لبنان “العظيم”.. على قارعة الإفلاس

تجميد الأصول المالية العائدة لعدد من المصارف اللبنانية ورؤساء مجالس اداراتها، بقرار من النائب العام المالي علي ابراهيم ثم قرار النائب العام التمييزي غسان عويدات بتجميد التجميد، أكثر من مجرد تضارب في الصلاحيات بين مرجعيتين قضائيتين. كما لا يمكن اعتبار ما حصل تبايناً في الإجتهاد الدستوري. الأمر في حقيقته هو صراع مصلحي متفاقم بين شركاء في تفليسة يشهد محاولات لتمويهه بصيغ وحيل قانونية.

قبل القرارين، وبعدهما، وبينهما أيضاً يعاقر لبنان تخبطاً في مساره الوجودي يتهدده بالإنهيار. الخلاف الحقيقي القائم راهناً هو حول الجهة الذي ستُوَجَّه إليها، أو تُحصر بها، تهمة التسبب بشطب اسم الكيان اللبناني عن لائحة الدول المستوفية، ولو بصيغة شكلية، لمشروعية الحضور بين الأمم. الواضح أنه لم يعد ممكناً تقييد الجريمة المتمادية منذ ثلاثة عقود ضد مجهول.

غضّ اللبنانيون أبصارهم طويلاً عن حقيقة مفجعة لمسيرهم، ومصيرهم المشترك: ثمة ممولون، هم أصحاب القرار الحقيقيون، يمدون المنفذين النافذين بثروات من أرصدة الناس، يتفاهمون معهم على خطط العمل، ثم يمنحون الشاطرين منهم مكافآت مجزية.. أهل السياسة يعيّنون القضاة ويمسكون بمصائرهم، بعد ذلك يكون على أهل القضاء أن يصوبوا الميزان، ويخرجوا أرانب العدل من أكمام أثوابهم السوداء، ليؤول الموقف إلى كوميديا سوداء لا يسعها أن تستدر الدهشة مهما بلغت براعة الممثلين.

منذ توقيع إتفاق الطائف، تفاهم على حكم لبنان نماذج محدودة من القادة الطائفيين لا يتخطى عددهم السبعة. الآخرون كانوا أقرب إلى أصوات ناطقة بأسماء القادة، ملحقين بأصحاب القرار، أُقرت تفاهمات برعايات إقليمية ودولية على توزيع الأدوار بين السياسة من جهة والإقتصاد من أخرى.. ثم ما لبث لبنان نفسه أن صار ملحقاً بمحاور إقليمية ودولية تخوض في ما بينها صراعات لها طابع مصيري.. تداخلت تفاصيل المشهد حتى غدا متعذراً تمييز ملمح محلي واحد يعبر عن الهوية الذاتية للوطن الصغير الذي وصف يوماً بالخطأ الجغرافي، وعندما تفاقم المأزق الإقتصادي، لم يكن ممكناً التعاطي معه بوصفه خللاً داخلياً يستوجب معالجة تنطلق من خصوصية الداء. سريعاً، جرى إدراج الأزمة في سياق المواجهة الإقليمية ولعبة المحاور، هكذا صار منطقياً أن يبادر من بأيديهم مقومات الحل والربط إلى خلط الأمور وتعقيد الخيوط، وبات ممكناً أن تتكرس حكاية الصيف والشتاء على سطح كان الظن أنه واحد: ما تخشى العامة من اللبنانيين حصوله من تدهور معيشي وانهيار اقتصادي ومالي هو بالضبط غاية بعض قياداتهم كونه السبيل الوحيد لتغيير قواعد لعبة النزاع، وتعديل نتائجها، والدفع باتجاه إعادة تموضع الرابح والخاسر من أطرافها.

التردي، والتأزم، والتدهور، والإنهيار، جميعها صارت متردافات تعبر عن نوع جديد من الحرب الأهلية، أكثر منها مصطلحات تنتمي إلى المعجم الإقتصادي. هكذا كان بوسع بعض رموز السلطة أن يعلن، دون رفة جفن، أن تفادي الهاوية ممكن، بل ومشروط، بتخلي شريكه المسلح في الوطن عن سلاحه، في حين أمكن للشريك ذاك أن يحاجج بأن جوع الناس وهم، وأن سلاحه هو وحده المستهدف.. وكان أن تسارعت الأحداث، وتأخر الوقت بحيث لم يعد متاحاً لأحد الشريكين أن يدوّر الزاوية بما يجعله يقارب الموقف وفق ما يستحقه من موضوعية غير موجودة في قاموس هؤلاء اللاعبين.

