التيار الصدري.. رقم كبير في العراق الأكبر  

ينتمي السيد مقتدى الصدر لأسرة دينية التوجه، عروبية الهوية، عراقية المرجعية الدينية. يؤمن بولاية الفقيه لكن بطراز مرن يراعي تنوع المجتمع العراقي ويدرك ان مسؤولية القرار تفرض حدودا تنتهي عند حدود الطيف المجتمعي، ما أمكن، غير انه لا يتملص من اتخاذ موقف حازم لا سيما في اللحظات والمحطات التاريخية.

كان يُظن ان التيار الصدري يقود الحراك العراقي، لكن الأكيد أنه أحد اهم ركائزه، بدليل انقضاض قوات الأمن على المتظاهرين خلال ساعتين من اعلان انسحاب “القبعات الزرق” (أنشأها التيار الصدري لحماية المتظاهرين في الخريف الماضي)، وفي ضوء ما شوهد في العام 2016 عندما تمكن انصار هذا التيار من اقتحام المنطقة الخضراء في بغداد ومبيت مقتدى الصدر لياليَ عدة في باحتها، ما يعني أن الحراك يفقد، من دون أدنى شك، زخما كبيرا بإنسحاب التيار الصدري منه، وفي المقابل، يستمد القوة من بقائه إلى جانبه في الساحات، ذلك أن هذا التيار ليس حزبا نخبويا ولا حركة يمكن تعداد انصارها بالمئات أو بالألاف. نحن أمام شاب ربح، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، قبل عشرين عاماً، قاعدة شعبية مليونية أورثه إياها والده المرجع الشيعي العراقي الراحل السيد محمد صادق الصدر…

ثمة ميزات عند التيار الصدري أنه يلتقط نبض الوجع والجوع، فيصبح مرآة عاكسة للناس ويصبح الوجع شبه منظم، إذا صح التعبير. نحن أمام تيار عنده سلطة قرار مركزية وثمة تراتبية تنظيمية. في المقابل، من كوامن ضعف الحراك، انه بلا قيادة، وبالتالي، معظم ما يبدر من إنتقادات لسلوكياته مثل مهاجمة مؤسسات الدولة والمؤسسات التجارية، يكون من صنيعة بعض المحتجين الفوضويين أو الذين يتحركون بأجندات، بينما يمكن أن يختلف الوضع مع وجود قيادة تضبط حركة المحتجين وتعقد تفاهمات وتجري مفاوضات..

صحيح أن مقتدى الصدر لا يتبع في مرجعيته منهجية السيد السيستاني، ولا مواءمة بينهما، انما يتعين الانتباه الى عنصرين مهمين، اولا، مستوى التأثير الوازن لمرجعية السيد السيستاني عند العراقيين والتي ينبغي حسبانها في مورد مصيري كقضية الحراك، وثانيا، كون مرجعية السيد السيستاني تضفي سمة عراقية وطنية صرفة على المواقف، وخطاباتها ـ للمتتبع – تحاول دائما حصر معالجة المواقف والاحداث ومناقشة الخيارات في الحيز الوطني بعيدا عن الجوار والاجنبي، بالتالي يصبح تفاهم مقتدى الصدر معها امرا طبيعيا ومطلوبا لجهة توافقه معها عند هاتين النقطتين، وهو ما يبرئه من تهمة الانقياد لايران، كما هو حال كثرة من القوى الشيعية في الساحة العراقية.

خياره المقاوم ورفضه للوجود لا التواجد الأميركي، هو خيار اخذ به منذ الايام الاولى للغزو الأميركي في العام 2003 وقت ان ظنّ كثيرون أن “المخلص الاميركي” سيلقى ترحيبا شيعيا مطلقا

إبن النظام لن يكون أبدا متموضعاً في خانة من يريدون الاطاحة بالنظام السياسي. يدعم مقتدى اجراءات تقليص التحاصص الاثني والطائفي، وصولاً إلى تخفيضه الى حدوده الدنيا، وذلك يكون بالزج بكفاءات وطنية مستقلة ونزيهة قدر الممكن، وهو يعلم انه ليس في وارد اقامة مدينة فاضلة، فالعراق في نهاية المطاف يضم مكونات لها توجهاتها وهواجسها وميولها، وقبول قيادة بأكثرية شيعية للسنة مثلا امر غير مقبول والعكس صحيح، او أن حكومة بأغلبية عربية تُكبس فيها حصة الكرد باقل من نسبة حضورهم في الطيف العراقي، هو أمر صعب وغير مقبول. يقود ذلك للقول أن مقتدى الصدر لطالما كان سباقا وداعما ومحركا للإنتفاضات، لكن من خلال تحميلها بشعارات إصلاحية لا من خلال هدم نظام لا بديل له حتى الآن، من وجهة نظره.

ومن بديهيات السياسة أن يسعى السياسي للربح لا الخسارة، وأن يكون في صف المتظاهرين لاطاحة الفاسدين وأن ينجح في مسعاه وأن يضيف نقاطا إلى رصيده في التركيبة السياسية، من موقع قوته.

لا حكمة في ان يكون مقتدى الصدر على غير وفاق مع المرجعية ذات المتبنى الوطني وذات التأثير الشعبي الواسع، اما خياره المقاوم ورفضه للوجود لا التواجد الأميركي، فهو خيار اخذ به منذ الايام الاولى للغزو الأميركي في العام 2003 وقت ان ظنّ كثيرون أن “المخلص الاميركي” سيلقى ترحيبا شيعيا مطلقا.

لا تناقض بين شخصية سياسية يقال بأنها ثورية منتفضة ضد حكم فاسد تحاول تعزيز مكانتها بين القوى السياسية، وبين إحتفاظها بعلاقات جيدة مع مرجعية دينية وطنية أو عربية الهوى. ولا تناقض بين شخصية ترفض وجود الاميركيين وأي تدخل اجنبي في شؤون العراق، وبين شخصية عراقية منفتحة على العروبة.  هو من بين الجميع، لديه جرأة اعلان تضامنه مع ايران فور اغتيال قاسم سليماني، فيما توارى آخرون، خوفا وطمعا، وحين هاجت مشاعر العراقيين ألما لاغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، رسم حدودا واضحة بين انفعال له اسبابه وبين مصلحة عراق غير مؤهل للمواجهة في الوقت الراهن، وفي الوقت الذي دعا فيه إلى اخراج الاميركيين بالسبل السياسية نظرا لوجود قواتهم بطلب من الحكومة العراقية، سارع الى دعوة الفصائل الى الوحدة وتشكيل افواج المقاومة لطرد الأميركيين.

ولعل معظم ما قيل من اراء ضد مقتدى الصدر، غالبا ما يكون مصدره إما ممن يرغب ببقاء الاميركيين طرفا ضاغطا ضامنا مقابل ايران، وفي ذلك كل تجاوز للخيار الوطني، أو ممن أراد مقتدى الصدر متخندقا معه في الصواب والخطأ، وهذه ليست من عادات زعيم التيار الصدري، برغم إداركه حساسية اللحظة التي يشهد فيها العراق أعنف إشتباك أميركي ـ إيراني.

التيار الصدري هو القوة الأكثر شعبية. “بلوك” لا يسهل كسره أو زعزعته. التعامل معه هو بمثابة أمر واقع. تكرهه أو تحبه لا يغير شيئا في حقيقة قدرته على إستقطاب شرائح فقيرة وغنية، أمية ومثقفة، مدينية وريفية، مدنية ودينية.

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course