جونسون “يدير” كورونا بمقود.. إلى اليمين!

 بخطى متعثرة، تتجه بريطانيا العظمى، على ما يبدو، إلى إعتماد إستراتيجية مناقضة لما سلكه العالم حتى الآن في مواجهة فيروس (كوفيد 19) أو كورونا الجديد، بدءاً من تجربة الصين، مهد الفيروس التي تتجه لتصبح نموذجاً في مكافحته، وصولاً الى أوروبا التي تتخبط فيه مع تحولها الى البؤرة الرئيسية للوباء. هي إستراتيجية قائمة على التعرض للفيروس لا الإختباء منه، في ما يعرف علمياً بـ"مناعة القطيع". فهل هي فرادة الإنكليزي الذي يقود سيارته بمقود إلى اليمين، خلافاً للبشرية جمعاء؟ أم هي دعسة ناقصة.. دوافعها إقتصادية؟

كان للجملة – القنبلة التي أطلقها، قبل يومين، رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بأن “الكثير من العائلات ستفقد أحباءها”، وقع الصدمة على الجمهور البريطاني. أثارت العبارة الرعب وما يشبه الزوبعة من النقاش لدى الرأي العام البريطاني الذي تتنازعه حالياً وجهتان حول سبل مواجهة الفيروس، الذي أعلنت منظمة الصحة العالمية تحوله الى وباء عالمي.

في أدائها، تتتعامى الحكومة البريطانية عن التجربة الصينية، عن عمد ربما، ولأسباب يرى البعض أنها إقتصادية، لكنها تضع نصب عينيها التجربة الإيطالية، بما تحمله من إخفاقات حتى الآن، في مواجهة الوباء لإقناع البريطانيين بخطتها. خطة كانت حتى الأمس تتجاهل الغاء الفعاليات الجماهيرية، وإغلاق المدارس والجامعات، وتستند، كما يقول المسؤولون، إلى المشورة العلمية القائمة على ضرورة تفادي خطر إرهاق الجمهور بإجراءات مبكرة ولفترة طويلة. يوم الخميس الماضي، قلل جونسون من أهمية حظر التجمعات الشعبية، متسلحاً بالنصيحة العملية إياها قائلاً إن حظرها “لن يكون له تأثيرا يذكر على إنتشار المرض”.

حصل ذلك قبل أن يطرأ تعديل هام على مسار الخطة، خصوصاً بعد تعرضها لإنتقادات داخلية، وتحذيرات أطلقتها منظمة الصحة العالمية. وتتضمن الرؤية الطبية أربع مراحل: إحتواء المرض؛ التأخير (وهي الفترة التي تعيشها البلاد حالياً)؛ الذروة؛ والمتابعة.

عملياً، ما تسعى اليه السلطات الرسمية هو تسطيح ( flattening) مرحلة الذروة (المرحلة الرابعة)، أي جعلها أقل حدة، ليس من خلال سياسة الحجر والعزل المعتمدة في معظم دول العالم، ومنها لبنان حالياً، بل من خلال المواجهة، أي جعل الغالبية العظمى من المواطنين يتعرضون بشكل طبيعي للفيروس، من أجل بناء مناعة طبيعية لديهم.

لعل الهدف الأساس من هذه الرؤية، وفق واضعيها من كبار المسؤولين الصحيين، هو اليقين بأن نحو 60 بالمئة من السكان سيصابون بالمرض، وإذا حصل ذلك في وقت الذروة المتوقعة بعد أربعة أسابيع، سيسجل عدد كبير من الوفيات، وسينهار النظام الصحي، على غرار ما حصل في إيطاليا. أما إذا طبقت السياسة المقترحة حالياً، فإن المرضى سيعالجون أنفسهم في منازلهم، وفق إرشادات بدأت السلطات المعنية بتوجيهها عبر الإنترنت. وتتضمن دعوتهم الى عزل انفسهم في منازلهم لمدة 7 ايام، اذا شعروا بأعراض الفيروس (ارتفاع الحرارة والسعال)، ومعالجة انفسهم، وعدم طلب مساعدة الخدمات الصحية وان عبر الهاتف قبل انقضاء الاسبوع، الا اذا شهدت حالتهم تدهورا ملحوظا. اما من يطلب استشارة الطبيب او ينقل الى المستشفى، فهم فقط كبار السن ومن يعانون من امراض مزمنة وتنفسية حادة. والهدف في النهاية هو تخفيف الضغط على الخدمات الصحية الوطنية من جهة وحماية المسنين والضعفاء من جهة أخرى.

