نموذج “طالبان” يراود الجولاني… هل تثمر رسائله إلى واشنطن؟

يبدو أن الرسائل المتبادلة بين واشنطن من جهة وهيئة تحرير الشام من جهة ثانية وصلت إلى نقطة متقدمة على صعيد حسم طبيعة العلاقة بين الطرفين. ثمّة مرونة أميركية واضحة في توصيف "الهيئة" في حين يكثّف الجولاني جهوده لتلبية الشروط المطلوبة من أجل إعادة تلميعه ونزع صفة الارهاب عنه. فهل ينجح الأخير في استنساخ نموذج "طالبان" أم أن التطورات الميدانية ستفوّت عليه هذه الفرصة؟

لم تكن المقابلة الطويلة نسبياً التي أجرتها “مجموعة الأزمات الدولية” مع زعيم “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) أبي محمد الجولاني خطوةً شاذّةً من خارج السياق، بل هي حلقة متصلة ضمن سلسلة من المساعي والجهود الرامية لإيجاد أرضية مشتركة تسمح بإجراء تعديلٍ على تعريف “جبهة النصرة” وإعادة تقديمها للمجتمع الدولي بلبوسٍ جديدٍ ينأى بها عن صفة الارهاب التي لازمتها منذ أواخر العام 2012.

وفي ظل العملية العسكرية الواسعة التي يقوم بها الجيش السوري في منطقة خفض التصعيد في إدلب، وجد أبو محمد الجولاني نفسه في وضع شديد التعقيد تكاد خياراته فيه تنحصر بين ابتلاع مذلة الهزيمة والخروج من المشهد كليّاً أو القبول بتقزيم دوره ليصبح مجرد تابع آخر يعمل تحت كنف الاستخبارات التركية.

ولعلّ هذا ما دفع الجولاني إلى محاولة اجتراح مسار جديد يفتح أمامه خيارات أخرى تكون أقل كلفة وأخفّ صعوبة، وهو ما تمثّل في عودته إلى تكثيف رسائله باتجاه واشنطن على اعتبار أن تقديم التنازلات أمام طرف دولي مؤثر أسهل بكثير من تجييرها لصالح طرف إقليمي لطالما كانت علاقته معه محفوفة بالتقلبات والانعطافات.

وتقرأ الحلقة الضيقة المقربة من الجولاني المشهد السوري على نحوٍ مفاده “أن الولايات المتحدة لا تُمانع في بقاء “هيئة تحرير الشام” وأن يكون لها دور شبيه بدور قوات سوريا الديمقراطية من حيث إضعاف مركزية العاصمة السورية ومواجهة النفوذ الايراني، مع الاقرار بأن ملاقاة واشنطن في منتصف الطريق تتطلب من “الهيئة” اجتراح تنازلات قاسية تتعلق ببنيتها وتوجهاتها” كما قال لموقع 180 مصدر مطلع على كواليس الهيئة.

وأكّد المصدر السابق أنه بينما يتوجه الجولاني بخطابه ورسائله إلى واشنطن فإن عيونه منصبّة على نموذج حركة طالبان في أفغانستان التي نجحت في التفاوض مع الولايات المتحدة واستطاعت من خلال براغماتيتها وتحولاتها أن تفرض نفسها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه.

لا تُمانع الولايات المتحدة في بقاء “هيئة تحرير الشام” وأن يكون لها دور شبيه بدور قوات سوريا الديمقراطية

وقد استشهد المصدر بأن “هيئة تحرير الشام” رغم الانتشار الكثيف للقوات التركية في مناطق إدلب، إلا أنها لم تحسم حتى الآن موقفها من طبيعة العلاقة التي ستربطها بالقوات الوافدة، وذلك انتظاراً لما يمكن أن تسفر عنه دبلوماسية الرسائل مع واشنطن.

وكان من اللافت للانتباه أن “هيئة تحرير الشام” رغم الضغوط العسكرية التي تتعرض لها، إلا أنها تمسكت خلال الأيام الماضية بالحد الأدنى الذي يتيح لها وضع الفيتو على بعض تحركات القوات التركية، كما حصل في نقطة النبي أيوب في جبل الزاوية حيث رفضت الهيئة أن تتحول إلى نقطة انتشار تركي.

ولا يتعلق الأمر فقط بالأهمية الاستراتيجية لهذه النقطة التي تطل على مناطق واسعة من جبل الزاوية وسهل الغاب وصولاً إلى مشارف مرتفعات كباني في ريف اللاذقية، بل يتعلق أيضاً على ما يبدو برغبة الجولاني في عدم تسليم جميع أوراقه إلى الجانب التركي قبل أن يتأكد من اتجاهات الريح الأميركية وإمكانية استثمارها. كما تكرر الأمر نفسه في دارة عزة حيث وردت معلومات بأن أنقرة طلبت من “الهيئة” الانسحاب من المنطقة لتحييدها عن العمليات القتالية إلا أن الأخيرة رفضت الأمر، وهو ما يشير إلى عدم وجود تناغم كامل بين الطرفين.

وقد بدأت جهودُ تطويع “النصرة” منذ منتصف العام 2016 مع تفاهمات لافروف-كيري حول اتخاذ خطوات حاسمة ضد الجماعة الارهابية. وقد اضطرت هذه التهديداتُ الثنائية في حينها، الجولانيَّ إلى إجراء أول جراحة تجميلية تمثلت بإعلانه فك الارتباط مع القاعدة وتشكيل “جبهة فتح الشام” في شهر تموز/يوليو من العام ذاته، ثم أعقبها خطوات أخرى انتهت بتشكيل “هيئة تحرير الشام” أواخر العام 2017.

