كمال جنبلاط: الدور، “العشيرة” والزعامة

الأحداث الكبرى غالباً ما تعدّل في مسارات التاريخ. تقلب وقائع مُؤسِسَة لتنهض أخرى. تفتتح سياقات جديدة غير مرئية الأفق. من هذا القبيل، كان اغتيال كمال جنبلاط في 16 آذار/ مارس 1977. آنذاك، دشنت هذه المقتلة مرحلة جديدة من مراحل الصراع في لبنان.. وعليه. الاغتيال أسس لكراهيات إضافية في بلد علة وجوده تكمن في جمع متنافرات روحية واجتماعية. وهي علة ستبقى، وعلى الدوام، تطرح السؤال تلو الآخر عن حظوظ لبنان في إرتياد آفاق مستقبلية.

أفضى إغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط الذي رأس حركة وطنية يسارية الهوية تشكلت من غالبية مُسلمة متهمة بـ”يسارية دولية”، إلى حروب كثيرة ومتطاولة مع جبهة يمينية الوجهة والتوجه، تغلب على لبنانيتها هوية مسيحية عُرفت إصطلاحاً بـ”المارونية السياسية”.

سِيقت روايات كثيرة عن هذا الاغتيال. وسُربت وثائق أكثر كان يتم نسبها إلى أجهزة إستخبارات خارجية. لكن ما جمع بين الإثنين (الروايات والمحاضر) أن هذا الاغتيال كانت متعلقاته خارجية. وأنه كان أكبر من قدرات الداخل. ويكاد يكون قتل كمال جنبلاط الوحيد والنادر الذي كان خارجياً مئة بالمئة ولم يرد فيه أن لبنانياً إضطلع به. وستتضح أهوال هذا القتل في السنين اللاحقة التي جعلت من لبنان “بلد القتل المُجاز”. ذلك أن اللبنانيين، وعشية تسوية دولية عُرفت بـ”اتفاق الطائف” مطلع تسعينيات القرن الماضي، أُجبِروا على مقايضة سلمهم الأهلي البارد حد التجمد بقانون عفو برّأ أمراء الحرب وتناسى المقتولين والمخطوفين والمفقودين إبان الحرب (1975 ـ 1990).

لقد كشف قتل كمال جنبلاط، نسبياً، التصدعات الهائلة في الاجتماع الأهلي اللبناني. وكذلك كشف حجم التكسر المجتمعي في النسيج الوطني. وأن ما كان حينها لم يكن، بحال من الأحوال، صراعاً بين يمين ويسار. بل كان حرباً بين ديالكتيك الغبن الإسلامي وبين هواجس الخوف المسيحي العميق من بحر الديموغرافيا المحيطة. حينها، راح كل مكون من مكونات البلد ـ وهي كثيرة وعديدة الأهواء ـ يستدعي خارجاً ما يستقوي به على داخل آخر هو أيضاً لم يعدم وسيلة للارتهان لخارج نقيض. والدلالات الأوضح لهذا الاغتيال ولمآلاته، كانت في تموضعات سياسية وعسكرية قادها نجله الوريث وليد لحماية “بني معروف”. فكان أن تحول الحزب التقدمي الاشتراكي ـ الذي كان يرأسه الأب، فالابن، ثم الحفيد تيمورـ من حزب وطني مُلتبس في طائفيته، إلى حزب طائفي مُلتبس في وطنيته، بسبب درزية غالبة، في التكوين والتوجهات.. والأهداف.

جاء الاغتيال في خضم حرب تداخل فيها الأهلي، طائفياً ومذهبياً، مع الإقليمي والدولي، وإن كان المتهم الأول، وعلى الدوام، لكن من دون محاكمة، هو النظام السوري. هذا التداخل، بمعناه الجنائي المجرد، عقّد خيوط الجريمة. لكن في أصله السياسي، عكس تشابكاً للأطراف السياسية المتهمة باختصام كمال جنبلاط. وهذا ما فسر الثأر الدرزي الأولي من مسيحيي جبل لبنان اثر شيوع نبأ الاغتيال. وهو نفسه ما برر موقف وليد جنبلاط من الرئيس بشار الأسد لاحقاً. فكان أن قرر ولي الدم الجلوس على ضفة النهر منتظراً “جثة القاتل”، أي النظام السوري، فقعد متوقعاً ومتأملاً أن تؤدي الحرب السورية إلى ما عجز عنه هو، ولكن..

