الحزب.. كورونا والعميل   

تفنّن المسؤولون السياسيون والحزبيون اللبنانيون بتبادل الاتهامات في الأيام الماضية حيال الضيف الثقيل "كورونا". تنافس خطباء "العِفّة" الجدد، على استنباط لغة التخوين ضد بعضهم البعض، وهم في أصل الخيانة والفساد. لم يقدّم أحدٌ منهم خطةً للمواجهة. لم يتلُ أيٌّ منهم فعل الندامة على ما نهب منذ عقود، ولا تبرّع ببعض ما نهب لبناء مستشفى أو مستوصف يستوعب المصابين المحتملين بهذا الوباء اللعين بدل التبارز المقيت على المنابر.  

ترفّع هو عن الاتهامات والمهاترات. وضع كل ما يملكه هو وحزبه بتصرف معركة المصير الكوروني. عدّد النقاط الواجب اتخاذها في هذه الحرب التي لا تقلُّ خطورة عن حروب التحرير. استعاد لغة الايمان الأولى القافزة فوق المذاهب والطوائف، لكي يُبسّط اللغات الدينية المُبتدعة، فتسلّح بالله ليقول ان لا حاجة للذهاب الى المساجد والكنائس في عصر الكورونا. أنصتوا إلى العلم أيها المؤمنون.

تؤيده أو تعارضه لا بأس، هذه حريتك وانتماؤك ونظرتك الى السياسة والوطن، لكنه في اللحظات اللبنانية الصعبة، يقول ما ينبغي قوله. وخلفه تقف مجموعة استراتيجية تضعُ الخطط السريعة لكل طارئ، سياسيا وعسكريا وطبيا وإجتماعياً.

لكن في كل مرة يتضح أن لهذه القدرة حدودا ترسمها معادلاتٌ خارجية دقيقة، ولعلّ هذا ما وضعه هو وحزبه في موقع التشكيك في المعادلات الداخلية، وفي موقع الشرف في معارك التحرير.

لنأخذ مثالين على ذلك:

أولاً، قضية تبرئة العميل عامر الفاخوري:  صحيح أن الحزب أصدر بيان استنكار وشجب وإدانة. لكن ماذا بعد؟ هنا نعود، كما عدنا في ما بعد انسحاب إسرائيل من لبنان في العام 2000. تركيبة البلد الطائفية، وحرص الحزب على منع الفوضى، والحسابات الإقليمية والدولية الدقيقة، جعلت عملاء كثيرين ينعمون بالعفو ولم يُضرب أحدهم ولو بصفعة أو بحذاء.

الآن، جاءت التبرئة مثيرة للأسئلة قضائيا، ومثيرة للتشكيك سياسيا. فمن ناحية القضاء، معروف انه في القضايا الجنائية تُعيّن الجلسة الأولى في المحكمة العسكرية بعد ٦ أشهر، اما في حالة فاخوري (المدعوم أميركيا حتى التهديد بالعقوبات ضد شخصيات لبنانية)، فقد صدر القرار الاتهامي في ٤ شباط/فبراير، وتم تعيين جلسة المحكمة في منتصف نيسان/أبريل، ثم جرى تقريب الموعد الى ٥ آذار/مارس، وهناك تم تقديم الدفوع الشكلية وارجئت للبت بها في ١٦ آذار/مارس. فصدر القرار الذي اعتبره شرفاء هذا الوطن وصمة عار.

هل كان حزب الله قادرا على منع التبرئة ولم يفعل؟ هل عرف بها وتركها تمرّ لاعتبارات داخلية وخارجية؟ هل كان عاجزا عن المنع؟ هل مرّت تحت جنح الظلام كما نفهم من بيان الاستنكار؟ هل كان بمقدوره منع سفر العميل فاخوري

كانت القاضي السيدة نجاة أبو شقرا الأكثر جرأة وشرفا، حين رفضت مرارا طلبات اخلاء السبيل، واتهمت العميل بالقتل ومحاولة قتل معتقلين وتعذيبهم في معتقل الخيام الرهيب. لكن كل ذلك نُحر على مذبح التسويات، فقّدّم قربانا واضحية للراعي الأميركي.

