لا يتقاسم صندوق النقد والجيش المصري نفس الأحلام والأرقام

Avatar18026/03/2020
يتناول جان بيار سيريني، الصحافي والمدير السابق لمجلة "لونوفيل إيكونوميست" ورئيس التحرير السابق لمجلة "الإكسبرس"، في مقالة نشرها موقع "أوريان 21"، وترجمتها الزميلة سارة قريرة، التحديات التي تواجهها مصر بسبب فيروس كورونا.

يبدو الاقتصاد المصري لأول وهلة سليماً ومعافى، إذ فاقت نسبة النمو 5% في السداسي الثاني لسنة 2019، وعاد احتياطي النقد الأجنبي للارتفاع، وتم التحكم بشكل شبه كامل في ارتفاع الأسعار، وبات الإمضاء المصري مقبولا في الأسواق المالية الإقليمية والأوروبية. ويعود هذا الانتعاش إلى اتفاق على فترة ثلاث سنوات أبرمته مصر في سنة 2016 مع صندوق النقد الدولي، وهو التاسع من نوعه منذ 1962. إلى هذا الحد، لا غريب في الأمر. وقد التزمت مصر مقابل هذا القرض الذي تبلغ قيمته 12 مليار دولار (10.6 مليار يورو) بالتنازل عن مراقبة الصرف، وتخفيض قيمة الجنيه المصري إلى النصف، وتحديد قيمة استئجار المال عند مستوى يفوق نسبة التضخم بكثير، وتقليص الدعم بشكل جذري. في هذه الأثناء، يتفاقم الفقر لدى سكان تجاوز عددهم المئة مليون نسمة وتقدر نسبة من يعيش منهم تحت خط الفقر بـ32.5 %  بحسب المؤشرات المحلية، برغم كونها أدنى بكثير من المعايير الدولية.

يبحث الرئيس السيسي منذ وصوله إلى السلطة في يوليو/تموز 2013 عن رؤوس أموال في الخارج تمكنه من إنعاش الاقتصاد المصري، بعد معاناة تسببت فيها الأزمة العالمية لسنتي 2008-2009، وثورة 25 يناير/كانون الثاني، والمناورات المسيئة لمحمد مرسي -الرئيس الإخواني الوحيد الذي عرفته مصر. وقد أتت هذه الأموال في مرحلة أولى من مملكات الخليج النفطية، حرصا منها على مساعدة النظام الجديد الذي خلّصهم من العدو اللدود. وقد تم ذلك من خلال قروض حكومية وودائع عملة أجنبية في البنوك المحلية واستثمارات عقارية خاصة أو عامة. لكن كل هذا لم يسفر عن استقرار الاقتصاد. فجاء بعدها صندوق النقد الدولي الذي جلب معه خلال أربع سنوات (2016-2019) – بحسب وزارة المالية – 200 مليار دولار (176.60 مليار يورو). وخلال بضعة أشهر، شهدت شروط تمويل البلاد بالعملة الصعبة تغييرا تاما، وبات سعر الفائدة إيجابيا ويفوق بكثير نسبة التضخم، كما استقر سعر الصرف بل وارتفع أمام الدولار (+8 % في 2019).

الأخطر وفق المختصين هو أن عددا من القروض ليست مدرجة في الإحصاءات المصرية وتحديدا الصينية والروسية منها، وهي تضاف إلى المديونية المصرية

أصبح ابتياع أذون الخزانة بالجنيه المصري مقابل عملة أجنبية في أقل من سنة تجارة مربحة تدرّ ربحا استثنائيا، في وقت بات فيه سعر الفائدة الصفر هو القاعدة في الساحات الغربية. وقد كانت نسب سعر الفائدة في 2018 حوالي 16%، وإن انخفضت قليلا في 2019، فقد عوضتها على نطاق واسع أرباح الصرف التي جدت تلك السنة. وتماما كما في منظومة بونزي، فإن جزءا لا بأس به من المال الوافد يُستخدم لتعويض المال الخارج، بنسب تتراوح بين 35 و45% من مبالغ سنوية قيمتها بين 40 و45 مليار دولار (بين 35 و39 مليار يورو). وقد نما الجاري بنسبة 49% خلال ثلاث سنوات. وإلى حد الآن، لا يرى المشاركون في هذه العملية – وهم غير مقيمون وفق صندوق النقد الدولي، بل أغلبهم أثرياء من بلدان الخليج – إلا الأرباح التي توفرها، ولا يتساءلون أبدا عن استدامتها، برغم أن خدمة فوائد الدين العام الداخلي كما الخارجي تستوعب إلى حد الآن 50% من إيرادات ميزانية الدولة، وهي نسبة قياسية! والأخطر وفق المختصين هو أن عددا من القروض ليست مدرجة في الإحصاءات المصرية وتحديدا الصينية والروسية منها، وهي تضاف إلى المديونية المصرية التي يتوقع صندوق النقد الدولي – بتفاؤل شديد – انخفاضها بحلول عام 2023.

