كورونا “غير قابل للإحتواء”.. لأجل غير مسمى!

Avatar18011/03/2020
نشرت "بوليتيكو"، وهي صحيفة أميركية سياسية يومية، مقالة هامة لمحرر الشؤون الطبية في مجلة "ذي أتلانتيك" جيمس هامبلن، يتناول فيها بطريقة علمية فيروس كورونا. ينشر موقع 180 هذه المقالة مترجمة من الإنكليزية إلى العربية.

“في أيار/مايو عام 1997، أُصيب طفل في الثالثة من عمره. بدا للوهلة الأولى أنها نزلة برد عادية. تفاقمت أعراض المرض على مدى ستّة أيام، متسببة بالتهاب حلق الطفل الذي انتابته الحمّى والسعال أيضًا. نُقل الطفل إلى مستشفى الملكة إليزابيث في هونغ كونغ. هناك ازداد سعاله، وصار يتنفس بصعوبة إلى أن توفي برغم العناية المشددة التي خضع لها.

أرسل الأطباء الذين وقعوا في حيرة من أمرهم إزاء موت الطفل، عيّنة من بلغم فمه إلى وزارة الصحة الصينية. لكن بروتوكول الفحص التقليدي لم ينجح بتحديد الفيروس الذي أدى إلى مرض الطفل وقرر كبير علماء الفيروسات في الوزارة، إرسال بعض العينات إلى زملائه في بلدان أخرى.

في المركز الأميركي لمكافحة الأمراض والوقاية منها في أتلانتا، بقيت عينة من بلغم الطفل المتوفى، تنتظر دورها للدخول في عملية بطيئة لتحليل مطابقة الأجسام المضادة، على مدى حوالي الشهر. وأكدت النتائج في نهاية المطاف، أن الفيروس عبارة عن نوع مختلف من الإنفلونزا التي قتلت أناسا على مرّ التاريخ أكثر من أي مرض آخر. لكن هذا النوع لم يُكتشف في البشر من ذي قبل، واسمه “إتش5 إن1″، المعروف باسم “أنفلونزا الطيور”، والذي اكتُشف قبل ذلك بعقدين، إلا أنه كان يُظن أن الطيور فقط تُصاب به.

مع إكتشاف نوع هذا الفيروس، حلّ شهر آب/أغسطس 1997، وأرسل العلماء إشارات تحذير إلى جميع أنحاء العالم، لتقوم الحكومة الصينية وبسرعة، بقتل 1.5 مليون دجاجة (برغم احتجاج مالكيها من المزارعين). تمت مراقبة المصابين الآخرين من البشر عن كثب، وعُزلوا. ومع نهاية العام 1997، حُددت 18 إصابة بين البشر، توفي ستة منهم.

كان احتواء المرض سبباً جزئياً لهذا النجاح في إحتواء المرض، إذ أن المرض كان شديد الخطورة. وبالفعل، تبلغ نسبة احتمال الوفاة الناجمة عن فيروس “إنفلونزا الطيور” نحو 60 في المئة من مجمل المصابين به. لكن الفيروس لم يقتل سوى 455 شخصا فقط منذ عام 2003. وذلك بعكس فيروسات الإنفلونزا التي تُعد “أكثر اعتدالا”، والتي تقتل أقل من 0.1 في المئة من الأشخاص الذين تلتصق بهم بالمعدل، ولكنها تتسبب بوفاة مئات الآلاف من البشر سنويا.

ويكمن السر في ذلك، بسهولة رصد الأشخاص المصابين بالأمراض شديدة الخطورة التي تسببها فيروسات مثل “إنفلونزا الطيور” وبالتالي عزلهم، أو موتهم السريع منه. إذ إن هؤلاء لا يمارسون حياتهم العادية ويشعرون بإعياء طفيف، الأمر الذي يساهم في ترسيخ الفيروس. ويمكن لفيروس كورونا المستجد، المعروف تقنيًا (SARS-CoV-2) أن يتسبب بمرض تنفسي خطير. ويبدو أنّ معدّل الوفيات من المرض يبلغ أقل من 2 في المئة، وهي نسبة أدنى بكثير من معظم حالات تفشي الفيروسات التي تصدّرت الأخبار العالمية.

