أحزاب لبنان في مهبّ رياح الثورة

"هل يمكن للمرء أن يكون شيوعياً اليوم"؟. هذا التساؤل الإشكالي جعله الفيلسوف والسياسي الفرنسي الراحل روجيه غارودي عنواناً لكتابه عام 1968، عقب سلسة مؤلفات حاول خلالها غارودي - عضو المقاومة الفرنسية ومجلس الشيوخ الفرنسي - "إقامة المصالحة" بين الماركسية والدين. وغارودي، الذي كان مهجوساً بمبدأ "العدالة الاجتماعية"، لم يكن يرى مناصاً إلاّ باعتناق "العقيدة الشيوعية" لمحاربة الظلم وتكريس المساواة بين البشر وتحرير الإنسان من الإغتراب والقهر والشقاء. بعد أكثر من نصف قرن على طروحات غارودي، قد يكون هذا التساؤل ما زال مشروعاً في لبنان ويتفرّع منه جملة تساؤلات: هل يمكن للمرء أن يكون، اليوم، إشتراكياً؟ قومياً؟ كِتْلوياً؟ كتائبياً؟ أَمْلاوياً؟ طاشناقياً؟... هل يمكن له، باختصار، أن يكون حزبياً؟ أو ربّما الأصحّ... هل يمكن له أن يبقى حزبياً؟

لقد نفث بركان ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر، غضباً لبنانياً جامحاً مكبوتاً لدى شعبٍ استفاق بعد سبات طويل ليرى الواقعة قد وقعت أثناء غيبوبته. لقد وجد نفسه، وجهاً لوجه، أمام كارثة تتدحرج صوبه ككتلةٍ نارية ضخمة، وتلتهم في طريقها كلّ شيء. لم يخَفْ هذا الشعب في سنوات حروبه الأهلية، ولا في أيام الاجتياحات الإسرائيلية، مثلما يخاف اليوم من سلطةٍ ودهاقنة سياسة يمسكون بخناقه ويمتهنون كرامته ويتفنّنون في خلْق صنوفٍ لمعاناةٍ، الداخل إلى جحيمها مفقود والخارج منه موجود، تشرق شمس نهاره مع فضيحة، وتغيب مع أخرى. اللبنانيون الموجوعون على هذه الأرض، غنّوا مع شارل أزنافور ذات ليلة “خذني بعيداً إلى أرض العجائب، يبدو لي أنّ هذا البؤس أقلّ قسوة تحت أشعة الشمس”، فخرجوا إلى شمس الساحات وضوئها يطهّرون أرواحهم المتمرّدة من دنس السياسة والسياسيّين وأحزابهم.

أنشؤوا في الشوارع العامّة “هايد بارك” يوميّاً، وضعوا فيه أركان السلطة، كافةً، في موقع مرتكب الجرائم بحقّ اللبنانيّين، بعدما فوجئوا بمَن أعطوهم الثقة في صناديق الإقتراع، دائماً وأبداً ومجدّداً، يُشهِرون العجز والقصور أمام محنتهم، بعدما استنفدوا كلّ زادهم الأخلاقي.

لقد ظهر للعيان، أنّ نبض الشعب اللبناني حيال السياسة والأحزاب السياسية قد انحسر إلى سقوف متدنّية غير مسبوقة، وتقزّم معها، وللمرّة الأولى أيضاً، طغيان الإنفعال مع الإنتماءات السياسية. أوّل مظاهر هذا التقزّم وانحسار المصداقية والثقة، تبدّى مع المداولات التي سبقت تشكيل الحكومة اللبنانية الأخيرة، والدفق الكلامي لسياسيّين ومحلّلين تابعين لهم، يتبرّأ من تهمة “التحزّب” عبر تأكيد خلوّ حقائب الوزراء من أيّة بطاقة حزبية.