دافع السير باتريك فالانس، كبير المستشارين العلميين فى بريطانيا عن نهج مواجهة الفيروس هذا بقوله إنه يمكن أن يفيد فى خلق “مناعة القطيع” لدى السكان

وقد دافع السير باتريك فالانس، كبير المستشارين العلميين فى بريطانيا عن نهج مواجهة الفيروس هذا بقوله إنه يمكن أن يفيد فى خلق “مناعة القطيع” لدى السكان. أضاف “هدفنا هو محاولة توسيع الذروة لا قمعها تماماً. الغالبية العظمى من الناس ستصاب بمرض خفيف، وستبني نوعاً من المناعة. بمرور الوقت يصبح الناس محصنون ضد المرض ونحد من إنتقال العدوى، وفي الوقت نفسه نحمي أولئك الأكثر عرضة لذلك، لكن ليس بالسرعة التي تطغى بها على الخدمات الصحية الوطنية. بعدها من المحتمل جداً أن يصبح الفيروس سنوياً، وعدواً موسمياً”.

لم تسلم هذه المقترحات من الإنتقادات. منها ما صدر عن شخصيات داخل حزب المحافظين الحاكم. فوزير الصحة السابق جيريمي هانت أبدى قلقه إزاء تأجيل إتخاذ تدابير أكثر صرامة، مثل إغلاق المدارس. وقال هانت انه يشعر بالقلق لأن الحكومة لم تذهب بعيداً بما فيه الكفاية، “فهي تسمح للمدارس بالبقاء مفتوحة والتجمعات الكبيرة تستمر بشكل طبيعي. رد المملكة المتحدة جعلها “شاذة” بالمقارنة مع الدول الاخرى التي إتخذت إجراءات أكثر قوة”، يقول هانت.

بدوره، دقّ رئيس الوزراء العمالي السابق غوردون براون ناقوس الخطر بسبب غياب الإستجابة الدولية المنسقة، لمواجهة الوباء، ملقياً باللائمة على إنتشار “القومية الشعبوية” التي تقسم عالمنا. ففي مقال نشره في صحيفة “الغارديان” قال براون: “إذا كان مشروع مانهاتن الذي أدى إلى إنشاء القنبلة النووية قد إستطاع أن يجمع الناس معا في الأربعينيات من القرن العشرين لصنع أكثر الأسلحة فتكا في تاريخ البشرية، بالتأكيد يمكننا أن نجتمع معا في القرن الحادي والعشرين لإنقاذ الأرواح وسبل عيش الملايين”.

ولعل أكثر ما إستفز الجمهور البريطاني هو عدم إقفال المدارس. تصريح وزير التعليم غافن ويليامسون بأن “لا حاجة على الإطلاق لإغلاق المدارس أو إرسال الموظفين الى المنازل في الغالبية العظمى من الحالات”، لم يرق لكثيرين. لقد إستند الوزير البريطاني الى رأي كبير الأطباء القائل إن تأثير إغلاق المدارس على تعليم الأطفال سيكون كبيراً، لكن الفائدة على الصحة العامة لن تكون كبيرة.

قال البروفسور جون أشتون “إنني أشد شعري بالفعل بسبب هذا الوضع. أنا محبط للغاية. موقفنا متهاون ومتخشب ونظري، وقد أهدرنا شهراً كان يجب أن ننخرط فيه مع عامة الناس”

لكن منظمة الصحة العالمية إنضمت إلى الداعين لمواجهة مختلفة للوباء. شددت على الحاجة إلى إتخاذ مجموعة من الاجراءات لمعالجة الفيروس الذى يعتقد أنه أصاب ما يصل الى 10 الاف شخص فى بريطانيا، معظمهم لا يعلمون بذلك، لأن العوارض لا تظهر عليهم، وفق ما ذكرت صحيفة “الغارديان”. وقال المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إنه ينبغي اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة: “ليس الاختبار وحده. ليس الاتصال وحده. ليس الحجر الصحي وحده. ليس الابتعاد الاجتماعي وحده. إفعل كل شيء”.

بدوره، قال المدير الاقليمي السابق لـ”الصحة العامة في بريطانيا” البروفسور جون أشتون، للقناة الثانية في “هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي) إنه كان ينبغي على الحكومة البدء في تطبيق الإجراءات قبل شهر، مبدياً تخوفه من أن ترزح المستشفيات تحت ضغوط مهمات لا تقوى على النهوض بها. وقال “إنني أشد شعري بالفعل بسبب هذا الوضع. أنا محبط للغاية. موقفنا متهاون ومتخشب ونظري، وقد أهدرنا شهراً كان يجب أن ننخرط فيه مع عامة الناس”.