عائلة كورونا

تتشابه الفيروسات التاجية (من عائلة كورونا)، بفيروسات الإنفلونزا. كلا النوعين يحتويان على فروع أحادية من الحمض النووي الريبوزي (“أر.أن.آيه”). وهناك أربعة فيروسات تاجية تصيب البشر عادة، وتتسبب لهم بنزلات برد، ويُعتقد أنها تطورت داخل أجساد البشر للانتشار بأوسع طريقة ممكنة، والتي تتمثل بإصابة الناس وإعيائهم، لكن من دون قتلهم.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الفيروسين التاجيّين اللذين تفشيا في السابق على نطاق عالمي واسع والمعروفين بفيروس كورونا المرتبط بمتلازمة تنفسية حادة “سارس” وفيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية “ميرس”، انتقلا من الحيوانات إلى الإنسان، مثل “إنفلونزا الطيور”. وكان هذان المرضان مميتين للغاية للبشر.. وفي نهاية المطاف، تسبب كل من “سارس” و”ميرس” بوفاة أقل من حوالي الألف شخص.

لكن كورونا المستجد المتفشي حاليا، حصد حياة أكثر من ضعف هذا العدد من الناس حتى الآن. إذ أن هذا الفيروس القوي الذي يتميز بمزيج من الخصائص، يُعد قاتلا، ولكنه ليس قاتلا جدا بخلاف الأفكار السائدة من حوله.

تم التعرف على الفيروس الجديد (كورونا) بسرعة شديدة، فقد رُتب شريطه الوراثي (الجينوم) على يد علماء صينيين نشروا النتائج للعالم في غضون أسابيع معدودة. وتبادل المجتمع العلمي العالمي البيانات الجينومية والسريرية بمعدلات غير مسبوقة. وبات العمل على اللقاح قيد التنفيذ. وسنت الحكومة الصينية تدابير احتواء متطرفة للمرض، وأعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ.. ومع ذلك، فإن تفشي المرض ما يزال مستمرا.

ويستصعب أستاذ علم الأوبئة في جامعة هارفارد، مارك ليبسيتش، صياغة توقعه للفيروس برغم اختصاصه في هذا المجال، فقد حاول مرتين أن يقول شيئا، ثم توقف لبرهة وقال: “في الواقع، دعني أبدأ من جديد”. لذلك، من المفزع أن إحدى النقاط التي أراد أن يصححها كانت بالضبط: “أعتقد أن النتيجة المحتملة هي أنه لن يكون قابلا للاحتواء في النهاية”.

إن احتواء الفيروس هو الطريقة الأولى لمعالجة تفشيه. أما في حالة كورونا المستجد، فإن احتمال منع انتشار الوباء يتلاشى يوما بعد يوم. فابتداء من كانون الثاني/ يناير 2020، بدأت الصين بتطويق مناطق أكبر تدريجيا، انطلاقا من مدينة ووهان التي تفشى فيها المرض أولا، باتجاه المناطق المحيطة بها، وفي النهاية، فرضت إغلاقا على نحو 100 مليون شخص، ومُنع الناس من مغادرة منازلهم، وبدأت السلطات توبيخهم باستخدام طائرات مسيّرة تجوب الشوارع، في حال خرجوا إليها. ومع ذلك، عُثر على الفيروس حتى الآن (تاريخ كتابة المقالة في شباط/فبراير الماضي)، في 24 دولة (صاروا 100 دولة حالياً).

وبرغم “الاحتواء المثالي”، ربما كان انتشار الفيروس لا مفر منه. إذ لا يُمكن اعتبار أن فحص المرضى الذين تبدو عليهم علامات الإعياء الشديد، إستراتيجية متكاملة، في الوقت الذي يُمكن فيه للفيروس أن ينتشر من خلال أشخاص لا يشعرون بأعراضه البتّة، أو على الأقل ليس بالقدر الكافي الذي يجبرهم على التزام منازلهم، وعدم الذهاب إلى أعمالهم.

قال علماء صينيون في تقرير نشروه في مجلة “غاما” الطبية إنهم وجدوا حالة واضحة لانتشار الفيروس من دون أعراض، وذلك بعد فحص مريض كان يجري تصويراً طبقياً محورياً “سي.تي” لصدره، ليكتشف الأطباء أنه مصاب بالفيروس صدفة

ويتنبأ ليبسيتش أنه حتى العام المقبل، سيصاب نحو 40 إلى 70 في المئة من الناس حول العالم، بفيروس كورونا المستجد. ولكنه شدد على أن هذا لا يعني أن جميع هؤلاء سيعانون من الإعياء الشديد. وقال إنّه “من المحتمل أن يعاني الكثيرون من مرض معتدل، أو قد لا يواجهون أعراضه”. أي كما هو الحال مع الإنفلونزا، التي غالبا ما تهدد حياة الأشخاص المصابين بأمراض صحية مزمنة وكبار السن، والتي تمر معظم حالاتها دون الحاجة إلى رعاية طبية.