لقد وقع الشرخ بين أحزاب السلطة وأتباعها، من جهة، وبين جزء كبير غير متحزِّب من شعب لبناني كان، حتى الأمس القريب، يمارس التقيّة تجاه هذه الأحزاب وبيئاتها، من جهة ثانية. وهوت شرعية أحزاب السلطة وهيبة قياداتها إلى حضيض الثورة، بعدما فقدت كلّ مقبولية لها من جيل الشباب الذي شكّل (ولا يزال) القوة الضاربة للاحتجاجات. لدرجةٍ، أصبح معها رفض التبعية الحزبية والتنصّل من أيّ صلة بهذا الحزب أو ذاك، واجباً وطنياً يستدعي إشهار الطلاق مع تاريخ هذه الأحزاب ومسارها وارتكاباتها على الملأ.

بدا أنّ أحزاب السلطة، التي جعلت شبكات النهب وصفقاتها لبَّ السياسة اللبنانية وركنها وموضوعها وعالمها كلّه، باتت مرفوضة، بعنف، من غالبية الناس

ومع الوثبات المتعاقبة للكارثة المالية والاجتماعية، بدا أنّ أحزاب السلطة، التي جعلت شبكات النهب وصفقاتها لبَّ السياسة اللبنانية وركنها وموضوعها وعالمها كلّه، باتت مرفوضة، بعنف، من غالبية الناس. وخصوصاً، أنّه خلال أشهر الانتفاضة الشعبية تظهّر، وبوضوح شديد، تواطؤ هذه الأحزاب ضدّ المصلحة الوطنية من خلال التحاصص في تناهب المال العامّ وكلّ مرافق ومؤسسات البلاد، وتغليب فوضى الجمهور الطائفي على عقل الدولة، ورداءة موصوفة في أدائها السياسي.

هناك ما يزيد على مئة حزب تتزاحم على المشهد السياسي في لبنان، إلاّ أنّ هناك عشرة أحزاب، فقط، باتت تختصر، منذ اتفاق الطائف عام 1989، الخارطة الحزبية، إلى حدٍّ أصبحت معه كلمة “حزب” تعني، حصراً، أحد أحزاب السلطة العشرة. فلقد غيّبت السلطات اللبنانية (وغير اللبنانية) المتعاقبة، قسْراً وبالقوة أحياناً، سائر القوى الحزبية التي وُلِدت من رحم المجتمع، فاحتكرت العمل السياسي، وأنكرت حقّ قوى حزبية وازنة وعريقة في ممارسة دورٍ فاعل في الحياة السياسية. غالباً، من خلال قوانين انتخابات (عجيبة غريبة) حاكتها تلك الأحزاب، بشكلٍ يضمن الفوز الساحق لمرشّحيها، وتأمين فرصة الوصول إلى مجلس النوّاب لشخصيات معيّنة (لا تحظى بقاعدة شعبية)، لتقطع الطريق على كلّ مَنْ تسوّل له نفسه مجرّد التفكير بولادة قوى جديدة.

مع ذلك، لم تقِ كلّ هذه الإجراءات والخطط الأحزاب المحتكِرة للسلطة اللبنانية من الوصول إلى واقع الإنهيار، على كافة الصعد والمستويات، بحيث تحلّل، ومنذ زمن بعيد، دور معظمها في العمل السياسي والحزبي، وفقدت صدقيتها وشرعيتها، وغرقت في غربةٍ عن الحداثة والقضايا المعاصرة، وتحوّلت إلى مجرّد “نقرة” في إيقاع الفولكلور السياسي اللبناني، لماذا؟ في ما يلي محاولة للإجابة:

أولاً، على الرغم من الاستقطاب السياسي الحادّ في لبنان، إلاّ أنّ هذا الاستقطاب لا يتوسّل الفكر السياسي والإيديولوجيا التي ينظر إليها، معظمهم، على أنّها مسبِّبة للانقسام (؟)، لذا تبتعد أحزاب السلطة، عموماً، عن تحديد هويّة إيديولوجية لنفسها، وتعتمد، بالمقابل، على تعزيز وتعميق وتغليب الإنتماءات الأوليّة (الدين، الطائفة، العائلة، المنطقة، الأثنية…إلخ) على العلاقات المدنية. من هنا، نراها تسعى إلى صَهْر أنصارها والموالين لها في عصبياتٍ، قوامها الزبائنية؛ الخوف؛ الغريزة؛ رهاب الوجود؛ والإنغلاق على الذات تحت مُسمَّى “حقوق الطائفة”. تشيع في لبنان “ظاهرة التحزّب” على حساب “الظاهرة الحزبية”، بمعنى أنّ الانضمام إلى الأحزاب لا يكون، غالباً، على قاعدة الإيمان والاقتناع بالبرنامج أو المشروع أو الرؤيا التي يطرحها الحزب، بل على أساس ولاء الإنتماء لطائفةٍ بعينها أو لزعيم بعينه. وعليه، هناك ما يمكن تسميته بـ”إنضواء الأمر الواقع” إلى الأحزاب؛ إذْ، بمجرد أن يكون الفرد من هذه المنطقة أو تلك المحافظة أو ذاك القضاء، يصبح لزاماً عليه أن يكون عضواً في “الحزب الشمولي” المحسوب على طائفته ومكان إقامته.

باتت الأحزاب على الطريقة اللبنانية، تشبه “شركات خاصّة” تنتقل ملكيّتها عبر حصر إرثٍ عائلي، ما يعني بلغة السياسة، أنّ هذه الأحزاب لم تعد قادرة على إنتاج قيادات وكوادر سياسية جديدة وفعّالة

وتقف مسألة أخرى (أخطر ربما) وراء ظاهرة التحزّب، تتمثّل في شخصنة الأحزاب، أي أنّ معظم أحزاب لبنان، ولا سيّما منها أحزاب السلطة العشرة، مرتبطة عضوياً بشخصية مؤسّس الحزب أو زعيمه (والمؤسّس هو الزعيم حتى الموت). وهكذا، باتت الأحزاب على الطريقة اللبنانية، تشبه “شركات خاصّة” تنتقل ملكيّتها عبر حصر إرثٍ عائلي، ما يعني بلغة السياسة، أنّ هذه الأحزاب لم تعد قادرة على إنتاج قيادات وكوادر سياسية جديدة وفعّالة، والأسوأ أنّها لم تعد قادرة على الوثوق بقيادات من خارج أسوار محميّاتها .

ثانياً، إذا كانت الأحزاب السياسية في الديموقراطيات العريقة تلعب دوراً مهمّاً وحيوياً في الحياة السياسية، بحسب الموقع الذي توصلها إليه الانتخابات (الرئاسة، الحكومة، البرلمان، المعارضة للحكم)، ففي لبنان لا شيء يحصل من كلّ ذلك. بل إنّ أحزاب السلطة، وعلى الرغم من تعدّدها، تشكّل، بالدليل القاطع، عائقاً أمام الديموقراطية وحماية حقوق الناس وتنظيم الحياة السياسية، وذلك بسبب قضاء الأحزاب (السلطوية) على منطق الدولة. فأحزاب السلطة نشأت على أساسٍ طائفي وعشائري، ونشطت بعقليّة ميليشياوية، وسيطرت بذهنيّةٍ زبائنية تحاصصية، ما أفضى إلى: تشتيت اللبنانيّين وخندقتهم من خلال فرْض حالة عزلة سياسية عليهم، وتبديد طاقاتهم النضالية في الصراع الاجتماعي، ومنْع كلّ إمكانية لدمجهم جماهيرياً، وتفويت كلّ فرصة لاتحادهم من أجل حقوقهم وحرياتهم، وتقسيمهم عامودياً، وتوزيعهم أدياناً وطوائف تُرمى بينهم، ومتى دعت حاجة قادة هذه الأحزاب لذلك، قضية قابلة للاشتعال الطائفي ولإشعال البلد، أيضاً. هذا ما حاولت أحزاب السلطة فعْله، مثلاً، عبر إرسال أزلامها، مراراً وتكراراً، إلى ساحات الثورة، بمجرّد أن تحرّك الثوار أفقياً، ونفضوا الغبار عن “هويتهم الوطنية” المطمورة في تربة الطوائف.

