لبنان إلى “الصندوق”.. إقفال الحنفية وسؤال الطائف؟

قبل أن يعلن لبنان قراره السياسي بالتوقف عن التسديد لحاملي سندات اليوروبوند، قبل حوالي الشهر، كان قد بدأ الأخذ والرد حول موضوع صندوق النقد الدولي. صحيح أن اللجوء إلى الصندوق عنوان خلافي، سياسياً وإقتصادياً ومالياً، غير أن عدم اللجوء إليه، قد يرتد أيضاً على لبنان بما هو أكثر سلبيةً. هنا تبدو المفاضلة صعبة وبين سيءٍ وأسوأ. الأهم، هل بمقدورنا تحويل الأزمة الإقتصادية ـ المالية إلى فرصة، وتحديداً على صعيد "النموذج" الأفضل للبنان.. مستقبلاً؟

رُبّ قائل أن الله يحبُ هذه الطبقة السياسية. الدليل هو كورونا. لولا هذا الفيروس، لكان المشهد اللبناني مختلفاً. الله نفسه يحب هذه الحكومة أيضاً. لولا كورونا، لأمكن تقييم أدائها ربطاً بالمهمة الوظيفية التي أتت من أجلها، وهي إقتصادية ـ مالية، بعبارة واحدة: إنجازات متواضعة جداً جداً.

هذا يدلُ على أننا أمام أزمة كبيرة ومستعصية. لا حسان دياب وحده ولا سعد الحريري قبله أو بعده، ولا أي وزير سابق أو حالي أو لاحق، يتحمل مسؤوليتها وحده. هو تراكم سياسات على مدى ثلاثة عقود من الزمن. تمويل طبقة سياسية أنتجها إتفاق الطائف من حنفية حساب مصرفي إسمه خزينة الدولة اللبنانية ومن خلال وسيط إسمه مصرف لبنان. لذلك، لا يمكن الفصل، حالياً، بين أزمة النظام السياسي وأزمة النظام الإقتصادي، وهما في جوهرهما عنوان أزمة واحدة.

واللافت للإنتباه أن الخارج يلتفت إلى هذه النقطة أكثر من اللبنانيين أنفسهم. الأميركيون يطرحون أمام زائريهم اللبنانيين أسئلة سياسية تتمحور حول مستقبل النظام السياسي في لبنان، ومثلهم الفرنسيون، سألوا سؤالاً مباشراً سَمعهُ وزير خارجية لبنان الحالي ناصيف حتي، في زيارته الأخيرة إلى باريس: هل تملكون سيناريوهات مستقبلية تتضمن إعادة النظر بإتفاق الطائف؟ البريطانيون طرحوا في إحدى المرات سؤالاً مباشراً: هل آن الأوان للتفكير بصيغة سياسية جديدة؟

هنا تبدو عبارة أحد اللبنانيين المخضرمين في التعامل مع الصناديق والمؤسسات الدولية لافتة للإنتباه. قال، بعدما تمنى عدم ذكر إسمه، إن أزمة الودائع المصرفية “جعلتنا نتناسى أننا أمام أزمة إقتصادية ـ مالية كبيرة، والأزمة الإقتصادية الكبيرة، ستجعلنا نتناسى لاحقاً أننا أمام أزمة نظام سياسي إنتهت صلاحيته، ونحن ما زلنا نكابر. تماماً، كما كان حال نظام سابق قاتل أهله ثلاثة عقود قبل أن يستسلموا”.

وبمعزل عن رأي هذا المكون السياسي أو ذاك؛ هذا الخبير الإقتصادي أو ذاك؛ فإن لبنان يسير عملياً على درب يؤدي إلى خيار واحد: صندوق النقد الدولي. هنا لا يجري حديث عن “مساعدة تقنية” بل عن الإنضمام إلى “البرنامج”. حالنا كعشرات الدول النامية التي تواجه تخلفاً في سداد الدين العام وصعوبات مالية ونقدية واقتصادية، وتقرر أنها لا تستطيع لا بأدواتها المحلية، ولا بخيارات سياسية كبرى من نوع الإلتفات نحو الشرق بدلا من الغرب، معالجة أزمتها، وبالتالي، لا بد من “الصندوق” مهما طال السفر.