ما كان للزعامة ان ينعقد لواءها لكمال جنبلاط لولا أنه كاسَرَ المير مجيد ارسلان بـ”التقدمية” مقابل “التقوقع” الذي ارتضى الأخير أن تكون حدوده.. فقط حدود دارة خلدة

ركوب مغامرة الحرب الأهلية

لا يمنع تمني العمر المديد لجنبلاط الإبن وجنبلاط الحفيد، من قراءة الدور الذي نهض به الجد في الاجتماع الدرزي الخاص. ولكن أيضاً وأساساً في الاجتماع اللبناني العام. فقد حاول كمال جنبلاط عبر تشكيل جبهة سياسية عريضة ضمت متناقضات فكرية وسياسية من “اشتراكية” و”شيوعية” و”قومية” و”ناصرية” قيادة اصلاح ديموقراطي من داخل النظام السياسي في الجمهورية الأولى. لكنه جوبه بجبهة “مارونية سياسية” شرسة هي في حاصلها تمثيل ليمين واقطاع من كل الطوائف.

لقد كثّف كمال جنبلاط خطابه السياسي لبنانياً وعربياً وأممياً. وسكت عن جعل لبنان ساحةً وحيدةً للصراع العربي ـ الاسرائيلي، بينما كانت الأنظمة العربية الجمهورية والملكية والأميرية تؤبد ذاتها بعيداً عن الحق الفلسطيني وأثقاله. هكذا تحمل وحمَل البلد متعلقات القضية الفلسطينية وثورتها المسلحة وقيادتها و”قرارها الوطني المستقل”، الأمر الذي كان فوق قدرة لبنان ومقدراته. فكان ان استسهل كمال جنبلاط ركوب مغامرة الحرب التي إفتتحها النظام اللبناني، آنذاك، دفاعاً عن مكتسباته.

أولى خصومات كمال جنبلاط كانت مع المارونية السياسية المُتهمة آنذاك بالهيمنة على مفاصل الدولة ومقدراتها. أما الثانية، فكانت مع النظام السوري. كان يرى “مؤامرة حقيقية، سورية إسرائيلية أميركية ضد لبنان وضد الثورة العربية الفلسطينية”. في المُقابل، قال الرئيس السوري حافظ الأسد في خطاب عنيف إن “جنبلاط يرفع شعارات العدالة والتقدمية زورا، لأنه في حقيقة الأمر هدفه الانتقام من المسيحيين”. ومن قبل ومن بعد، كان خصماً دائماً في وجه إسرائيل وقيامها دولةً على أنقاض فلسطين ما جعله هدفاً دائماً لها، على ما يؤكد عارفوه.

“سر يا تيمور رافع الرأس”

سردية انعقاد زعامة “الموحدين” لكمال جنبلاط بالغة التعقيد على المستويين اللبناني والعالمي إذا صح التعبير. أبلغ تعبيرات هذا التعقيد جاءت في كلام وليد جنبلاط. ففي ذكرى اغتيال الجد، أوصى الوارث الوريث ابنه تيمور بعدما وضع “كوفية الزعامة” على كتفيه بالآتي: “منذ أربعين عاماً وقع الشرخ الكبير، وقعت الجريمة الكبرى بحق الشراكة والوحدة الوطنية. فكان قدري أن أحمل على كتفي عباءة ملطخة بالدم، دم المعلم كمال جنبلاط. سرْ يا تيمور رافع الرأس، واحمل تراث جدك الكبير كمال جنبلاط، وأشهر عاليا كوفية فلسطين العربية المحتلة، كوفية لبنان التقدمية، كوفية الأحرار والثوار، كوفية المقاومين لإسرائيل أيا كانوا، كوفية المصالحة والحوار، كوفية التواضع والكرم، كوفية دار المختارة”.