ثالثاً، عدا قصور كفاءة معظم الشخصيات التي تقود أحزاب السلطة اللبنانية، يشكّل افتقار هذه الأحزاب إلى البرامج الواضحة والمتكاملة، أحد أبرز ملامح واقعها السيّء (بل المزري)؛ فالأحزاب، التي تُعَدّ في العصر الحديث إحدى أدوات التنمية السياسية، وتعمل في دول العالم كوسيط بين أفراد الشعب ونظام الحكم، نجدها في لبنان تعمّق الهوّة بين السياسيّين والرأي العام، وتفتقد إلى أبسط الرؤى لقيادة الدولة، وإلى أبسط المفاهيم القيمية السياسية.

هل حان الوقت لتخلق الثورة لنفسها وزناً سياسياً مؤثّراً، يستطيع أن يُعدِّل في موازين القوى لمصلحة الناس الثائرين على تنوّعهم؟ وهل حان الوقت لتشكيل إطار سياسي للثورة؟

رابعاً، تنأى أحزاب السلطة بنفسها عن كلّ ممارسة ديموقراطية ضمن إطار العمل الحزبي، وهي تشكو من ضعفٍ مهيب في تفاعلها مع محيطها (على رغم محدوديته)، وتعاني من تأزّم في أُطرها التنظيمية. أمّا أكثر ما تبرع به، فهو احتجاز محازبيها في طوائفهم، وجعْلهم مجرّد عناصر في ماكينة إنتخابية (ينقصها االشفافية والنزاهة)، ممنوع عليهم إعلاء الصوت أو محاولة التأثير في اتخاذ أيّ قرار مصيري. وجلّ ما تفعله أحزاب السلطة المفلسة والمأزومة هو باختصار: المزايدة على خصومها في مزايدات ومهاترات تصدع الرؤوس (ولا سيما مع اقتراب استحقاق من الاستحقاقات)؛ الاستقواء عبر اجترار زجليّات التغنّي والتفاخر بـ”إنجازات وبطولات الماضي”؛ انتهاج مسلك السياسة المخادعة التي تتناقض بين الشعارات الحزبية والممارسات الفعلية؛ وتسويق خطابٍ سياسي جامد ممجوج ومكرر يُحضَّر “غبّ الطلب”.

وأخيراً، عوْد على بدء. هل يمكن للمرء في لبنان ما بعد الثورة، أن يكون حزبياً، وهل ما زال لأحزاب السلطة اللبنانية قابلية لتجسيد الخيارات الاجتماعية للشعب اللبناني؟

شخّصت الثورة التشرينية نزْفاً للمحازبين من أوردة أحزاب السلطة اللبنانية، وبروز انقساماتٍ داخل صفوفها (ما زالت محدودة) بما فيها الأحزاب التي لطالما “حُسِدت” على قوتها التنظيمية، وتصدّعاتٍ حادّة في هيكل تسوياتها وحكايات “غرامها وانتقامها” مع الخصوم والحلفاء.

المؤّكد، أنّ الثورة قد شحنت الصراع السياسي في لبنان بمضمون جديد، استطاع ضبْط البوصلة ليتحوّل معه هذا الصراع، من انقسامٍ على التبعية والولاء، إلى نزاعٍ بين الدولة والدويلات (الحزبية الطائفية) وبين الطبقة السياسية والطبقة الشعبية. تحت عنوان “استعادة الحياة السياسية وإعادة تشكيل السلطة“، حاولت الثورة وضْع قطار التغيير على سكّته الصحيحة، وفي المفارق المفصليّة لتاريخ لبنان، وأعطت للرأي العام قيمة ودوراً حوّل “الشارع” إلى سلطة رقابة ومحاسبة، تطالب بالحقوق وبالإصلاح لتشييد دولةٍ عصرية مدنية.

هل حان الوقت لتخلق الثورة لنفسها وزناً سياسياً مؤثّراً، يستطيع أن يُعدِّل في موازين القوى لمصلحة الناس الثائرين على تنوّعهم؟ وهل حان الوقت لتشكيل إطار سياسي للثورة؟ إقتضى التساؤل.

(*) أستاذة في الجامعة اللبنانية

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free online course