت وصاية فرنسية ووصاية أميركية على الوصاية الفرنسية

ثمة إذاً دعوة فرنسية، وأميركية في مكان ما، إلى التصدي لمهمات حكومية تنقل لبنان من حالة الفشل والفساد والتخبط في إدارة الخدمات العامة الأساسية (الإنهيار والإنحدار) إلى مرحلة التصفير، تمهيداً للنهوض لاحقاً. وتلك المقارنة التي طرحها فيلتمان في خريف 2019، بين لبنان ونيويورك الكبرى، من زاوية الخدمات العامة واضطلاع الدولة بوظائفها البديهية، والتي يتبناها الفرنسيون وغيرهم من الأقطاب الدوليين، تعكس ضمناً نظرة مفادها أن المهمات المطلوبة لتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي والإداري في لبنان هي مشابهة لتلك التي يتولاها أي مجلس بلدي في مدينة كبرى غربية، مثل باريس أو نيويورك. وهذا التشبيه، يثير السخرية والأسف معاً، لكنه لا يقلل من قيمة الحكومة اللبنانية بقدر ما يعرّي الواقع المزري للإدارة وللحَوْكَمَة في هذا البلد.

وكأن الفرنسيين أرادوا من خلال تحفيز تكليف السفير مصطفى أديب برئاسة الحكومة العتيدة، ومن خلال تلويحهم المستمر بفرض عقوبات على الزعماء التقليديين في المنظومة الفاسدة، إذا أمعنوا في عرقلة الإصلاحات، أنْ يستدرجوا اللبنانيين إلى لعبة لم يألفوها سابقاً: تخفيف تركيزهم على العناوين السياسية الكبرى، والقبول بحكومة يرأسها موظف في الجهاز الحكومي، ووضعه أمام اختبار الإصلاحات ومكافحة الفساد وتأمين فعالية الدولة في إدارة أبسط الخدمات العامة، في خطوة يُراد منها تجنب المزيد من الانهيار المالي والاقتصادي، والتمهيد، إذا أمكن، لإعادة النهوض. كما لو أن المئوية الثانية للبنان ستُفْتَتَح بمجلس تنفيذي هو عملياً أقل من حكومة وأكثر من مجلس بلدي في مدينة مثل باريس أو نيويورك، سيعمل فعلياً تحت وصاية فرنسية ووصاية أميركية على الوصاية الفرنسية!

معادلة كهذه لا ترضي أطرافاً كثيرة في لبنان لدوافع مختلفة. البعض يتمسك، وبدفع سعودي وإماراتي غير مسبوق، بضرورة أن يتصدر ملف سلاح حزب الله أولوية جدول أعمال أي حكومة، كمفتاح للحل، بينما ستكون “الحكومة الأديبية” على ما يبدو غير استفزازية لحزب الله (مقابل تنازلات معينة تبقى غير معلنة). البعض الآخر، يخشى وقوع لبنان تحت رحمة وصْفات صندوق النقد الدولي وعواقبها الاجتماعية. كذلك، تثير هذه المعادلة سخط الشارع المنتفض الذي يأمل فعلاً بتحقيق الإصلاحات. لكنه لا يثق حتى الآن ولن يثق تلقائياً بأن فرنسا ماضية حتى النهاية في ضغطها على الزعماء الفاسدين، وفي توفير ضماناتها لإعادة إنتاج عملية سياسية جديدة في لبنان على أنقاض منظومة انتهت وصدرت ورقة نعيها في 4 آب/أغسطس 2020، وكتبت بدماء ضحايا تفجير مرفأ بيروت.

الفرصة الفرنسية متاحة، برغم إعتراض شريحة لبنانية وازنة عليها. هل يفاجئنا الفرنسيون بتأليف سريع لـ”المجلس البلدي الجديد للبنان”، أم يذهب التكليف في عزاء تأليف كلما طال أمده، صارت فرصته أقل.

نبيل الخوري

أستاذ في الجامعة اللبنانية

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free