هذا الخطاب ـ وعلى وجه الدقة ـ يعكس التعارض الدائم في لبنان عموماً، وعند سائر الطوائف خصوصاً، بين الحداثة والارتكاس إلى الإرث القبلي، ما يرذل كل اعتبار ثقافي تراكمه نخب هذا البلد. وعند الموحدين الدروز غالباً ما يتجلى هذا الواقع بوضوح شديد. ذلك انه ما كان للزعامة ان ينعقد لواءها لكمال جنبلاط لولا أنه كاسَرَ المير مجيد ارسلان بـ”التقدمية” مقابل “التقوقع” الذي ارتضى الأخير أن تكون حدوده.. فقط حدود دارة خلدة.

حتماً، فان تاريخ الجنبلاطية ضارب في تاريخ جبل لبنان. لكن مقاربة راهنها مع كمال جنبلاط المسفوح دمه غدراً، لا يُقرأ إلا استرجاعياً، ومن تأسيسه الحزب التقدمي الاشتراكي ليستقطب نخباً من طوائف ومناطق عديدة مثل: ألبرت أديب، الشيخ عبد الله العلايلي، ادمون نعيم، فؤاد رزق، جورج حنا، رياض رعد، ومحسن دلول وغيرهم قبل أن يعود معظمهم الى معازلهم و”قضاياهم” بتأثير من مسار الحرب الأهلية. المسيرة الجنبلاطية تنزف دماً من بشير جنبلاط الى كمال وبينهما سعيد وفؤاد. وقد ظل هذا الهاجس ومعه القلق على قيادة “الموحدين” وحمايتهم يقض مضاجع وليد جنبلاط. وقد عبر الأخير بوضوح شديد عن هذا الأمر إذ خاطب نجله قائلاً “عند قدوم الساعة ادفنوا موتاكم وانهضوا، وسيروا قدماً، فالحياة انتصار للأقوياء في نفوسهم، لا للضعفاء”.

أحسن وليد جنبلاط إنقاذهم وإبعادهم عن “لعبة الأمم” برغم بعض إندفاعاته غير المحسوبة. لكن ما لا يمكن إغفاله انهم في حقيقة الأمر قوة ديموغرافية ذات تأثير استراتيجي يتضح بتوزعهم عند أربع دول متشاطئة: لبنان، سوريا، الأردن، وفلسطين المحتلة

إبعاد “الموحدين” عن “لعبة الأمم”

قيادة “الموحدين” لم تكن مهمة يسيرة لكمال جنبلاط وورثته. لقد كانت على الدوام محفوفة بأخطارٍ لا مغالاة في القول أنها كانت من طبيعة وجودية. ذلك أن النظر إلى “بني معروف” بوصفهم أقلية فيه استسهال مغامر. هذه الرؤية قد تمتلك شيئاً من الصحة لبعض الوقت. وقد تحُوز بعضاً من الصواب في العلاقة معهم على أساس الفصل الحاد بين أماكن انتشارهم وتوزعهم. لكن وقائع الحال غير ذلك تماماً. هم مفطورون على كونهم جماعة دينية أولاً عند اختبار المحن ومع اهتزاز الإقليم الذي يقع على خط زلازل الاقليات الدينية والاثنية في شرقٍ لا يني يتردى. وهذا الاعتبار (وحدة الجماعة) شكل على الدوام هدفاً للتصويب عليهم والتشكيك بما يُعلنون، خصوصاً متى اتصل الأمر بابناء الطائفة في فلسطين المحتلة، أو عندما كادوا ان ينزلقوا الى “غواية الأقليات”، فأحسن وليد جنبلاط إنقاذهم وإبعادهم عن “لعبة الأمم”، برغم بعض إندفاعاته غير المحسوبة، لكن ما لا يمكن إغفاله انهم في حقيقة الأمر قوة ديموغرافية ذات تأثير استراتيجي يتضح بتوزعهم عند أربع دول متشاطئة: لبنان، سوريا، الأردن، وفلسطين المحتلة.