هذه التحفظات وغيرها، فضلاً عن مبادرة شركات ومؤسسات وجامعات ودور رعاية مسنين وأندية رياضية إلى تعليق أعمالها وفعالياتها بمبادرات فردية، دفعت حكومة بوريس جونسون إلى التراجع خطوات إلى الوراء، وإن كان التراجع قد أتى تحت عنوان “تخفيف الضغط على الشرطة وخدمة الإسعاف”. فقد خرجت الصحف البريطانية، اليوم (السبت) بأنباء عن توجه الحكومة لحظر التجمعات الجماهيرية في جميع أنحاء البلاد إعتباراً من نهاية الأسبوع المقبل. يشمل ذلك المناسبات العامة الكبيرة، والمباريات الرياضية والحفلات الموسيقية.

لم تقف مبادرة الحكومة عند هذا الحد. إذ طرحت تشريعات طوارئ من المقرر أن تصدرها الأسبوع المقبل تنص على صرف تعويضات للمنظمات التي أُجبرت على إلغاء الأحداث، وربما سلطة إحتجاز المصابين مؤقتاً إذا لزم الأمر. كما تقرر تأجيل الإنتخابات المحلية والبلدية التي كان مقرراً إجراؤها في أيار/مايو المقبل لمدة عام.

وفي خطوة يعتقد أنها غير مسبوقة، أعلن قصر باكنغهام أن الملكة اليزابيث الثانية ستلغي الارتباطات العامة الأسبوع المقبل “كإجراء وقائي”.

متاجر شركة آبل التي غادرت الصين في شباط/ فبراير الماضي مع إنتشار الوباء، ثم أعادت فتح متاجر التجزئة هناك (أمس الجمعة)، أعلنت اليوم (السبت) إقفال متاجرها في كل أنحاء العالم.. ما عدا الصين

ماذا يبقى إذا من خطة “مناعة القطيع”؟

حتى الآن تبدو الإجراءات البريطانية متأرجحة. فلا الخطة كما طرحت في الأساس بقيت على حالها، ولا حالة الطوارىء أعلنت في البلاد على غرار ما جرى في دول أوروبية أخرى (إيطاليا نموذجاً). لم يُطلب من المواطنين التزام منازلهم. وما طرح من إجراءات سيبدأ تطبيقه أواخر الأسبوع المقبل، عندها ستكون أرقام المصابين قد إرتفعت حكماً (حتى يوم أمس الجمعة، إرتفع عدد الحالات المشخصة إلى 798 حالة، علماً بأن السلطات تعتقد أن الرقم الحقيقى هو 5 آلاف إلى 10 آلاف).

هذا التذبذب أصاب حليف بوريس جونسون، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن بعد طول تردد حالة الطوارئ الوطنية. وبعد أن كان قد إسثنى بريطانيا من قرار حظر السفر الأوروبي الى الولايات المتحدة،عاد وأعلن أن القرار يمكن أن يشملها. وقال ترامب: “لقد إرتفعت أعداد المصابين بشكل حاد في بريطانيا خلال الساعات الـ 24 الماضية، لذا قد نضيفهم إلى الحظر”…

وفيما تتلمس بريطانيا خطواتها نحو محاربة الوباء، وتتخبط سائر دول العالم على هذا الدرب وإن بتفاوت، تبرز تجربة الصين كنموذج ناجح لإحتواء الفيروس حتى الآن. مقاطعة هوباي ومن ضمنها مدينة ووهان بؤرة المرض، بدأت بخلع أقنعة الحجر الصحي، وتلمس أشعة الشمس، بعد عزل عن بقية البلاد والعالم إستمر منذ أواخر كانون الثاني/يناير الماضي. فالرئيس الصيني زار ووهان قبل 3 أيام، وتجول في شوارعها. كان ذلك إشعاراً بأن الإجراءات تؤتي ثمارها. عدد الإصابات والوفيات في إنخفاض مستمر. والفرق الطبية التي كرست جهودها لمعالجة آلاف المرضى في البلاد منذ كانون الاول/ ديسمبر الماضي، باتت قادرة على توجيه جهودها الى الخارج. فريق طبي يحمل خبرة المعاناة وصل الى إيطاليا، البلد الأكثر تضرراً حالياً، من أجل مساعدتها. أرسل الصينيون معدات إلى معظم الدول للمساعدة في الإحتواء.

إشارة أخرى تحمل دلالة فائقة الأهمية. متاجر شركة آبل التي غادرت الصين في شباط/ فبراير الماضي مع إنتشار الوباء، ثم أعادت فتح متاجر التجزئة هناك (أمس الجمعة)، أعلنت اليوم (السبت) إقفال متاجرها في كل أنحاء العالم.. ما عدا الصين. (المصادر: بي بي سي، الغارديان، إندبندنت).

جمانة بعلبكي

صحافية لبنانية

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course