ورغم أن الولايات المتحدة بدت وكأنّها حسمت أمرها في شهر أيار/مايو من العام 2018 عندما أعلنت عن تصنيف “هيئة تحرير الشام” على قائمة الارهاب، ما شكّل علامة واضحة على عدم رضاها عن التغييرات التي أقدمت عليها الأخيرة، إلا أن جميع المعطيات كانت تدلّ على أن مساعي الطرفين للتلاقي في منتصف الطريق لم تتوقف بتاتاً. فقد استمرّت محاولات “النصرة” الحثيثة لسحب الغطاء الأميركي إلى جانبها، كما واصلت الولايات المتحدة ممارسة مناوراتها على خطوط الصدع الجهاديّة بما ترك انطباعاً عامّاً بأنها تعمل على “تحييد” الجولاني تمهيداً لأمر ما.

مساعي الولايات المتحدة والجولاني للتلاقي في منتصف الطريق لم تتوقف بتاتاً

وإذ كانت غالبية هذه المحاولات والممارسات تجري في تلك الفترة من تحت الطاولة أو بأسلوب الرسائل المشفرّة، فقد عادت للخروج إلى العلن قبل نحو شهرين عندما أعلن الجولاني في خطابه المنشور في 23 من كانون الأول/ديسمبر من العام المنصرم، تحوّل نشاطه إلى ما أسماها حرب تحرر وطنية ضد الاحتلالين الروسي والايراني، وهو ما اعُتبر في حينه بمثابة “رسائل جيوسياسية موجهة إلى بريد واشنطن”.

ولم يطل الوقت قبل أن تأتي الرسالة الأميركية الجوابيّة على لسان جيمس جيفري المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا الذي تحدث عن “الهيئة” بخطاب علني يحمل نفساً جديداً. فقد قال جيفري في 12 شباط/فبراير الجاري أن “الهيئة تركّز على محاربة الأسد” وتحاول إثبات أنها “وطنية وليست إرهابية” وذلك مع تأكيده على أن واشنطن لم تقتنع بذلك حتى الآن. ويُفهم من كلام جيفري أن تركيز الهيئة على قتال الأسد يعني بمفهوم المخالفة أنها لم تعد تركز على نشاطات أخرى مثل تنفيذ عمليات في الخارج، وهو أكثر ما يقلق الولايات المتحدة. ولكن يبدو أن واشنطن لديها شروط أخرى قبل أن تتخذ أية خطوة إيجابية إزّاء الهيئة.

ويبدو أن مقابلة الجولاني مع “مجموعة الأزمات الدولية” كان المقصود منها ليس وضعه على كرسي الاعتراف للإقرار بأخطائه السابقة تمهيداً ربما لمنحه صكّ الغفران، إنما أيضاً لإبداء استعداده لتلبية باقي الشروط الأميركية في سبيل إقناع واشنطن برفع صفة الارهاب عن كاهله قبل أن يجري العمل على تسويقه كحزب سياسي “يناضل” من أجل الحرية والاستقلال، وربما الجلوس معه لاحقاً على طاولة كما حصل مع طالبان.

غير أن الرياح قد لا تجري بما تشتهي سفن الجولاني، إذ ثمة فوارق جسيمة بين تجربة طالبان في أفغانستان وتجربة “الهيئة” في الشمال السوري، أهمها أن طالبان انخرطت في حرب علنية ضد القوات الأميركية وكبدتها خسائر كبيرة هي التي اضطرت واشنطن إلى اللجوء لطاولة المفاوضات خصوصاً في ظل توجهات الرئيس الأميركي الرامية إلى وقف ما اسماها “الحروب العبثية”.

والاختلاف الثاني أن الولايات المتحدة هي اللاعب شبه الوحيد في الساحة الأفغانية، بينما في سوريا هناك لاعبون كثر على رأسهم روسيا التي تملك التأثير الأقوى في عدد كبير من الملفات، لذلك فإن التغزّل بواشنطن لن يكون كافياً وحده لفتح أحضان المجتمع الدولي أمام الهيئة وتحولاتها.

ويبقى الاختلاف الأهم والذي يتمثل في نجاح حركة طالبان في فرض نفسها كرقم صعب على الصعيدين العسكري والأمني نتيجة اتباعها حرب العصابات على مدى سنوات طويلة، أما “الهيئة” فإنها تعاني في هذه المرحلة من انهيار خطوطها أمام تقدم الجيش السوري وعدم قدرتها على الصمود في وجهه، ما يعني أنها تكاد تفقد حتى أهميتها العسكرية التي من شأنها أن تحدد ثقلها لدى أي طرف دولي تريد تقديم أوراق اعتمادها إليه.

ولكن مع ذلك، يبقى هذا التفاعل بين “الهيئة” وواشنطن مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بطبيعة توجهات الأخيرة في الملف السوري، وما إذا كانت تضع القضاء على الارهاب على قائمة أولوياتها أم أن عرقلة مسارات روسيا العسكرية والسياسية ومواجهة نفوذ إيران ستكون لها الغلبة؟

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free