يا صغار المودعين.. “بتستاهلوا”

أقله مرّة في العمر، ليذق اللبناني نتائج جهله. ليعرف أن الجهل قائد كل الهزائم. ليفهم أن الجهل أحقر عدوّ. ليدرك ما جنته يداه. تقاعسه. ما أورثته "التنبلة". ليفهم أن المال يشتري عبداً، لكنه لا يصنع حرّاً، ولو اعتقد "العبد" أنه يحارب لأجل الحرية. 

من يدرك اليوم أنه خسر ودائعه، ولا يبصق على زعيمه الذي غشه بعكس ذلك الواقع، فليدفن رأسه في التراب. إياه أن يشتكي. تلك وقاحة. إياه أن يصرخ. ذلك ضعف. ولو لم يستطع إلا الصراخ، فليبصق بوجه زعيمه أولاً، وليصفع نفسه ثانياً، ثم بإمكانه بعد ذلك أن يفعل ما يشاء.. لأنه بعدها سيكون قد تحرر من أول مكامن الضعف. من العبودية!

لا شماتة في الوجع. لا شماتة. لا يشمت في الوجع إلا شيطانٌ… أو زعيم! لكن هل يجب إغفال المسؤولية التي كان يجب على المواطن أن يتحملها ولم يفعل؟ فلنستدرك: هل من الصواب تسميته بالمواطن؟ قطعاً لا. من غير المعقول أن يكون المواطن عبداً. ألا يرضى بعقد اجتماعي سوى عقد العبودية. نعم. كانت العبودية تُفرض فرضاً، أما وأن تصبح عقداً اجتماعياً، فأي زمن هذا الذي نعيش فيه؟ كم مرة يجب أن نقتل ونحيا ونذرّ في الهواء، ثم نقتل ونحيا ونذرّ في الهواء، ثم يفعل بنا ذلك ألف مرة.. حتى نمزق هذا العقد من عقولنا القروسطية!

سيقرأ البعض هذه السطور. سيظن أنه غير معنيّ بها. إنه لمن أعتى المشاكل التي يمكن أن يواجهها الإنسان تلك المشكلة المسماة بالجهل المركب. إن مشكلة العبد أنه يعتقد أنه حرّ، وأنه أول من يرفع شعارات الحرية! ليس هذا فحسب. أنه يتحدث عن الجهل المركب وهو يسبح في يم الجهل المركب أميالاً ولا يغرق!

يعرف الزعماء كيف يؤكل الكتف. أهمّ وظيفة للزعماء، هي إطلاق الشعارات التي تنادي بقيم نبيلة. ثم تحفيظها لأزلامهم. ثم صياغة خطابات تنزع القيم عن الأخصام، فيما تلبسها لتوجهاتهم. ثم كيف لـ”الطيب” ألا تستميله خطابات كهذه. نعم. سيظل “الطيب” يوسم بأنه “غشيم” ما لم يعرف. ما لم يبحث في غير تلك الكتب والمقالات التي اختارها له زعيمه. ما لم يسأل. ما أصرّ أن يبقى عقله مؤجراً.. ما ظلّ طيباً بحمق.

في لبنان، الزعماء ليسوا زعماء وحسب.. هم قدّيسون. لأنهم ببساطة زعماء الطوائف. الطائفة يعني دين. الدين يعني مقدس. المقدس يعني لا يخطئ. لا يخطئ يعني الخصم هو الخطأ. هو الخطأ يعني أنه العدو. لا يقولونها بصراحة لكنهم يستبطنونها. في لبنان العبودية مقدسة. عقد العبودية مقدس. الزعيم دائما يريد “مصلحتنا”، ومصلحتنا مقدسة، وإننا شعب الله المختار.

لنعد إلى صغار المودعين. حسناً. هل ستشعرون بأن زعماءكم غدروكم حين تطير ودائعكم؟ أم أنكم ستبررون لهم كما العادة. هنا قاعدة جديدة من قواعد البقاء للزعيم: في حال أثبتت النتائج عكس ما وعد أو توقع، الخطة “ب” جاهزة. هم يجهزون خطابا جديدا للاقناع. يعرفون كيف يسلطون الضوء على جانب من الكلام، ويسقطون الجوانب الأخرى. ثم يركزون على هذا الجانب، ويشحنونه بالمظلومية تارة، وبالحقانية تارة أخرى. يجري تحميل المسؤولية للجهة التي سبحان الله عرقلت في آخر لحظة، خط تحت آخر لحظة، الخطة التي لو طبقت لكان وعدنا حقٌّ معلوم للسائل والمحروم.

تلك هي مصيبتنا. ما دام عندنا شعرة نستطيع أن نتمسك بها لنبرر لزعيمنا، سنبقى كذلك. تلك الشعرة تعني الكثير للعبد.. تعني الكثير.

يا ترى هل يجري النقاش في أيامنا هذه حول مشروع تحرير أموال صغار المودعين. من هم الصغار؟ أولئك الذين لا تتخطى ودائعهم 5 ملايين ليرة. هل تجري التهيئة لعملية “قص شعر” للمودعين الذي تتخطى قيمة ودائعهم هذا السقف؟ فوق ذلك، وفي عز الإفلاس المالي والإقتصادي، تعيد الحكومة الإعتبار إلى مشروع سدّ بسري بالرغم من أضراره البيئية والأخطر المضي بمراكمة الديون.

هل يعلم صغار المودعين أن الحكومة أشهرت إفلاسها يوم لم تدفع سندات اليوروبوند المستحقة منذ حوالي الشهر؟ هل يعلم هؤلاء أن الحكومة جاهلة ولا تملك تقديراً للموجودات، قبل بدء مفاوضاتها مع صندوق النقد؟

قد يقرأ هذا المواطن أكان مودعا صغيرا أم كبيرا هذا النص ويقول من هي هذه الصحافية التي تعلم اكثر من زعيمي.

إذاً، تعيش وتاكل غيرا، حتى… تستفيق من سباتك العميق!

النضال يجب أن يبتدئ من هنا. من الشعب الذي قدس عقد العبودية. المعركة هنا. الوباء هنا. إياكم أن تواجهوا الغلط بالحجْر الصحي. عرّوه. فقط عرّوه. لا تخافوا قول رأيكم. فالرأي قبل شجاعة الشجعانِ، هو أوّلٌ، وهي المٰحِلُّ الثاني.. هكذا يقول المتنبي الذي أوصى بالعصا للعبيد. ولعمري، لم يكتب هذا المقال بالحبر.. بل كتب بالعصا!

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download