واشنطن للبنان: بعاصيري أو الجحيم

يشي التدقيق بما رافق الجلسة الأخيرة للحكومة اللبنانية، بأن تأجيل البت بالتعيينات في المواقع المالية، حتى إشعار آخر، لم تكن حيثياته محلية وحسب.

منذ الحادي والثلاثين من آذار/مارس 2019، تاريخ شغور مواقع نواب حاكم مصرف لبنان وبالتالي تعطيل أعمال المجلس المركزي للمصرف، لم يأت دبلوماسي أو موظف أميركي إلى بيروت، إلا وقال كلمة واضحة بمحمد بعاصيري: لا بديل عنه في موقعه نائباً ثالثاً للحاكم. لم يزر مسؤول لبناني، رسمي أم غير رسمي، العاصمة الأميركية، منذ سنة حتى الآن، إلا وسمع العبارة نفسها. المراسلات الديبلوماسية بين بيروت وواشنطن ذهاباً وإياباً تشي بذلك. محاضر إجتماعات السفيرة الأميركية السابقة اليزابيث ريتشارد وخليفتها دوروثي ك. شيا مع المسؤولين اللبنانيين تؤكد ذلك.

من هو محمد بعاصيري؟

هو شاب لبناني من عائلة متوسطة الحال. خريج الجامعة الأميركية. في زمن الحرب الأهلية، لم ينسجم مع توجهات البيئة السنية اللبنانية التقليدية التي غالت في الموالاة للثورة الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات، ثم في موالاة الحقبة السورية. سافر إلى واشنطن وهناك دشن مرحلة جديدة في حياته الأكاديمية. سيرته تلتقي في كثير من محطاتها مع سيرة الراحل محمد شطح، بفارق جوهري أن الأخير، كان يمتلك من الجرأة ما يجعله يجاهر بقناعاته وسيرته (السياسية طبعاً). أما بعاصيري، فهو من النوع الذي يوحي لكل من يعرفه أنه يملك جرأة قول الأشياء كما هي. هذا في الظاهر، أما في المضمر ـ وهذا تحليل ـ فإنه يميز ضمناً بين ما يريد قوله وإظهاره عن “قناعاته” وبين مصالحه الفعلية. رجل براغماتي إلى أبعد الحدود. لا يتوه في التفاصيل، وإن كان لا يغفل أياً منها. الأساس هي الإستراتيجيا التي يحددها لنفسه ولا يغادرها أبداً. تساعده مشارب أسرته، وتحديداً سيرة والدته، في التباهي بـ”نفسه العربي”. الحديث بأريحية عن العلاقات العائلية بين أهل بلاد الشام. يقايض في الأمور الصغيرة لا بل هو “بائع ممتاز”. يعطي من كيس الآخرين، لكنه يرفض أية محاولة تؤدي للمس بالسيرة ـ الرصيد. ثمة أمور يعتبرها من “الكبائر” وهي سر تفوقه على غيره، ممن حاولوا منافسته ولكنهم إستسلموا بعدما أدركوا أن مكانته لا تتزحزح أبدا عند أهل الحل والربط.

هل تقف طموحاته عند حدود البنك المركزي؟ حتماً لا، يقول عارفوه. هو قادر على مخاصمة سعد الحريري وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي. لا يهاب أحداً. من يستمع إليه يتحدث بعد السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2019، يكاد يشعر أنه أمام أحد رموز الإنتفاضة. على سبيل المثال لا الحصر، إستضافته الزميلة نوال ليشع عبود في كانون الثاني/يناير 2020، ضمن برنامجها “نقطة عالسطر” في إستديوهات إذاعة صوت لبنان. على مدى ساعة تقريباً، تسأله هي وبعض من كانوا يستمعون إليه، أما هو فلا يملك إلا جوابا واحدا: “بعد 17 تشرين/أكتوبر، وتحديداً خلال إقفال المصارف لمدة عشرة أيام، أقدم عدد من المصارف على تحويل بعض الودائع الضخمة من مصارفهم في لبنان إلى الخارج، وهذا التحويل الإنتقائي، هو عمل جرمي وسيء جداً وغير أخلاقي، ويمكن أن يطاله القانون، وتحديداً القانون الإنكلوساكسوني”. حتى الآن، لا أحد يملك تفسيراً دقيقاً لتلك العبارات وهل هي تعبر عن غيرة وطنية بحتة أم غيرة أخرى؟ وهل المقصود منها إستعادة تلك الأموال أم التشهير بمن قاموا بها أم الإستفادة من عائدها أم، أم….

