لبنان الآتي: كورونا نائمة.. وانفجار شعبي كبير

دقّت مداولات مجلس الدفاع الاعلى في لبنان، للمرة الاولى، ناقوس الخطر الحقيقي في مسألتين: خطر تفشي فيروس كورونا في المناطق اللبنانية النائية، وخطر الانفجار الشعبي الكبير.

“90 في المئة من المودعين لن نمس بودائعهم في اي اجراء تتخذه الحكومة، لكننا لا نملك جوابا بشأن توقيت حصولهم على اموالهم، والجواب لدى حاكم مصرف لبنان بموجب قانون النقد والتسليف”. هذا الكلام لرئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب يكشف القعر الذي وصلت اليه الازمة المالية والنقدية، وحال انعدام الثقة بين مؤسسات الدولة الدستورية، وابرزها مجلس الوزراء وحاكمية مصرف لبنان التي تصر على عدم وضع الأرقام التي بحوزتها، بتصرف السلطة السياسية الحالية، لا بل بتصرف كل الحكومات المتعاقبة منذ تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا.

ثمة خوف آخر عبّر عنه رئيس الحكومة، عندما طلب من وزير المالية غازي وزني “فتح اعتماد بقيمة الف و800 مليار ليرة مخصص للكورونا وتداعياتها”، ما يؤشر الى مرحلة خطيرة دخلها لبنان على المستوى الاجتماعي والمعيشي، إذ أنه وكلما زادت ايام التعبئة العامة والاجراءات المرافقة، ارتفع منسوب العائلات التي هبطت الى ما دون خط الفقر، حتى من يملك المال، فهو غير قادر على التصرف به نتيجة حجز الودائع بالعملات الأجنبية من قبل المصارف، ووقوع المودعين أسرى دوامة الإتهامات المتبادلة بين المصارف ومصرف لبنان، فالاولى، تقول ان اموال المودعين لدى مصرف لبنان.. والاخير يقول انها لدى المصارف وسنزودهم بكل ما يطلبون “مع حبة مسك”.

هذا الامر دفع مجلس الوزراء اللبناني، امس (الخميس) الى استدعاء رياض سلامة الى الجلسة التي انعقدت في القصر الجمهوري، اذ بعد الانتهاء من تعيينات الاجهزة الرقابية التي لم تحظ بالاجماع وطرحت على التصويت بحيث اعترض وزراء المردة وحركة امل وقرر حزب الله أن يقف في الوسط، بحيث اعترض وزيره عماد حب الله مع المعترضين وصوّت وزيره حمد حسن مع المؤيدين، دخل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجوبه لمدة ساعتين متواصلتين بسيل من الاسئلة التي طرحها رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة ومعظم الوزراء، والتي لم تبق تفصيلا الا وتعرّضت له.

في عرضه للوضعين المالي والنقدي للاسباب التي ادت الى هذه المرحلة من الانهيار، احال سلامة السبب الى تراكم العجز في الميزانية العامة والفراغ الرئاسي الذي طال لسنتين وخمسة اشهر وسلسلة الرتب والرواتب وتداعيات ثورة 17 تشرين الاول/أكتوبر 2019 واقفال المصارف، وعدم دخول الدولارات الطازجة من الخارج ولان الاستيراد اكثر بكثير من التصدير “ونحن بلد مدولر، ما ادى الى ارتفاع سعر صرف الدولار لدى الصرافين”.

وكلما توجه احد الوزراء الى سلامة بسؤال حول احتياطي مصرف لبنان وأرقامه، كان سلامة يرفض كشف الارقام الحقيقية، لكنه رجح إعتماد سعرين للدولار ولفترة غير محددة زمنياً. وإعتبر ان السعر الرسمي للدولار “ساعد كثيرا في عدم ارتفاع الاسعار لا سيما المشتقات النفطية والمستلزمات الطبية والطحين والكهرباء”،  ووعد بضبط الصيارفة واصدار تعاميم جديدة بشأن المودعين فوق الخمسة ملايين ليرة وفوق الثلاثة الاف دولار، متحدثا عن اجراءات جديدة هدفها ترييح السوق، ومنها عدم تقييد أية ودائع جديدة بالعملات الأجنبية.

وعلم موقع 180 أن رئيس الجمهورية يلح على وزير المال الإسراع في تعيين شركة مالية دولية تتولى التدقيق في حسابات مصرف لبنان منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. وفهم أنه جرى التداول في إسم أكثر من شركة، وبعضها مجربة في دول مرت بتجارب مثل لبنان. وقد وعد وزير المالية بالبت بالأمر خلال فترة زمنية قصيرة.