لكن إذا صح أن الديني ـ الإيماني كان فيصلاً في السياسات والزعامة قبل الجد وصولاً الى الحفيد تيمور، فان ما فعله واستطاعه كمال جنبلاط شكل نوعاً من الاستعصاء الذهني، لا يُفسره إلا مكيافيلية شديدة الكلاسيكية. صحيح أن الرجل إنتصر بيسر شديد على غريمه مجيد ارسلان، لكن قبل ذلك، كان قد تحالفا بانفتاح، من مكانين مختلفين: جنبلاط، عبر “الكتلة الوطنية” الفرنسية الهوى. وارسلان، عبر “الكتلة الدستورية” الإنكليزية الميًل. لكن عندما شقّ كمال جنبلاط مسالك السياسة حاملاً لواء زعامة بني معروف من مدخل التقدمية واصلاح النظام السياسي في الجمهورية الأولى الموسومة بكونها “مارونية سياسية”، انما كان يستدعي حساسيةً عالية طبعت تاريخ جبل لبنان خصوصا في الاحتراب المتقطع بين الدروز والموارنة، وهو إحتراب حفر عميقاً، وما يزال، لا سيما عند بني معروف.

المكيافيلية الجنبلاطية

المكيافيلية المُفرطة التي تؤخذ على وليد جنبلاط، مارسها قبله، وبحذاقة أرفع، والده كمال جنبلاط. أو قُلْ أن سياق الأحداث التي شهدتها خمسينيات وستينيات القرن الماضي، غلّفت تنقلات الأب بـ”مبدئية” قضية فلسطين وعدالة المطالب الاجتماعية في مواجهة برجوازية لبنانية، تمنعت عن تقديم أية تنازلات بمواجهة سيل المطالب الشعبية. لكن هذا التغليف كان من النوع الشفاف الذي مكّن خصومه من سائر الطوائف  من اتهامه بالاستثمار في كل شيء من أجل طموحاته السياسية لاسقاط النظام الطائفي والوصول الى سدة الرئاسة الأولى مستقوياً بثلاث: المسلمون شيعةً وسنةً، منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الأساس، ما اعتُقِدَ أنه يسار علماني عنوانه الحركة الوطنية اللبنانية.

الاتهامات التي كيلت لكمال جنبلاط، على افتراض صوابها من عدمه، لا تلغي أن الرجل تميز حد أنه شكل استثناءً حقيقياً بين رجالات السياسة في لبنان. لقد اشتق مساره السياسي بعيداً من التصنم الفكري والسياسي، فكان الاقتصاد بدلاً من الأيديولوجيا. الثقافة بدلاً من النصوص الجاهزة (ماركسية وإشتراكية إلخ..)، وأيضاً كان على الضد من مباهاة البرجوازية اللبنانية بـ”النظام الاقتصادي الحر” الذي تبدت فظائعه في انهيار النموذج السياسي ـ الإقتصادي اللبناني.. راهناً.

وهو لئن لم يتقلد من المناصب المُقررة في النظام السياسي اللبناني إلا مقعداً نيابياً لدورات متعاقبة وعدة حقائب وزارية كان أهمها وزارة الداخلية، فقد كانت أدواره مبعث قلق لمن حالفوه، ولمن اختصمهم هو. حالف شمعون ضد بشارة الخوري. ثم انقلب على شمعون متحالفاً مع النهج الشهابي. كان كمال جنبلاط شريكاً لكميل شمعون في الجبهة الإشتراكية الوطنية عندما تنحّى الرئيس بشارة الخوري عام 1952. آنذاك، وبرغم تبني الجبهة الإشتراكية ترشيح كميل شمعون، فان كمال جنبلاط لم يكن يريد حليفه رئيساً للجمهورية كي لا يكون الرئيس في دير القمر على حدود المختارة.