عديدة هي القضايا التي بوسعها أن تحيل المسؤولين إلى مرتكبين، وتضعهم في أقفاص إتهام أبقتها الشراكة الرسمية وتقاطع مصالح الحكام فارغة، ولعل إبراهيم يملك من الملفات ما يكفي لدحرجة بعض الرؤوس، لكنه إختار، كغيره من قضاة “غب الطلب”، أن يحتجزها في الأدراج

حصل ذلك كله في أروقة السلطة ومغاورها، وعندما بلغت الأمور، من التعقيد، مداها، اتجهت الأنظار إلى الضفة المقابلة متمعنة في حراك شعبي صاخب كان الظن أنه معقد الرجاء، لكنه ما لبث أن فقد عفويته على مقربة من نقطة انطلاقه، سرعان ما تفخخ بأصحاب المشاريع المشبوهة وأسلس قياده للجهات الملتزمة بأجندات ملتبسة، وتعرض للمصادرة من إعلام ممول، أو طامح للتمويل، أفقده خضوعه للمصلحة المادية أي بعد إيجابي متوقع منه.. فكان أن تحول، ما كان يجدر به أن يمثل انتفاضة تحمل سمات التغيير وإمكاناته، إلى منافسة بين الطامحين إلى السلطة والمتصارعين على عطاءات النفوذ السياسي ومغانمه.

كثر الطامحون إلى الثراء من معابر السياسة. تضخمت الأحلام والآمال التي تقع تحت طائل الأوهام. ظن كثيرون أنفسهم على تماس مع المجد وتصرفوا بوحي من ذاك الإحساس المخادع.. وحده اليقين بقرب الإنهيار بدا واقعياً في زمن تحولت مكوناته البشرية والمادية والإبداعية إلى ركام.. ويبدو أن دور القضاء قد حان أخيراً.

وسط هذا الكم الهائل من الغبار وانعدام الرؤية، يصير ممكناً تفسير قرار القاضي علي ابراهيم باعتباره مساندة لمرجعه السياسي، أي رئيس مجلس النواب الذي سبق له ابداء الإعتراض على دفع مستحقات اليوروبوند المستحقة خارجياً، واضعاً إصرار البعض على الإلتزام بموعد التسديد في خانة دفع الوضع الإقتصادي إلى مزيد من الإنهيار، وإرساء ضغط إضافي على لبنان، كما يصبح بالإمكان وضع قرار القاضي غسان عويدات في اطار تأمين الحماية للجهة السياسية المقابلة، التي يمثلها ولي نعمته الوظيفية، رئيس الحكومة السابق، وربما بداية تفسخ الفريق الحاكم نفسه، ربطاً بأزمة لن تبقي ولن تذر شيئاً مما عرفناه من منظومة مصالح وعلاقات طوال ثلاثة عقود من الزمن.

لعل أبرز الثغرات التي تعتري قرار القاضي ابراهيم أنه لم يأت في سياق لائحة مطولة من القرارات التي يجدر بالقضاء المالي اصدارها، والملفات التي يتعين عليه فتحها في ظل كلام كثير ومزمن عن فساد مالي منتشر، وعن مخالفات كبيرة ارتكبها المؤتمنون على مصالح المواطنين.. عديدة هي القضايا التي بوسعها أن تحيل المسؤولين إلى مرتكبين، وتضعهم في أقفاص إتهام أبقتها الشراكة الرسمية وتقاطع مصالح الحكام فارغة، ولعل إبراهيم يملك من الملفات ما يكفي لدحرجة بعض الرؤوس، لكنه إختار، كغيره من قضاة “غب الطلب”، أن يحتجزها في الأدراج.

إلى أين من هنا؟ إلى تسوية إضافية تضع لبنان على سكة الخارج، عضوا في نادي الدول المفلسة. صيغة ترهق كاهل الكيان المثقل بالأعباء. مع هذه وتلك، لا بد من قلاقل إجتماعية كبيرة، وفي المقابل، لا بد من إستثارة مألوفة لحماسة طائفية ومذهبية اعتادت قوى السلطة تحريكها في لحظاتها المصيرية الحرجة.

إلى أين؟

إلى إعلان رئيس الحكومة المنفي من جنة الطوائف والسياسة حسان دياب قرار حكومته بعدم تسديد المترتبات الدولية عليها، وصولاً إلى بداية مثول لبنان الرسمي أمام المحاكم الدولية محاطاً بالنظرات الشامتة لمستثمرين راكموا ثرواتهم من اقتصاده المنهك، أكلوه لحماً ورموه عظماً ليستحق صفة “المفلس العظيم”.

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course