هنا، تنبري خشيتان، الاولى سياسية من شروط وإملاءات سياسية للصندوق، تمس أموراً سيادية، وبعضها يلامس خطوطاً حمراء. الخشية الثانية هي من سطوة الصندوق الاقتصادية والمالية وحتى الإدارية على لبنان.

ينكب بعض الخبراء اللبنانيين والدوليين في هذه الأيام بإشراف رئاسة الحكومة ووزارة المالية على وضع برنامج إقتصادي مالي، يفترض أن يحال في الايام القليلة المقبلة إلى مجلس الوزراء، على أن يعلن عنه في غضون عشرة أيام، على أبعد تقدير

ولكَ أن تذهب إلى الصندوق بأشكال مختلفة. أن تذهب وأنت على وشك الوقوع أو أن تذهب إليه على ركبتيك موجوعاً تطلب الدواء، ولك أيضاً أن تذهب إليه زحفاً وترمي نفسك في أحضانه ولك أن تترك له أن يقرر عنك لأنك تكون قد فقدت وعيك وأصبحت حبيس غرفة العناية الفائقة.

وليس لك أن تفرض على الصندوق شروطك. يمكنك أن تخفّف من قساوة شروطه. أن تدوّر الزوايا. يساعدك في ذلك أكبر قدر من التفهم الدولي لتركيبتك، وهذه ميزة تجعل لبنان، أقدر من غيره، على تعديل بعض الوصفات لأنه يشكل نموذجاً لا مثيل له دولياً، بالمعنى السياسي والإقتصادي. نموذج يستمد فرادته من حقيقة أننا لا نعيش في دولة ولم نسعى إلى بناء دولة ولا وضعنا على جدول أعمالنا طموح الدولة المستحيلة.

لذلك، ينكب بعض الخبراء اللبنانيين والدوليين في هذه الأيام بإشراف رئاسة الحكومة ووزارة المالية على وضع برنامج إقتصادي مالي، يفترض أن يحال في الايام القليلة المقبلة إلى مجلس الوزراء، على أن يعلن عنه في غضون عشرة أيام، على أبعد تقدير، ومن بعده، يطلب لبنان من صندوق النقد تمويل هذا البرنامج، ليضع نفسه على سكة مفاوضات يفترض ألا تستمر أكثر من شهر، على أبعد تقدير، بسبب مشاركة عدد من الخبراء السابقين والحاليين في صندوق النقد في إعداد البرنامج العتيد للحكومة اللبنانية.

العناوين التي يتطرق إليها البرنامج كثيرة. ومن يراجع تقارير خبراء صندوق النقد حتى نهاية العام 2019، يمكنه أن يفترض أنها ستتمحور حول الآتي:

أولاً، إعادة هيكلة الدين العام وفق خطة قصيرة ومتوسطة الأجل (من 3 إلى 10 سنوات). ويشمل ذلك أيضاً إعادة هيكلة القطاع المصرفي (المصارف ومصرف لبنان).

ثانياً، وضع خطة متوسطة الأجل للمالية العامة، تهدف إلى تحقيق فائض مالي أولي كبير ومستدام من شأنه تخفيض نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي بصورة تدريجية. يشمل ذلك تحديد الواردات ومصادرها وتخفيض الإنفاق ومصادره إلخ..

ثالثاً، إجراء إصلاحات هيكلية أساسية لتعزيز النمو والقدرة التنافسية الخارجية، بدءاً من تحسين الحوكمة وتنفيذ خطة إصلاحية جذرية تشمل العديد من القطاعات ولا سيما قطاع الكهرباء (عجزه هو ثلث عجز الموازنة ويكلف الدولة سنويا ملياري دولار).

