حكومة دياب محاصرة دولياً.. ماذا يجب أن تفعل أو لا تفعل؟

تعاني الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب حصاراً متعدد الأوجه يكاد فقدها القدرة على مواجهة التحديات المحيطة بها من كل جانب. فهي، بالنسبة لكثيرين من أصحاب القرار، أقرب إلى ضرورة ظرفية قاهرة يمكن الاستغناء عنها بمجرد أن تسمح الظروف بذلك.

رياح الموقف الدولي والإقليمي حيال لبنان لا تسير وفقاً لرغبة الحكومة، إذ ينقسم الخارج بين مساهم في الحصار وبين لامبالٍ بالتردي الإقتصادي والمالي الحاصل.. وربما هناك فئة دولية تريد أن تدعم لبنان كالأوروبيين لكن القرار الأميركي لا يترك لهم أية هوامش. لذلك، من غير المنطقي الرهان على حبل نجاة خارجي يمتد لإنقاذ لبنان ما لم تقدم حكومته الجديدة على إجراءات تحدث صدمة كبيرة جدا وبالتالي تستدرج الخارج إلى دعم لبنان.

هنا يطرح السؤال المحوري نفسه: ما هي الخيارات المتاحة أمام “حكومة مواجهة التحديات” لحيازة مقبولية دولية وإقليمية ولو بالحدود الدنيا؟ هل لديها معطيات إقليمية ودولية مطمئنة توفر لها مظلة الأمان الضرورية في حالتها؟ هل تملك ما تقدمه للخارج سعياً وراء استدراج عروضه؟

في ما يتصل بالموقف الأميركي من الحكومة الجديدة، يرى الزميل جو معكرون، المحلل السياسي في “المركز العربي لنزاعات الشرق الأوسط” في واشنطن، أن التحدي الحقيقي أمام حكومة حسان دياب، ليس ما يجدر بها فعله، بل ذلك الذي يتعين عليها عدم القيام به. ووفقاً للرؤية الأميركية فإن مهمة حكومة دياب تتمحور حول ادارة الانهيار الاقتصادي والمالي ضمن الأمر الواقع القائم، وبالتالي اذا كان هناك من خطر أحمر اميركي، فهو عدم السماح بتعديل ميزان القوى الداخلي، ومواصلة الالتزام بالسياسات العامة لحكومة سعد الحريري الأخيرة عبر ابقاء لبنان خارج التجاذبات الاقليمية بأكبر قدر ممكن، لا سيما في ظل التوتر الاميركي – الايراني، والمحافظة على الوضع هادئاً على الحدود مع اسرائيل. أما بالنسبة للعقوبات التي تهدد بها الولايات المتحدة بعض حلفاء حزب الله” من غير الشيعة، فيقول جو معكرون “لقد سبق للولايات المتحدة أن لوحت بتلك العصا في الماضي، وهو كلام أقرب إلى التهديد منه إلى التدابير الملموسة، ولن يؤثر على الأطر العامة للسياسة الأميركية المعتمدة، أقله حتى الآن”.

معكرون: واشنطن وطهران بعيدتان كل البعد عن الالتزام بأي طريق حقيقي للإصلاح في لبنان. والأهم من ذلك، لم يقل بومبيو أن دياب يقود حكومة “حزب الله” أو يلمح إلى أن الدعم الأميركي مرتبط بمدى تأثير الحزب على هذه الحكومة الجديدة

يشير معكرون إلى تصريح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي أوضح خلاله أنه “لا يعرف الإجابة بعد حول ما إذا كانت واشنطن ستعمل مع الحكومة الجديدة، كما ربط دعم الولايات المتحدة بـ”إصلاحات حقيقية وملموسة”. ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن واشنطن وطهران بعيدتان كل البعد عن الالتزام بأي طريق حقيقي للإصلاح في لبنان. والأهم من ذلك، لم يقل بومبيو أن دياب يقود حكومة “حزب الله” أو يلمح إلى أن الدعم الأميركي مرتبط بمدى تأثير الحزب على هذه الحكومة الجديدة”. ويضيف: “على الرغم من التوتر الإقليمي بين واشنطن وطهران، فإن الولايات المتحدة لا تنظر إلى سلاح “حزب الله” بوصفه أولوية يتعين على الحكومة معالجتها. طالما أن الحزب لا يتبنى خطة لإبعاد حلفاء الولايات المتحدة من ذوي المناصب الرئيسية عن مسؤولياتهم. وقد يؤدي ذلك إلى بعض الإستقرار في المشهد السياسي دون أن يقود بالضرورة إلى فتح الباب أمام الإصلاح الإقتصادي”. بالنظر إلى الوضع الاقتصادي المتأزم في لبنان، يرى معكرون “أن هناك سيناريو مرجحاً بشكل متزايد حيث يمكن أن تتعامل الولايات المتحدة وأوروبا مع حكومة دياب كحكومة فعلية”.

ويشير معكرون إلى أن تعيين زينة عكر عدرا (لا خلفية لها بالشؤون العسكرية) في منصب وزيرة الدفاع كان بسبب صلتها الوثيقة مع السفارة الأميركية في بيروت. على عكس سلفها إلياس بو صعب، الذي قامت بينه وبين قائد الجيش الجنرال جوزيف عون علاقة معقدة، حيث من المتوقع أن تعزز عدرا فكرة إطلاق يد الجنرال جوزف عون في إدارة الجيش. كل ذلك لنيل رضا الإدارة الأمريكية، التي تنظر إلى الجيش اللبناني بوصفه قوة موازنة لـ”حزب الله”. الأمر الثاني الأساسي بالنسبة للإدارة الأميركية، يضيف معكرون، هو حاكمية مصرف لبنان: ما يهم واشنطن هو احتفاظ رياض سلامة، حاكم البنك المركزي اللبناني، بمنصبه، خاصة أنه يتعاون مع وزارة الخزانة الأميركية بشأن مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك تنفيذ العقوبات الأميركية على “حزب الله”.