هل كان حزب الله قادرا على منع التبرئة ولم يفعل؟ هل عرف بها وتركها تمرّ لاعتبارات داخلية وخارجية؟ هل كان عاجزا عن المنع؟ هل مرّت تحت جنح الظلام كما نفهم من بيان الاستنكار؟ هل كان بمقدوره منع سفر العميل فاخوري؟ في الحالات الخمس، هذا لا يُشبه دوره الكبير في الوطن، ما جعل حتى أن الإعلاميين الدائرين في فلك المقاومة ينتقدون. فالحزب ومنذ أن إنحصرت المقاومة به، هو المسؤول الأول معنويا أمام المقاومين وناسهم وأرضهم وشعبهم، خصوصا ان عملاء السياسة في الوطن كثيرون ومنتشرون في كل المؤسسات منذ قرار العفو الشهير والغريب، وبعضهم رفع بلا شك نخب “الانتصار” أمس.

ثانيا: حين نزل قسم كبيرٌ من الشعب اللبناني في “انتفاضة الكرامة” (كي لا نقول الثورة أو الحراك)، يُطالب بحقوقه المشروعة وبمحاسبة الفاسدين، وما أكثرهم في بلادنا. اختار الحزب الحسابات السياسية الدقيقة، فقرّر حماية رئيس الجمهورية (حليفه) ورئيس الحكومة (خصمه المفترض)، واختار “السلامة” الطائفية ـ المذهبية على الخيارات الشعبية خشية انزلاق الأمور الى فتنة مذهبية شيعية شيعية أو سنية – شيعية. كل هذا مُبرر بالسياسة والحسابات خصوصا ان معارك الحزب خارج الحدود هي الأساس حاليا، لكن الناس، ومنهم ناس بيئة الحزب، ضاعوا، فما عادوا عارفين، هل يناضلون لحقوقهم التي كان الحزب نفسه أحد أبرز من حمل لواءها في الشارع وفي مجلس النواب والحكومات، أم يدافعون عن مواجهة الحزب للانتفاضة، وهم غير مقتنعين بما يفعل. لا شك ان هذا الموقف سمح للفاسدين والعملاء وناهبي الشعب بأن يركبوا الحراك، وها هم يقدّمون أنفسهم اليوم مناضلين، ويضعون الحزب في موقع المتهم.

في المثالين، الحزب نفسه هو من أحيا آمال الناس، وفي المثالين، الحزب نفسه هو من اثار حيرة الناس، وخيبتهم.

هنا نعود الى النقطة الفصل. نجح الحزب، بما عنده من تدريب عال، والتزام، وعقيدة دينية عميقة، وأسلحة وتجهيزات، وسرّية، وتنظيم، في ربح الحروب العسكرية، لكن في السياسة تبقى الحدود ضيقة، لثلاثة أسباب:

أولاً، بنية الوطن الطائفية التي لا يستطيع الحزب ولا يريد تغييرها؛

ثانياً، السياسة الخارجية الواجب التعامل معها بميزان من ذهب؛

ثالثاً، الانتماء المذهبي الذي لم يتح للحزب إيجاد عمق عربي حقيقي، فسهُل اتهامه بالفارسية والصفوية والولاء للولي الفقيه برغم كل الجهود لتغيير هذه الصبغة والقول بـ”لبننة الانتماء” (راجع كتابي النائب حسن فضل الله والشيخ نعيم قاسم).

لم يعرف التاريخ العربي الحديث، شعباً حرّر أرضه بسواعده ودون تفاوض منذ ١٩٤٨(سوى الثورة الجزائرية)، وربما لن يعرف. وهذا يُحسب للحزب وقادته وشبابه وداعميه. لكن يبدو أن حدود العمل السياسي لم تخرج بعد، وربما لن تخرج، عن حدود ضيّقة، تأتي بالوزراء بناء على تركيبات مذهبية بغيضة، وتركّب السياسات على مقاسات المذاهب، وتراعي الحساسيات الداخلية والخارجية حتى لو تعلّق الأمر بعميل، فلو أراد الحزب وقف المهزلة، لزلزل الأرض تحت أقدام المحكمة ومن فيها.

نحن في لحظة دقيقة إيرانية – أميركية. تحتمل الجنوح الى مواجهة أوسع، كما تحتمل العودة الى التفاوض. ولبنان المنقسم على بعضه (حتى في قضية العمالة) لا يستطيع الآن اثارة أميركا التي يحتاجها لإيجاد حل اقتصادي ومالي، لما زرعه الفاسدون. وأما المقهورون من القرار، فلا أحد يسمع أنينهم.

 

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course