يتحدث الفرنسيون هنا عن فضيحة إستملاك قطعة أرض تملكها شركة خاصة ستضطر إلى إقفال أبوابها وتسريح المئات من عمالها بينما تملك شركة كهرباء لبنان قطعة أرض بالمواصفات نفسها في المنطقة نفسها

ماذا يقول المدافعون عن الإستعانة ببرنامج صندوق النقد، وبينهم شخصيات تنتمي إلى المدرسة الفكرية اليسارية؟

“كل رهان على إصلاح من داخل بنية النظام الحالي هو رهان عبثي. هذه الطبقة تريد أن تضع آليات تعيد مدها بالأوكسيجين حتى تمدّد وتجدّد لنفسها. ماذا يضير أن يستنجد لبنان بالصندوق وأن نجعله يشرف على ماليتنا وإقتصادنا، وبذلك تفقد الطبقة السياسية الخزان المالي (الصفقات والوظائف والخدمات وغيرها) وتخسر إمكانية حرف الصراع عن مضمونه الإجتماعي وتحويله صراعاً طائفياً، كلما إستشعرت بإهتزاز الأرض تحتها (نموذجا 2015 و2019)”؟ وفي المقابل، يؤكد المعارضون لخيار صندوق النقد أن معظم “موديلات” الصندوق “إنتهت عالمياً إلى محاصصة من نوع جديد. شركات ودول ولكنها في الحالة اللبنانية ستتكىء على طوائف وموازين قوى. لذلك، لا يراهن أحد على الصندوق لمحاربة الفساد. تجارب الصندوق أنتجت أنواعاً جديدة من الفساد مثل بيع أصول الدول بأبخس الأسعار أو بأسعار لا تتناسب وقيمتها الحقيقية وأيضاً ليس وفق معيار ضخ إستثمارات لتطويرها وتوفير خدمات أفضل للناس”.

لا يقلّل ذلك أبداً من الشروط المؤلمة أو القاسية التي سيجعلها الصندوق شرطا لقبوله وضع ختمه على برنامج حكومة حسان دياب الذي سيكون عملياً هو “وصفة الصندوق”. وصفة سبق أن قدمها الصندوق لمصر وتونس ودول كثيرة وشملت تخفيض الانفاق العام على الأجور وإلغاء سياسات الدعم، إضافةً إلى اصلاح النظام الضريبي من خلال رفع الضريبة غير المباشرة وخصخصة بعض الشركات المملوكة من الدولة، وشملت أيضاً إقرار قوانين لمحاربة الفساد وحماية وجذب الاستثمار والإسهام في تحرير سوق العمل ورفع ضريبة القيمة المضافة.   

في الحالة اللبنانية، لا بد من حالة طوارىء إقتصادية مالية، ترجمتها الأولى تقصير المهل الزمنية المحددة بالبيان الوزاري، إتخاذ خطوات ملموسة لمكافحة الفساد وتنفيذ الإصلاحات الجذرية وتشمل عناوين كثيرة أبرزها: إنشاء أو تفعيل الهيئات الناظمة في قطاعات الطاقة والإتصالات والطيران المدني؛ السير بعمليات التلزيم في قطاع الكهرباء وفق مناقصة عمومية شفافة (هذه نقطة مركزية تلفت إليها مؤسسات دولية عدة) والتخلي نهائياً عن خيار البواخر وإعادة النظر بسعر التعرفة الكهربائية بما يحمي أصحاب الشرائح الفقيرة وتنفيذ قانون التشركة بين القطاعين العام والخاص الذي قدمه النائب ياسين جابر وأقر في آب/أغسطس 2017 من خلال سلسلة مراسيم تنفيذية والعدول عن قانون الإستملاكات في سلعاتا (يتحدث الفرنسيون هنا عن فضيحة إستملاك قطعة أرض تملكها شركة خاصة ستضطر إلى إقفال أبوابها وتسريح المئات من عمالها بينما تملك شركة كهرباء لبنان قطعة أرض بالمواصفات نفسها في المنطقة نفسها)!