وليس ليبسيتش وحده من يعتقد أن هذا الفيروس سيستمر بالانتشار على نطاق واسع. إذ ينمو إجماع بين علماء الأوبئة، بأن النتيجة الأكثر ترجيحا لهذا التفشي، هي انتشار مرض موسمي جديد، أي “المرض المتوطن” الخامس من عائلة فيروسات كورونا. ولم يُكتشف بعد، أن أجساد البشر نجحت بتطوير مناعة طويلة الأمد لأربعة أنواع من الفيروسات التاجية الأخرى التي انتشرت في السابق، وإذا ما لحق بها فيروس كورونا المستجد هذا، وإذا بقي المرض بالشّدة التي تميّزه الآن، فقد يتحول “موسم نزلات البرد والإنفلونزا”، إلى “موسم نزلات البرد والإنفلونزا وفيروس كورونا المستجد”.

وقال علماء صينيون في تقرير نشروه في مجلة “غاما” الطبية إنهم وجدوا حالة واضحة لانتشار الفيروس من دون أعراض، وذلك بعد فحص مريض كان يجري تصويراً طبقياً محورياً “سي.تي” لصدره، ليكتشف الأطباء أنه مصاب بالفيروس صدفة.

في البداية، لم ينصح الأطباء في الولايات المتحدة بفحص الناس إلا إذا كانوا قد ذهبوا إلى الصين أو كانوا على اتصال بشخص تم تشخيصه بالمرض. في الأسابيع الماضية، قال مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، إنه سيبدأ فحص الأشخاص في خمس مدن أميركية، وسط محاولة لتكوين فكرة عن عدد الحالات الموجودة بالفعل. لكن الفحوصات لا تزال غير متوفرة على نطاق واسع. واعتبارا من 21 شباط/ فبراير 2020، قالت جمعية “مختبرات الصحة العامة” الأميركية، إن كاليفورنيا ونيبراسكا وإلينوي، هي الولايات الوحيدة القادرة على فحص الأشخاص بحثًا عن الفيروس.

ومع شُح المعلومات حول عدد المصابين، يُصبح التشخيص صعبا، لكن القلق هو من أن هذا الفيروس قد يتجاوز الاحتواء، أي أنه سيبقى في العالم لأجل غير مسمى.

تحالف ضد الأوبئة

وخلال شهر شباط/ فبراير الماضي، ارتفعت أسعار أسهم شركة أدوية صغيرة تسمى “إنوفيو”، بأكثر من الضعف، بعد أن وردت أخبار أنها اكتشفت لقاحًا لفيروس كورونا المستجد. ما فعلته هذه الشركة (وغيرها أيضا)، هو نسخ جزء من الحمض النووي الريبوزي للفيروس الذي يمكن أن يثبت ذات يوم أنه يعمل لقاحا له، ومع أنها خطوة أولية واعدة، إلا أن وصفها بـ”الاكتشاف” يشبه الإعلان عن النية بإجراء عملية جراحية جديدة لمجرد شحذ المشرط بشكل جيّد (أي دون التعمّق في حالة المريض).

وفي حين أن تحديد تسلسل الحمض النووي الريبوزي منقوص الأوكسيجين، أصبح عملية سريعة للغاية اليوم، فإن ابتكار اللقاحات أمسى فناً وليس مجّرد علم. فهذا المسعى ينطوي على إيجاد تسلسل فيروسي يمكن الاعتماد عليه بأن يجلب ذاكرة وقائية للجهاز المناعي من الفيروس، دون أن يتسبب برد فعل التهابي حاد قد يصيب المريض بأعراض خاصة به. ومن أجل التوصل إلى هذه النتيجة المُثلى، يتحتم على العلماء إجراء الفحوصات، في البداية، على نماذج مختبرية، وعلى الحيوانات، ومن ثم البشر. وليس الأمر بهذه الدرجة من البساطة التي لا تتطلب من أي جهة معنية سوى شحن مليار قطعة من أجزاء الجينات الفيروسية حول العالم، لحقنها في أجساد البشر عند لحظة اكتشافها.

وليست شركة التكنولوجيا الحيوية الصغيرة “إنوفيو”، الوحيدة في مجالها التي تغامر بابتكار تسلسل يحقق التوازن المذكور أعلاه، فهناك “مودرنا”، و”كيورفاك”، و”نوفافاكس” وغيرها من الشركات التي تسعى لإيجاد لقاح لكورونا المستجد. ويسعى باحثون أكاديميون في جامعة “إمبريال كوليدج” في لندن وجامعات أخرى أيضا إلى إيجاد حلول، وكذلك علماء حكومات دول عديدة، بما في ذلك في معاهد الصحة الوطنية بالولايات المتحدة.