خلاصة القول، أن بعاصيري شخصية إشكالية، بالتعبير الديبلوماسي. أما بالتعبير غير الديبلوماسي، فهو لا يخفي “أميركيته”. من رأسه حتى أخمص قدميه. هو أكثر أهمية من رياض سلامة. كان الأخير وما يزال، حسب أقرب المقربين إليه، يتعامل مع نائبه الثالث السابق، بوصفه “مزروعاً” في مصرف لبنان. هو صانع سياسات وتوجهات.

عادة، لا يتردد موظفون في وزارة الخزانة الأميركية في التواصل المباشر مع بعض الموظفين ـ المخبرين في مصرف لبنان. بعاصيري ليس من بين هؤلاء “المخبرين”. سيرته من واشنطن إلى بيروت. تجربته الأولى في لجنة الرقابة على المصارف في مطلع تسعينيات القرن الماضي. إحتلاله منصب النائب الثالث للحاكم، وقبله، دوره التأسيسي في هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، جعله ذلك كله على تماس مع الدوائر الإستخباراتية الأميركية المعنية بالشأن المالي عالمياً، سواء أكانت تلاحق عمليات غسل الأموال أم “مكافحة الإرهاب”. أقصى الإيجابية والمرونة والإنضباط مع الأميركيين، وأقل الضرر الممكن بـ”وطنه الثاني” لبنان. بالمعنى الوظيفي، يفهم بعاصيري “لغة” الأميركيين وقواعدهم ومعاييرهم، أكثر مما يحفظها الأميركيون أنفسهم، “day to day”. لا يرفع ذلك من شأن نواب الحاكم الآخرين. لا بإصرارهم على أن يكونوا مجرد “موظفين” أو أن يبذلوا الغالي والنفيس حتى تكون علاقتهم أكثر من ممتازة مع الأميركيين، وثمة وقائع تشي بذلك من زمن جيفري فيلتمان حتى الأمس القريب!

لم يحصل أن تدخل الأميركيون في تعيينات في الإدارة اللبنانية، كما تدخلوا هذه المرة بشكل مباشر وفج. لنأخذ نموذج ما أبلغته السفيرة الأميركية الجديدة إلى رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء ووزير المالية: أنا مكلفة من حكومة بلادي بأن أبلغكم أن هذه التعيينات (المالية) تمس بمعاييرنا حول مكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، ونأمل من الحكومة اللبنانية أن تتجاوب مع مطلبنا بالتمديد لمحمد بعاصيري، فإذا لم تأخذ ذلك بالإعتبار، تكون كمن يرمي نفسه في آتون من الجحيم والنار.

غادرت الديبلوماسية الأميركية المجربة أكثر من ربع قرن كل اللياقات الديبلوماسية وكانت واضحة: تعودنا على الرجل ونرتاح إليه.

برغم ذلك، لم يدرك أهل السلطة اللبنانية أن الأميركيين جديون. شكّل جبران باسيل رأس الحربة في محاولة فرض قواعد جديدة في التعامل مع حاكم المصرف المركزي. لو تسنى له، لما تردد في تسمية نواب الحاكم الأربعة ومفوض الحكومة. حساباته هنا، تتقاطع مع مطلب التدقيق في حسابات مصرف لبنان، أي الوصول إلى رياض سلامة. المطلوب رأس الرجل لأسباب “محاسبية” بالشكل، ولكن سياسية ـ رئاسية بالمضمون.