ماذا عن كورونا؟

وفضلا عن تمديد حال التعبئة العامة في لبنان حتى السادس والعشرين من نيسان/أبريل الحالي، عرض المجلس الأعلى للدفاع، مؤشرات تقود الى نتيجة وحيدة، فاذا طال امد وباء كورونا، “لبنان ذاهب بلا هوادة الى انفجار اجتماعي معيشي شامل، بدأت تباشيره من خلال الاحداث الامنية المتنقلة والتوترات الشعبية في غير منطقة لبنانية، مع ازدياد حالة الاختناق على صعيد كل القطاعات الانتاجية والخدماتية”. هذا الإستنتاج المشترك بين جميع قادة الأجهزة الأمنية عززته الأرقام الرسمية بشأن حوادث السرقة وغيرها. فضلا عن تقارير إجتماعية تبيّن ازدياد حالات الفقر والبطالة واحجام عائلات عن تسجيل اسمائها للحصول على المساعدة المادية والعينية. وحذر قادة الاجهزة المعنية من ان حالة التوتر الإجتماعي “تزداد يوما بعد آخر، وهناك خشية من دخول البلاد في مرحلة من الفوضى نتيجة عدم وجود خطة ناجعة موازية للاجراءات المتشددة المتخذة”، وهذا التحذير دفع رئيس الحكومة الى الطلب من وزير المالية فتح اعتماد بقيمة 1800 مليار ليرة لمواجهة هذه التداعيات الإجتماعية، مع التركيز على مسألة الاجراءات الامنية الاستباقية والتعاون بين مختلف الاجهزة.

وبحسب محضر اجتماع مجلس الدفاع الاعلى، تولى وزير الاقتصاد والتجارة راوول نعمة نقل شكوى اصحاب المصانع من الاجراءات التي تمنع العمال والموظفين من الوصول الى عملهم، الامر الذي اجاب عليه وزير الداخلية محمد فهمي بتأكيد تقديم التسهيلات قدر الامكان وان المصانع بامكانها ان تفتح على مدار الساعة، ولدى توجيه انتقادات لقرار الداخلية بشأن سير السيارات وفق صيغة “مفرد ومجوز”، دافع فهمي عن الاجراء، واعتبره ناجحاً، وقال “انا لا اتراجع عن قرار اتخذته”.

واثار مجلس الدفاع الاعلى الوضع الصحي والفحوصات المخبرية لكشف المصابين بكورونا، واستمع الى عرض من وزير الصحة العامة حمد حسن عن زيارته الى الشمال وما لاحظه في بشري، ولعل اخطر ما قاله هو ان الوضع في طرابلس وعكار “غير واضح ولا يُعرف ماذا يحصل”، مطالبا جميع المؤسسات بالتركيز على منطقة الشمال “لانه يجري التكتم على الاصابات ولا يتم الافصاح عنها”، اما تفشي الوباء في بشري، “فمصدره شخص قدم من المانيا وقام برحلة تزلج استجمامية وقام بنقل العدوى لا أكثر ولا أقل”، وسط تخوف كبير من “اصابات نائمة” في مختلف المناطق اللبنانية.

وفي ضوء العرض الذي قدمه وزير الصحة، تقرر التشدد في الحجر والاجراءات، وان يكون الاسبوع القادم موضع متابعة دقيقة جدا مع اكتمال المرحلة الاولى من عودة المغتربين الإثنين المقبل (تستكمل بعد 14 يوما من تاريخ الثالث عشر من نيسان/أبريل الحالي)، بحيث ستعكف اللجنة المختصة على دراسة النتائج وتقييم هذه المرحلة، بالتزامن مع اعتماد فحوصات لعينات عشوائية في حميع المناطق بحيث تشمل ما بين 1000 و1500 حالة يومياً، مع الابقاء على حالة الجهوزية في فترة الاعياد.

في المحصلة، لبنان واقع بين حدين، وكلاهما يختزن المصائب، الحد الاول هو انكشاف حجم الاصابات النائمة بكورونا، الامر الذي يضع الدولة والمجتمع امام خطر تصاعد الأرقام بشكل دراماتيكي، والحد الثاني هو دخول البلاد في مجاعة حقيقية كلما طال امد الوباء، الامر الذي سيؤدي حتماً الى انفجار شعبي كبير.

داود رمال

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free