وكتب رئيس المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في المعهد الوطني للصحة، أنثوني فوشي، في دورية “غاما” العلمية، في كانون الثاني/ يناير الماضي، أن الوكالة تعمل بسرعة تاريخية للعثور على لقاح. وخلال تفشي فيروس “سارس” عام 2003، انتقل الباحثون من الحصول على التسلسل الجيني للفيروس، إلى المرحلة الأولى من التجارب السريرية للّقاح، في غضون 20 شهرا. وكتب فوشي أن فريقه قام منذ ذلك الوقت بضغط هذا الجدول الزمني على ما يزيد قليلا عن ثلاثة أشهر بحثا عن لقاحات لفيروسات أخرى، وأما بالنسبة لفيروس كورونا المستجد، فإنهم “يأملون في التحرك بسرعة أكبر”.

ونمت نماذج جديدة تعد بتسريع تطوير اللقاحات في الأعوام الأخيرة. وأحدها، هو التحالف من أجل التأهب للأوبئة (“سي. إي. بي. آي”)، الذي أُطلق للمرة الأولى عام 2017، في النروج، بهدف تمويل وتنسيق وتطوير لقاحات جديدة. وتشتمل قائمة مؤسسيها على كل من حكومات النروج والهند، وصندوق “ويلكم” ومؤسسة “بيل وميلندا غيتس”.

إذا تمت كافة الاستعدادات على أكمل وجه، فإن هاتشيت يتوقع أن يستغرق الأمر (لقاح كورونا) ما بين 12 إلى 18 شهرًا قبل اعتبار المنتج الأولي آمنا للاستخدام وفعالا

ويشارك الرئيس التنفيذي للمجموعة ـ التحالف ريتشارد هاتشيت، رؤية فوشي الأساسية، وهي ابتكار لقاح لكورونا المستجد، بحيث يكون جاهزا للمراحل المبكرة من اختبارات السلامة في نيسان/ أبريل المقبل. وإذا ما سارت الأمور على ما يرام، فقد تبدأ الاختبارات في أواخر الصيف لمعرفة ما إذا كان اللقاح قادرا على منع المرض بفاعلية.

وبشكل عام، إذا تمت كافة الاستعدادات على أكمل وجه، فإن هاتشيت يتوقع أن يستغرق الأمر (لقاح كورونا) ما بين 12 إلى 18 شهرًا قبل اعتبار المنتج الأولي آمنا للاستخدام وفعالا.

وحتى لو تحقق التخطيط الذي سيستغرق ما لا يقل عن عام، بشكل مثالي، سيظل المنتج الجديد يتطلب التصنيع والتوزيع. وقال هاتشيت إنّ “أحد الاعتبارات المهمة هو ما إذا كان بالإمكان التوسع في النهج الأساسي لإنتاج ملايين أو حتى مليارات الجرعات في الأعوام المقبلة”. لكن في حالة الطوارئ المستمرة، وإذا تفاقم إغلاق الحدود وانقطاع سلاسل الإمداد، فقد يكون التوزيع والإنتاج صعبا من الناحية اللوجستية المحضة، ناهيك عن النواحي الأخرى المتعلقة بانتشار الفيروس وجدوى اللقاح.

وبدأ يتضاءل تفاؤل فوشي الأولي أيضا؛ فقد قال مؤخرا إن عملية تطوير اللقاحات أثبتت أنها “في غاية الصعوبة ومُحبطة جدا”. فمقارنة مع جميع أوجه التقدم في العلوم الأساسية، لا يمكن أن تتقدم عملية تطوير لقاح فعلي دون إجراء اختبارات سريرية مكثفة، الأمر الذي يتطلب تصنيع العديد من اللقاحات ومراقبة نتائجه بدقة على المصابين. وقد تكلّف العملية في نهاية الأمر مئات الملايين من الدولارات، وهي أموال لا تملكها المعاهد الوطنية للصحة والشركات الناشئة والجامعات، والتي لا تملك أيضا، مرافق الإنتاج والتكنولوجيا لتصنيع اللقاح وتوزيعه على نطاق واسع.

