تهمة الخيانة تُشهر في وجه المعارضين السديريين: تمهيد لتنحي سلمان؟

مرة جديدة يشهر محمد بن سلمان سيفه في وجه أمراء العائلة المالكة. هذه المرة جاءت التهمة أكثر خطورة، وهي "الخيانة العظمى"، وقد وُجهت ضد المعارضين من الفرع السديري لآل سعود، ما يثير تكهنات بأن طريق ولي العهد إلى العرش اقترب من محطته النهائية، خصوصاً اذا ما صحت المعلومات بقرب الإعلان عن تنحي الملك سلمان.

منذ ما يقارب الثلاثة أعوام، بدا أن الأمور قد استتبت لمحمد بن سلمان (34 عاماً) في توطيد وترسيخ خطواته نحو عرش المملكة، وذلك بعد الإطاحة بولي العهد السابق، محمد بن نايف (60 عاماً) وازاحته من طريق العرش، وموازاة هذه الخطوة باحتجاز وتأديب عشرات الأمراء من الأسرة الحاكمة في فندق “ريتز كارلتون” بدعاوى الفساد والتربح ظاهرياً، في خطوة نظر إليها من الناحية الفعلية باعتبارها عملية إخضاع لأولئك الأمراء للقبول بأمر واقع جديد، مفاده سيطرة الأمير الشاب على مقاليد الحكم.

بالأمس، أتت واقعة إلقاء القبض على كل محمد بن نايف وشقيق الملك أحمد بن عبد العزيز (78عاماً) والأمير نواف بن نايف لتسلط الضوء مجدداً على مسلسل الصراع على عرش المملكة، الذي أطلق الملك سلمان بن عبد العزيز (84عاماً) أول فصوله منذ سنوات، بإقراره للتغيرات التي هندسها نجله، والتي من شأنها أن تنهي معضلة تمرير الحكم للجيل الثاني من آل سعود من دون صراعات مستقبلية.

لا يتوقف التصعيد الأخير عند الأسماء الكبيرة التي طالتها قبضة بن سلمان، فاقدام حرسه الخاص، المعروف باسم “كتيبة السيف الأجرب”، على اعتقال شقيق الملك، وهو آخر السديريين، بالإضافة إلى ولي العهد السابق وشقيقه وربما آخرين لم يعلن عنهم حتى كتابة هذه السطور، سابقة غير معهودة في العائلة المالكة السعودية، خاصة وأنها تتم في وقت قد استقرت الأمور فيه بشكل مريح لبن سلمان قبل ما يربو عن العامين، حين أعاد تشكيل هيكل السلطة الاقتصادي والتنفيذي والسياسي والأمني والعسكري والقضائي والدبلوماسي ليكون مركزاً في شخصه، وليس على أرضية محاصصة عائلية في مختلف المناصب والقطاعات المهمة في السعودية، والتي كانت غالباً تقع في حوزة الجناح السديري.

وبالمقارنة مع حادثة “ريتز كارلتون” من حيث عدد الأمراء المعتقلين والأموال المصادرة منهم وطريقة معاملتهم المهينة آنذاك، قد تفوق حملة اعتقالات الأمس سابقتها، اخذاً في الحسبان فاعلية ونفوذ وتأثير أحمد بن عبد العزيز ومحمد بن نايف، وطبيعة التهم الموجهة إليهما، وهي الخيانة ومحاولة الانقلاب، وربطاً بمتغيرات أخرى في الداخل والخارج كالانتخابات الأميركية واكتتاب أرامكو وحرب اليمن، والأهم صحة الملك سلمان وقدرته على ممارسة مهامه من عدمه.

انطلاقاً مما سبق، يمكن اعتبار أن واقعة الأمس، ومع التكتم السعودي الرسمي عليها بعكس اعتقالات “ريتز كارلتون”، تمثل ذروة الصراع الداخلي في صفوف آل سعود على عرش المملكة.

وعلى الرغم من أن بن سلمان وبن نايف قد  تعاونا في السابق لاستعادة الحكم في الفرع السديري بعد سنوات حكم الملك السابق، عبد الله بن عبد العزيز، والإطاحة بجناح من امراء ومسؤولين على رأسهم متعب بن عبد الله ومقرن بن عبد العزيز وخالد التويجري، ممن أرادوا استمرار الحكم في فرع غير السديريين السبعة ونسلهم، عبر الاستحواذ على منصبي ولي العهد وولي ولي العهد عام 2015، إلا أنه سرعان ما تفكك هذا التوافق المرحلي عقب وصول الملك سلمان للحكم وبدء نجله محمد في إظهار نفسه بصورة الحاكم الفعلي، والتي كانت ذروتها الإطاحة ببن نايف من ولاية العهد في منتصف العام 2017، في خطوة مثلت نقطة تحول في استئثار سلمان ونسله على مقاليد الحكم خارج صيغة المحاصصة الأسرية معتادة، لا بل خارج المحاصصة في فرع السديريين الذين بات أهم رموزهم قيد الاعتقال بتهمة خطيرة مثل الخيانة.