هل الاقتصاد المصري صلب العود بما يكفي كي يواجه انهيار ديون مثل هذا؟

إن تفاقمت الأزمة، فإن احتياطي الصرف البالغ قيمته 45 مليار دولار (39 مليار يورو) لن يمنحه سوى هدنة قصيرة، عليه بعدها – طال الأمد أم قصر – أن يواجه المواعيد النهائية. عموما، فإن توازن الاقتصاد الخارجي يعتمد دائما على الخدمات أو الأعمدة الخمسة الكبار، وهي الأموال التي يرسلها العشرة ملايين مصري -أي 10% من مجموع السكان- الذين يعيشون في الخارج، ومراسيم العبور عبر قناة السويس، وعائدات السياح (حوالي 9 ملايين سائحا يزورون سنويا وادي الملوك)، وأخيرا مساعدات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف العسكري الأول بلا منازع للقاهرة.

بفضل مجهودات الشركة الإيطالية “ايني”، يمكن إضافة مادة أولية جديدة لهذه العائدات وهي الغاز الطبيعي، والذي أصبحت مصر منتجا مهما له منذ السنة الماضية. المجموع سهل بالنسبة لسنة 2019: قرابة 30 مليار دولار (26.5 مليار يورو) بفضل المهاجرين المصريين، وحوالي 6 مليار دولار (5.30 مليار يورو) عائدات القناة، و14 مليار دولار (12.36 مليار يورو) من مال السياحة، أي مجموعا يساوي تقريبا 50 مليار دولار، نضيف إليها مساعدة خارجية في تراجع وعائدات الغاز الطبيعي الذي اكتشف مؤخرا وهي في ارتفاع. ويموّل هذا المكسب غير المتوقع جزءا كبيرا من البضائع المستوردة، لكنه مكسب هش خاصة في الوضع الحالي. إذ أن خمودا مطولا للنشاط الاقتصادي في أوروبا وانهيارا مطولا لأسعار النفط – بسبب فيروس كورونا وقرار السعودية برفع حجم إنتاجها – كافيان لتراجع أرباح المهاجرين ونفور السياح – ويبدو أن الحجز تراجع بنسبة 80%. ها نحن إذن أمام ديناميكية معاكسة، فقد شرع غير المقيمين ببيع السندات وأذون الخزانة، فيما تنهار قيمة الجنيه المصري مجددا.

لا شك أن الفشل الذريع لخطة صندوق النقد الدولي يتمثل في عدم قدرتها على إحياء حجم الصادرات التي تغيرت بالكاد بين 2016 و2019، إذ لم تتجاوز مبلغ 6 مليار دولار (5.30 مليار يورو) سنويا، أي ثلث مبلغ الواردات (قرابة 18 مليار دولار سنويا، أي 15.89 مليار يورو). وقد انخفض مؤشر مديري المشتريات (PMI) لشركة IHS Markit  الذي يظهر ظروف العمل والتشغيل في القطاع الخاص غير المنتج للنفط خلال 48 شهرا من مجموع الـ56 أشهر الأخيرة، والحال أن آمال البلاد (الضعيفة) بتمويل أفضل للميزان التجاري وخلق مواطن شغل ضرورية لاستقبال 3.5 مليون شاب سيدخلون سوق الشغل بحلول سنة 2025 معلقة به. ويشير البنك الدولي إلى أن “شغل الذكور في تراجع، إذ تحولت نسبته من 71% سنة 2010 إلى 63% في 2016″، وهو انعكاس للانفجار الديمغرافي ولضعف طلب اليد العاملة من قبل شركات معدودة.