ولطالما كان إنتاج اللقاحات مرهونًا بالاستثمار من بضعة شركات أدوية عالمية عملاقة. وعبّر فوشي عن آسفه في معهد “آسبن” الأسبوع الماضي، من عدم “تقدم” أي جهة للالتزام بصناعة اللقاح. وقال “إن الشركات التي تملك المهارات اللازمة التي تمكنها من ذلك (صناعة اللقاح)، لن تنتظر وهي مستعدة للعمل عند حاجتنا إليها”. وحتى لو فعلت ذلك، فإن الحصول على منتج جديد مثل هذا قد يعني خسائر فادحة بالنسبة لها، خاصة إذا تلاشى الطلب أو إذا اختار الناس، لأسباب معقدة، عدم استخدام المنتج.

يتطلب صنع اللقاحات سيرورة صعبة للغاية، وشديدة التكلفة، ذات مخاطر اقتصادية مرتفعة جدا، إلى حد أنه في ثمانينيات القرن الماضي، وعندما بدأت شركات الأدوية في تحمل تكاليف قانونية على الأضرار المزعومة التي سببتها اللقاحات للمرضى، اختارت شركات كثيرة التوقف عن صناعتها ببساطة. ولتحفيز صناعة الأدوية على الاستمرار في إنتاج هذه المنتجات الحيوية، عرضت الحكومة الأميركية تعويض أي شخص يدعي أنه أصيب بأحد اللقاحات، ويستمر ذلك حتى يومنا هذا.

ومع ذلك، فقد وجدت شركات الأدوية عمومًا أنه من المربح الاستثمار في الأدوية التي تستخدم يوميا لعلاج أو منع تطور الحالات المزمنة. ويمكن أن يشكل فيروس كورونا تحديا خاصا لهذه الشركات، لأنه في جوهره، شأنه شأن فيروسات الإنفلونزا، تحتوي على سلاسل أحادية من الحمض النووي الريبوزي. ومن المحتمل حدوث طفرة في هذه الفئة الفيروسية، ما يعني أن اللقاحات تحتاج إلى تطوير مستمر (ومكلف)، كما هو الحال مع الإنفلونزا.

وقال الأستاذ المساعد في كلية ييل للصحة العامة الذي يدرّس سياسات اللقاحات، جاسون شوارتز أنّه “إذا وضعنا كل آمالنا في اللقاح كاستجابة للفيروس، فنحن في ورطة”. وبالنسبة له، فإن أفضل سيناريو متوقع، هو تطوير هذا اللقاح بعد فوات الأوان، أي أنه لن يتمكن من التأثير على التفشي الحالي. وتكمن المشكلة الحقيقية بأن الاستعدادات لهذا التفشي كان يجب أن تحدث خلال العقد الماضي، منذ انتشار “سارس”. وقال: “لو لم نوقف برنامج بحوث لقاح سارس، لكنا قد امتلكنا الكثير من هذا العمل التأسيسي الذي كان بإمكاننا تطبيقه على هذا الفيروس الجديد ذي الصلة الوثيقة به”. ولكن، وكما هو الحال مع فيروس إيبولا، تبخر التمويل الحكومي وتطوير صناعة الأدوية بمجرد انتهاء حالة الطوارئ التي كان يشعرها العالم تجاهه. وأضاف شوارتز متطرقا إلى إيبولا: “انتهى الأمر ببعض الأبحاث المبكرة إلى الجلوس على الرفوف لأن التفشي انتهى قبل تطوير لقاح”.

وخلال تفشي أنفلونزا “إتش1 إن1” عام 2009، على سبيل المثال، تعرضت المكسيك لضربة وبائية شديدة، لكن أستراليا، التي لم تتأثر به بهذا القدر، منعت صادرات صناعة الأدوية حتى استيفاء طلب الحكومة الأسترالية من اللقاحات. وكلما دخل العالم في وضع الانغلاق والحفاظ الذاتي، أصبح من الصعب تقييم المخاطر بشكل رصين وتوزيع الأدوات بفعالية، من اللقاحات وأقنعة التنفس إلى الغذاء والصابون اليدوي.

قد تكون بعض تدابير الاحتواء مناسبة، لكن حظر السفر على نطاق واسع وإغلاق المدن وتخزين الموارد ليست حلولًا واقعية لمنع تفشي المرض الذي سيستمر لأعوام، ناهيك عن أن جميع هذه التدابير تأتي مع مخاطر خاصة بها. ففي النهاية، ستتطلب بعض الاستجابات الوبائية فتح الحدود، وليس إغلاقها. وفي مرحلة ما، يجب التخلي عن توقع أن تتفادى أي منطقة آثار كورونا المستجد: يجب أن يُنظر إلى المرض على أنه مشكلة الجميع”.

Avatar

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download