جاء دخول سعد الحريري على خط التعيينات، بمثابة رسالة أميركية. حاول فريق الثامن من آذار/مارس، إغراء رئيس الحكومة السابق بأن تكون له اليد الطولى في إختيار البديل. أخذ الحريري وقته في التفكير. أمامه لائحة من الأسماء، بينها موظف صيداوي في مؤسسة مالية كبيرة في نيويورك ويحمل الجنسية الأميركية. سأل الأميركيين، فكان جوابهم حاسم: محمد بعاصيري أو لا أحد.

لذلك، لم يكن موقف الحريري مفاجئاً عندما كان جوابه على عرض تسمية البديل: بعاصيري أو الإنقلاب (الإستقالة من مجلس النواب). يسجل له أيضاً أنه نجح في إستدراج رؤساء الحكومات السابقين إلى حيث يريد أن يأخذهم لكن بعنوان محلي لا قيمة له في حسبان أهل الحل والربط، محلياً.

يمكن القول إن الإشتباك السياسي الذي خاضه سليمان فرنجية، بشراكة كاملة مع جبران باسيل، في ملف التعيينات الأخيرة تحديداً، صبّ في الخانة التي يريدها الأميركيون، سواء عن سابق تصور وتصميم أو كما درجت عادة أهل السياسة في إرتكاب “الفاولات” أو “الرميات المجانية”. أكثر من ذلك، محاولة “الثنائي الشيعي” على الحكومة، وبالتالي تأجيل التعيينات، صب في الخانة ذاتها أميركياً!

الدليل ما قالته السفيرة الأميركية لمن راجعوها أو سألوها رأيها، غداة جلسة مجلس الوزراء اللبناني الأخيرة: “لو إتخذت حكومة حسان دياب قراراً بعدم التمديد لمحمد بعاصيري، حتما ما كانت تدرك أي كارثة أوقعت نفسها فيها في اليوم التالي”.

بدا واضحاً أن إستخدام عبارات “الجحيم” و”النار” و”الكارثة”، لا تُرمى جزافاً. الدليل أن الأميركيين تنفسوا الصعداء بعد تجميد التعيينات. إنتقلوا إلى الخطوة الثانية. هل سيذهب لبنان إلى برنامج صندوق النقد الدولي طوعاً أم زحفاً؟

عمليا، بتأجيل التعيينات أو بالأحرى تجميدها كلياً، مدّدت حكومة حسان دياب لنفسها، طالما أن أغلب مكوناتها على قناعة تامة بأن بديلها هو الفراغ حتى نهاية العهد. المكسب الثاني هو تفادي إجراءات أميركية جديدة ضد لبنان!

لم يكتف الأميركيون بما حققوا من “إنجاز”. هم أبلغوا بعاصيري شفهياً أن من وضع “الفيتو” ضد عودته نائبا للحاكم هو حزب الله. وكعادته، طلب النائب الثالث السابق من بعض أصدقائه التدقيق في الأمر، فكان جواب حزب الله أننا لا نؤيد التمديد لك ولباقي نواب الحاكم، لكننا لن نضع أي “فيتو” على إسم بعينه.

في هذا السياق، كان لافتاً للإنتباه بيان مدروس العبارات، اصدره عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله، وفيه يعتبر ترشيح السفيرة الأميركية لبعاصيري (من دون تسميته) “إعتداء مكشوفاً” و”خرقاً للسيادة الوطنية”.. و”تدخلا سافرا ومرفوضا”، ويخلص إلى مطالبة الحكومة بـ”إعتماد معايير وطنية” في التعيينات وفق “آلية” يتقدم فيها “صدق الإنتماء الوطني” بعيدا عن الضغوط الأميركية المترافقة “مع تهويل جهات داخلية”.

من حيث هم يدرون أو لا يدرون، أجهض الأميركيون، وهم يقاتلون لأجل مصالحهم، تعيينات كانت ستشكل فضيحة بكل معنى الكلمة.. وللبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course