جهات سعودية مطلعة، تؤكد أن حوالي سبعين ألفاً من العقارات المملوكة لسعوديين في لبنان جرى بيعها خلال الخمس سنوات الأخيرة، ما يؤكد أن الشارع السعودي يشاطر حكومته  حالة فقدان الثقة حيال لبنان

بدوره، يعتبر الباحث السعودي هاني النقشبندي أن ما جرى تداوله مؤخراً من كلام عن تراجع الدور السعودي في لبنان لمصلحة الدور الإيراني ليس دقيقاً، ولا يعبر عن حقيقة الموقف السعودي، فالصحيح، برأي النقشبندي، أن السعودية التي حرصت منذ اتفاق الطائف على رعاية نوع من التوازن على الساحة اللبنانية قد أصابها اليأس من إمكانية تحقيق ذلك بعد سيطرة “حزب الله” على الشارع والقرار اللبنانيين، وعلى رئاسة الجمهورية تحديداً. ويضيف: “إن كل ما يمكنه أن يأتي من جانب الحكومة اللبنانية لا يسعه أن يثير اهتمام الجانب السعودي حالياً، ما لم تكن هناك خطوات فعلية من أطراف السلطة تؤكد الحرص على استقرار البلد. ويتساءل النقشبندي: “إذا كان اللبنانيون تركوا بلدهم يصل إلى ما وصل إليه فما الذي بيد السعودية فعله”؟ يضيف محدثنا أن وضعية الحيادية والسلبية التي تنتاب المملكة حيال لبنان لا ترتبط بالجانب الرسمي وحده، بل تطال المستوى الشعبي كذلك، كاشفاً، نقلاً عن جهات سعودية مطلعة، أن حوالي سبعين ألفاً من العقارات المملوكة لسعوديين في لبنان جرى بيعها خلال الخمس سنوات الأخيرة، ما يؤكد أن الشارع السعودي يشاطر حكومته  حالة فقدان الثقة حيال لبنان، وينسجم معها في أن التحديات التي تواجهها المملكة في اليمن وسوريا والعراق أكثر سخونة وجدارة بالإهتمام من الملف اللبناني الذي فقد الكثير من عناصره الجاذبة.

الأروبيون يشددون على أولوية إصلاح قطاع الكهرباء وشفافية المناقصات وإخضاعها لرقابة الجهات المانحة لضمان حسن تنفيذ الأعمال

من جهته، يرى طارق وهبي، الباحث في العلاقات الدولية في الملتقى الأورومتوسطي في باريس، أن أوروبا عامة، وفرنسا خاصة، تضع، اعتماداً على تجاربها الإقتصادية المركبة، مقاييس وشروطاً شبه موحدة لمساعدة الدول المتأزمة كما هو حال لبنان حالياً، وتتمحور هذه الشروط بالدرجة الأولى حول الشفافية في صرف الأموال، وتخفيض الحجم المالي للدولة عبر تقليص عدد الموظفين، وتحجيم موازنات الوزارات التشغيلية، وفرض ضرائب على الرواتب والأجور لفترة معينة تمهيداً لإيداعها في صندوق للدعم الإجتماعي. وثمة شروط تتعلق بشفافية المناقصات، وإخضاعها لمراقبة الجهات المانحة لضمان حسن تنفيذ الأعمال، والتأكد من دقة الصرف المالي، وقد تنصح الجهات المعنية أحياناً بإصدار عملة جديدة بقيمة أكبر من المعتمدة حالياً، كما حصل في فرنسا قبل دخولها في الإتحاد الأوروبي، حيث صدر الفرنك الفرنسي الجديد الذي يعادل ألف ضعف لمثيله القديم. في مجال الإصلاحات الاستراتيجية، يقول وهبي أن الأولوية الفرنسية هي لقطاع الكهرباء وثمة وصفة أوروبية تؤمن بخصخصة قطاعات الخدمات مثل التعليم والصحة والمواصلات، مقابل دعم بعض القطاعات الانتاجية الصغيرة الزراعية والصناعية، وتهيئتها لاستيعاب الموظفين والعمال المسرحين من القطاع العام. إضافة لما سبق تقوم الرؤية الإنقاذية الأوروبية على اعتماد تسعيرة غير مدعومة للكهرباء ومياه الإستهلاك، ورفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 15% وتفعيل الرقابة على الجمارك.

إصلاحات قاسية وخلافية، تبدو كما لو أنها المعبر الوحيد أمام حكومة لبنان للحصول على دعم أوروبي كاد مؤتمر سيدر أن يرسي بوادره قبل التغييرات التي شهدتها ساحات لبنان السياسية والإقتصادية والمالية.

بإختصار، لا توقعات بإختراقات جدية للحصار الدولي للبنان، ما لم يتجدد التفاوض الأميركي ـ الإيراني ومن بعده الحوار السعودي ـ الإيراني، وهما أمران مستبعدان، في المدى المنظور، وهذا المعطى قد يلمسه رئيس الحكومة حسان دياب في الجولة التي أبلغ وزراء في حكومته نيته القيام بها آخر الشهر الحالي، إلى عدد من العواصم العربية، من دون أن يحدد ماهية الدول التي ستستقبله.

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free online course