إطالة أمد الصراع بعد حسمه ظاهرياً من جانب بن سلمان قبل ثلاث سنوات، يمكن رده الى سلسة من الأحداث والفضائح التي قوضت مساعي ولي العهد الحالي لاستعجال الوصول إلى العرش سواء بتنحي الملك او وفاته، فحادثة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي وغيرها قد فوتت فرصة استتباب الأمور له بشكل نهائي داخل الأسرة المالكة، وجعلت هناك بصيص أمل للمعارضين لنهج ولي العهد من أمراء آل سعود يتمثل في عمه أحمد بن عبد العزيز، الذي كان سبق أن عارض خلع محمد بن نايف وتعيين بن سلمان مكانه، وأظهر خلال الأعوام القليلة الماضية معارضة بشكل علني لسياسات ولي العهد الشاب لم تتوقف عند تصريحات علنية، ولكن عبر تنسيق إقليمي ودولي لا تقف حدوده عند واشنطن ولندن، حيث أقام أحمد بن العزيز هناك في السنوات الأخيرة، وذلك بعد حرمانه، بصفته آخر السديريين وآخر أبناء الملك المؤسس، من رئاسة “هيئة البيعة” التي بقيت دون رئيس منذ العام2017، والتي لها صلاحية واسعة في إقرار البيعة للملك وولي العهد حال وفاة أو تنحي الملك سلمان، وتصعيد نجله، الذي بدوره قد يعين أحد اشقائه في منصب ولي العهد دون اعتبار لأي من أمراء السديرية ونسلهم، وعلى رأسهم محمد بن نايف وأحمد بن عبد العزيز.

يتناقض ما حدث أمس مع صور ولقطات سابقة أظهرت بن سلمان وهو يقبل يد كل من أحمد بن عبد العزيز ومحمد بن نايف، لدواعي الإجلال والتوقير الظاهرييين. ولكن الملفت، مع احمد بن عبد العزيز بالذات، أن مبادرة بن سلمان تجاهه لم تتوقف عند الشكليات، بل سمح له بالعودة إلى المملكة قبل حوالي عامين، برغم رفعه صوت المعارضة ضد سياسات بن سلمان والتحفظ على بعضها، وتواصله مع الأمراء المعارضين لنهج ولي العهد، والداعمين لتولي الأمير أحمد الحكم لفترة انتقالية بعد الملك سلمان.

على هذا الاساس، يمكن النظر الى الاعتقالات الأخيرة بوصفها ضربة استباقية ضد اولئك الأمراء، المعروفين اعلامياً باسم “متحالفون”، باعتبارها مؤشراً على اعلانات دراماتيكية محتملة قد تخرج من الديوان الملكي، سواء لجهة الاعلان عن وفاة الملك، أو بالحد الأدنى تنحيه لدواعٍ صحية.

ولعل التكتم السعودي على ما جرى أمس يشي بأن ثمة ما يتعدى مسألة إخضاع الأمراء العائلة الكبار لمشيئة وقرارات بن سلمان كما جرى في الأعوام الثلاثة الأخيرة، أو مجرد تمهيد لتمرير تغيرات في الهيكلية السياسية والإدارية والقضائية والدبلوماسية والعسكرية في مختلف المؤسسات ودوائر الحكم، فتهمة مثل الخيانة لا تقترب منها ومن خطورتها ادعاءات الفساد والتربح والتي كانت عنوان حملة بن سلمان على عشرات من أبناء عمومته، وبالتالي فإن احتمالية فراغ العرش السعودي في الأيام القليلة المقبلة سواء بتنحي الملك سلمان أو وفاته وما يتبع ذلك من تصعيد نجله وولي عهده كملك، وتعيين أحد أشقائه في منصب ولي العهد، وإلزام مجلس البيعة وأمراء العائلة النافذين بتمرير ذلك قد استدعى ضربة استباقية لآخر معاقل المعارضة داخل البيت السعودي، سواء كعبرة ومثال لوأد أي اعتراض مستقبلي ضد بن سلمان، أو كتسوية نهائية أخيرة مع الولايات المتحدة لرفع غطاء حمايتها لكل من أحمد بن عبد العزيز ومحمد بن نايف اللذين يعتبران آخر أوراق الضغط التي تُصعب على بن سلمان الوصول للعرش.

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course