آنذاك أيضاً، توسّط كمال لدى تقي الدين الصلح كي يذهب الى صديقه اللواء فؤاد شهاب، قائد الجيش في حينه، والذي كان رئيس حكومة انتقالية، حتى يقنعه بالترشح الى الرئاسة. لكن شهاب رفض وأراد أن ينأى بنفسه عن انتخابات رئاسة الجمهورية.

سعى كمال جنبلاط بثقله كي يأتي حميد فرنجية رئيساً. لكن لم تسمح الموازين بذلك (1952) بسبب التدخل السوري لأن مونة أديب الشيشكلي على النواب السنّة في بيروت وطرابلس والبقاع، رجّحت كفّة كميل شمعون على حميد فرنجية.

وما ان انتُخبَ شمعون حتى اشتعلت دير القمر بالرصاص، فكان غضب كمال جنبلاط في تلك الليلة أكبر من أن يوصف مما يجري على حائط المختارة. وهذا الأمر بالنسبة الى زعيمين شوفيين مسألة اعتبارية قبل اي شيء. وبالنسبة الى زعيم المختارة الذي هو أباً عن جد يعتبر أن جبل الشوف هو جبل فخر الدين، أي الجبل الدرزي وليس الجبل الماروني، كما تحوّل في ما بعد مع الأمير بشير الشهابي، ولذلك، لم يكن راضياً عن النتيجة الرئاسية، ولم يمض أسبوعان على انتخاب شمعون حتى وقع أول خلاف عندما أراد جنبلاط أن تكون الحكومة الأولى حكومة الجبهة الإشتراكية، فلم يوافق شمعون، فاختلفا وافترقا.

في عشاء رسمي أقامه شمعون على شرف سعود، كان جنبلاط حاضراً، وآنذاك، أطلق عبارة أثارت استياء رئيس الجمهورية عندما قال “قلنا لذاك زِلْ.. فزالَ (بشارة الخوري)، وقلنا لهذا كُنْ.. فكانَ (شمعون)”

“قلنا لهذا كن.. فكان”

وفي سنة 1953، ولمناسبة زيارة ولي العهد السعودي سعود بن عبد العزيز الى بيروت، وفي عشاء رسمي أقامه شمعون على شرف سعود، كان جنبلاط حاضراً، وآنذاك، أطلق عبارة أثارت استياء رئيس الجمهورية عندما قال “قلنا لذاك زِلْ.. فزالَ (بشارة الخوري)، وقلنا لهذا كُنْ.. فكانَ (شمعون)”. واقع الأمر، ليس جنبلاط من أزال الخوري الذي تنحى بقرار شخصي وكان يمكنه رفض التنحي لأن الأكثرية النيابية كانت الى جانبه برغم أن الرفض كان سيدخله في أزمة أكبر. وليس كمال جنبلاط هو من أتى بشمعون لأن موازين القوى والدور السوري رجّحا كفّة “فتى العروبة الأغرّ”، مستفيداً من صورة نمطية معروفة عن حميد فرنجية بأنه كان متعصباً مارونياً، فذهب المسلمون ورجّحوا كفة إنتخاب شمعون.

دائماً كانت تبدو حركة كمال جنبلاط معقدة. كان من الصعب الربط بين السياسي والسياسوي. يتنقل بخفة بين التصلب وبين بلورة المخارج. برع في اقامة علاقات سياسية مع متناقضات لعبت وتلاعبت بمصائر شعوب. فقد زار انطمة ملكية وناصرية وجمهورية وشيوعية وحيادية ونسج أفضل العلاقات مع الجميع، أو هكذا اعتقد. دخل الحرب اللبنانية بعنوان البرنامج المرحلي للحركة الوطنية ودفاعاً عن المقاومة الفلسطينية، لكنه انتهى خصماً عنيداً للجيش السوري الذي تستر في البداية برداء قوات الردع العربية، ليقيم في لبنان زهاء ثلاثين عاماً حاكماً ومتحكماً باللبنانيين جميعاً.