ولعل القضية المحورية في مفاوضات الحكومة اللبنانية مع خبراء صندوق النقد، تتمحور حول تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية، أقله في المدى القريب، وثمة من يتحدث عن سعر يتراوح بين 2500 ليرة و4500 ليرة للدولار الواحد!

عندما طلب لبنان، قبل حوالي الأسبوعين، قرضا من صندوق النقد بقيمة تتراوح بين 600 و900 مليون دولار لمواجهة أعباء كورونا، كان الجواب سلبياً: لا قروض للبنان بعد أن أعلن تعثره عن دفع سندات اليوروبوند. بعد إنضمامكم إلى البرنامج، يصبح ذلك الأمر سهلاً

يقول الأميركيون والفرنسيون بشكل واضح: لا مفر لكم من صندوق النقد. يمكنكم بالمفاوضات تحسين شروطكم.

عندما طلب لبنان، قبل حوالي الأسبوعين، قرضا من صندوق النقد بقيمة تتراوح بين 600 و900 مليون دولار لمواجهة أعباء كورونا، كان الجواب سلبياً: لا قروض للبنان بعد أن أعلن تعثره عن دفع سندات اليوروبوند. بعد إنضمامكم إلى البرنامج، يصبح ذلك الأمر سهلاً.

توجه لبنان بسؤال مباشر إلى المسؤولين الأميركيين، وبينهم سفيرتهم الجديدة في بيروت: هل ستشجع واشنطن بعض الدول والمؤسسات والصناديق على تقديم مساعدات مالية للبنان؟ كان الجواب الأميركي سريعاً: بعد إنضمامكم إلى برنامج صندوق النقد، يمكن الأخذ والرد.

بطبيعة الحال، يبدو الفرنسيون أقل حماسة من غيرهم دولياً في موضوع صندوق النقد. سألوا عن إمكانية الإستعانة بصناديق أوروبية. هواجسهم تتصل بمصالحهم وليس حرصاً على لبنان. وفق المسار الممتد من “باريس 1” وحتى “سيدر”، لطالما طمح الفرنسيون أن تكون لهم الإدارة السياسية لبرامج المساعدات والقروض المالية الدولية للبنان.

مع صندوق النقد، تنتقل الإدارة السياسية إلى الأميركيين الذين يملكون 20% من أسهم هذه المؤسسة النقدية الدولية. قالها الفرنسيون بوضوح “زمن جاك شيراك الفرنسي إنتهى. النظرة الفرنسية التقليدية للبنان إنتهت”. البريطانيون لا يشاركون واشنطن تشددها. هم يعرفون حسان دياب وعاش عندهم عشر سنوات. لذلك، يفضلون أن يكونوا في موقع المراقب لا تقرير السياسات. يشبه موقفهم إلى حد بعيد موقف دول الخليج وخاصة السعودية. “نحكم على الأفعال لا على الأقوال”، وفق ما أبلغه أبرز الوزراء السعوديين في فريق ولي العهد محمد بن سلمان لمسؤول لبناني مؤخراً.

 ماذا بعد؟

لن يقتصر الأمر على عناوين إقتصادية ومالية. الحكومة الأميركية عينها على مفاصل محددة، وهذا هو الجانب التفاوضي الأصعب. هم سيتسللون من خرم تعزيز الواردات وضبط الأداء الجمركي ومكافحة الفساد في المرافق والمرافىء لإثارة قضية الحدود البرية (بين لبنان  وسوريا) والجوية (مطار بيروت) والبحرية (مرفأ بيروت وباقي المرافىء اللبنانية). هذه هي النقطة المحورية في تقييم الادارة الاميركية لعلاقتها بلبنان والكل يعرف عين الأميركيين على ماذا… وللبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course