ثمة نشاط إقتصادي غير مسبوق للعسكر، فهم يهتمون بقطاعات جديدة مثل استيراد الأدوية أو بناء الطرقات السريعة دون إهمال الخدمات، مهما كان حجمها

لا يتقاسم خبراء صندوق النقد الدولي والجيش المصري نفس الحلم، فالخبراء يوصون بـ”موجة إصلاحات جديدة لمساندة القطاع الخاص” (وفق المجلس الإداري بتاريخ 13 فبراير/شباط 2020)، في حين لا يكترث الجيش بالمدنيين ويفضل بناء عاصمة جديدة في قلب الصحراء، ستحل محل القاهرة المكتظة والمتمردة. فعلى مسافة 60 كيلومترا شرق القاهرة يوجد أهم موقع للأشغال العامة في أفريقيا، يمتد على مساحة تبلغ سبع مرات حجم مدينة باريس، حيث يفترض أن يستقر 6 ملايين ساكن وأن تنتقل مقرات الوزارات، مصطفة الواحدة بجوار الأخرى. وقد لقّبت هذه المدينة التي لا تحظى باسم رسمي إلى حد الآن – برغم الجهود غير المجدية للجنة المكلفة بتسميتها – بـ”دبي الجديدة” أو “سيسي سيتي” (مدينة السيسي)، وهي مشروع رئاسي.

تكلفة هذه المدينة مجهولة حسب التقديرات بين 50 و300 مليار دولار (بين 44 و265 مليار يورو)، وليس مؤكدا أن هذه المصاريف تؤخذ بعين الاعتبار في الأرقام الرسمية للدين العام المصري. يقول أحد معتادي وادي النيل ساخرا: “يريد السيسي أن يترك البيروقراطيين في العاصمة القديمة وأن يأخذ معه الضباط فقط”. من يموّل هذا المشروع؟ جزء من التمويل يعود على الأرجح للصينيين، لكن الجزء الأكبر يعود للدولة بفضل منظومة بونزي. ففي 2017-2018، بلغت حصة القطاع العام (أي الدولة والشركات الحكومية) 58% من مجموع الاستثمارات، وتتجاوز هذ النسبة بـ30 إلى 40 نقطة حصة ماليزيا أو بولندا. إذا أضفنا إلى ذلك التمويل المباشر للشركات النفطية الكبرى التي استثمرت بكثرة خلال السنوات الأخيرة في مجال الغاز الطبيعي، نلاحظ أن وزن القطاع الخاص الوطني ليس ثقيلا، وأنه في الحقيقة مبعد من اللعبة المالية والاقتصادية، فهو لا يستطيع الوصول لا إلى منظومة بونزي ولا إلى مشاريع النظام الكبرى ولا حتى إلى السياسة الاقتصادية.

ثمة نشاط إقتصادي غير مسبوق للعسكر، فهم يهتمون بقطاعات جديدة مثل استيراد الأدوية أو بناء الطرقات السريعة دون إهمال الخدمات، مهما كان حجمها. وتمثل العقارات والمشاريع الكبرى مثل “دبي الجديدة” والبنى التحتية مثل “قناة السويس الجديدة” التي تقررت قبل تدخل صندوق النقد الدولي، خيارات الضباط المفضلة. فالكبرياء الوطني يقودهم أكثر من الحساب الاقتصادي. ويحكى أنه تقرر في آخر لحظة وضع جسرين للمترجلين فوق طريق سريعة واسعة ستمر فوق أحياء القاهرة الشعبية ونهر النيل، لتربط المدينة بالعاصمة الجديدة دون وجود أي إشارة ضوئية. وليس الهدف من هذا المشروع سوى دخول كتاب غينيس للأرقام القياسية واستباق شركة تركية كبرى تسعى لمشروع عملاق مماثل.

لكن القطاعات التي تهم الجيش المصري لا تحرك ساكنا لدى البرجوازية المصرية. فهؤلاء لا يشترون شققا في المدن الجديدة التي بنيت في قلب الصحراء منذ ثلاثين سنة، ولا شك أنهم سيمتنعون كذلك عن شراء عقارات في “دبي الجديدة”(..).

(*) ينشر بالتعاون مع “اوريان 21”. النص الكامل:https://orientxxi.info/magazine/article3749

Avatar

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course