بدا كمال جنبلاط في أحايين كثيرة شبيهاً ببلده. يُخفي الكثير ويعلن الأكثر. فقد اعطته طائفته المحافظة لواء الزعامة وهو يقود منافسات ويخوض حروباً بدعوى التحرر والتقدم. أبعد من ذلك، فقد بدا انه يتقدم بحداثته على حداثة لبنان في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. ويوم أغتيل بدا أن الاثنين ـ لبنان والزعامة الجنبلاطية ـ هما أكثر انغلاقاً وتقوقعاً من أنظمةٍ درجت العادة على تسميتها ـ بتأثير من ثقافة ذاك الزمن ـ  بـ”الرجعيات العربية”. لكن الراجح أن حراكه كان محكوماً باضطراب التاريخ وضيق رقعة جغرافيا الموحدين في لبنان.

الإستثمار.. و”الرقصة المحرمة”

كمال جنبلاط التقدمي والمتحرر. الرافض للتقوقع. أكثر ما تبدت مفارقات ممارساته السياسية كانت في 10 كانون الثاني/يناير عام 1963، حينما تسببت “الرقصة المحرمة” بأزمة حكومية تزامنت مع وصول ملك الـ”تويست” الفرنسي جوني هاليداي إلى بيروت لإحياء ثلاث حفلات في كازينو لبنان، فقابل جنبلاط، وكان وزيراً للداخلية آنذاك، هذه الاحتفالات، بإصداره قراراً يقضي بمنع هاليداي من الغناء وبإبعاده عن الأراضي اللبنانية في خلال مهلة 24 ساعة. أن يعلن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، آنذاك، مثل هكذا موقف، ويمارس قمعاً مقابل ثقافة موسيقية، فهذا أمر مُقلق، ويسمح بافتراض هشاشة في أساس نصه السياسي. كما يسمح بأخذ بعض الاتهامات التي سيقت ضده عن طموحه الجامح للوصول إلى سدة الرئاسة، مستثمراً كل شيء بما فيه اليسار وعديد الطوائف التي وقفت معه. وهكذا فعل بكل ما انطوى عليه من تحجر بدعوى التعفف كان تأييداً مُقنعاً لسطوة رجال الدين. كل رجال الدين.

لكن هذا لم يلغِ “تميًز” شخصية كمال جنبلاط الذي نجح بحسب الباحثة برناديت شينك في إنشاء تحالف بين فئات متنافرة، فجمع اليسار المتمثل بالحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي، كما جمع اليسار القومي المتمثل بالبعث، والناصريين، وأنصار الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تحوّل إلى اليسار. وقد شكل هؤلاء فريقاً قوياً رمي بكل ثقله في بداية الحرب الأهلية. فجنبلاط كان الشخصية الأكثر تعقيدا في لبنان، فدوره الوراثي كزعيم لأكبر عشيرة درزية، أمّن له تأييداً غير مشروط من قبل طائفة صغيرة ولكنها متضامنة كثيراً. وفي الوقت ذاته، كان نظام الميثاق الوطني يسد الطريق على زعيم الدروز إلى مناصب الدولة العليا، التي يطمح إليها.

لقد تأثر كمال جنبلاط بتيارات فكرية مختلفة، فتربيته المسيحية جعلته خلال مدة طويلة من الزمن يميل إلى الدين المسيحي. وقراءاته الواسعة ولغاته المتعددة جعلته أكثر اطلاعا ومعرفة بالمفاهيم البريطانية والفرنسية حول الاشتراكية الديموقراطية؛ وإعجابه بجمال عبد الناصر جعله يتحول باعتدال إلى القومية العربية؛ واكتشافه للروحانية الهندية دفعته إلى الممارسات التأملية واليوغا والمأكولات النباتية. كان مقرباً من النظام الناصري العروبي وغير بعيد، لا عن النخبة الناطقة بالفرنسية التي اجتمعت في “الندوة اللبنانية”، ولا عن الملكية السعودية.

القلق على الزعامة يتفوق هذه المرة على القلق على الطائفة. لطالما كان الترابط عضوياً بين الزعامة والطائفة.. وهو مستمر حتى إشعار آخر

الإشتراكي الإقطاعي الأرستقراطي

برز كمال جنبلاط في عهد فؤاد شهاب كرجل اصلاح ملتزم، إلا أنه اعتبر لاحقاً أن الحركة الاصلاحية الشهابية غير كافية، وطالب بالثورة، ولكن برنامج الحركة الوطنية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، بقي من حيث المضمون مليئا بالتناقضات. وبحسب الكاتبة برناديت شينك ( كمال جنبلاط -التراث العربي الإسلامي ودور الدروز في مفهومه لتاريخ لبنان)، كان جنبلاط صاحب الأملاك الكبيرة والصناعي يقود الاضرابات والمظاهرات العمالية. حامل جائزة لينين، كان يترك الفلاحين يأتون لتقبيل يده. والاشتراكي الارستقراطي كان يتحدث باحتقار عن البورجوازية. عبْرَ كل هذه التناقضات التي كان يجسدها، نجح جنبلاط في تكوين حركة سياسية لم تكن تطمح إلى إحداث تغييرات في توزيع السلطة اللبنانية، بل إلى قيام جمهورية علمانية لا علاقة لها بالطوائف الدينية. ولم يكن هناك أي شك على الاطلاق بطموحه إلى رئاسة الجمهورية، لذلك، بدا له أن التحالف مع الفلسطينيين وقواتهم المسلحة، فرصة تاريخية فريدة من نوعها.

كان جنبلاط ابن طائفة صغيرة العدد ولكنها طائفة مؤسسة للكيان، وهذا شكّل له مشكلة جوهرية في ظل النظام اللبناني. إذ كيف يحق للماروني (الشريك في التأسيس الكياني أيضاً) ان يكون رئيساً للجمهورية ولا يحق للدرزي ذلك؟ وعلى هذا، عمل كمال جنبلاط لجعل سياسة الدروز مرتبطة بالدور لا بقيد العدد. ولهذا بات يؤسّس الجبهات التي توسّع نطاق طائفته الصغيرة العدد وتكبّر نفوذها، وثمة نكتة سياسية شاعت ودرجت في لبنان قبل الحرب الأهلية، تقول إن العمل الوطني (الجنبلاطي) هو مجموعة من الشيعة يتقدمهم أفراد من المسيحيين، يسيرون في شوارع السُنة ويهتفون بشعارات فلسطينية!

“الإبن الذي صار أباً”

اليوم تحل الذكرى الثالثة والأربعين على اغتيال كمال جنبلاط الذي شكّل علامة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية. وأياً ما كان له أو عليه، يبقى أنه كان شبيهاً لكل الذين امتلكوا قدرةً على صناعة حلم لبناني. فكلهم قضوا اغتيالاً. حتى الذين صنعوا أحلاماً لبنانية مغايرة قضوا اغتيالاً أيضاً. ثمة كثيرون يأخذون عليه طموحاً لا يحتمله البلد. وثمة من آمن به زعيماً استثنائياً وحاجة لبنانيةً. وفي الحالين، فان قتله احبط لبنانيين كثر. ولم يمنع اغتياله لبنان من دخول ما أسماه “السجن العربي الكبير”. لقد قُتل في وضح النهار كما كل الذين اغتيلوا بسبب أحلامهم. والحق أن إغتياله شكل مفصلاً أساسياً في تاريخ لبنان الحديث.

وليد جنبلاط، “الابن الذي صار اباً”، على ما يسميه الكاتب حازم صاغية، نجح بتكريس معادلة الدور الدرزي السياسي، بديلاً للديموغرافيا القاهرة. مع تيمور “الإبن المتمرد”، ثمة أسئلة بلا أجوبة. حتى “الميكروفون السياسي”، الذي ميّز شخصية وليد جنبلاط، يبدو أنه غير قابل للتوريث. في البيوتات السياسية، ثمة طلعات ونزلات، وينطبق ذلك على الحالة الجنبلاطية. ألا يستدعي ذلك القلق؟

نعم، القلق على الزعامة يتفوق هذه المرة على القلق على الطائفة. لطالما كان الترابط عضوياً بين الزعامة والطائفة.. وهو مستمر حتى إشعار آخر.

(*) كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free